في تفكيك ظاهرة التطرف: كراهية تغذيها الانكسارات وسياقات الإحباط
30 اغسطس 2016 | 0 تعليق

*كاتب وباحث وصحافي عراقي
همام طه *

ليس التطرف دينياً مرتبطاً بالانغلاق الديني فقط، وهو ليس سياسياً مرهوناً بالمصلحة البراغماتية فحسب، كما أنه ليس محض سلوك مادي متصل بالميل للعنف والخشونة، لكنه نظام إدراك وشبكة معاني ووعي ثقافي، لذلك يتجذّر التطرف أيضاً ودائماً ثقافياً ورمزياً ومعنوياً، ويسلك ناعماً باطنياً خفياً عميقاً، فنحن لا نتوقع من المثقف النخبوي مثلاً أن يكون متطرفاً لما يتمتع به افتراضاً من معرفة وسعة أفق لكن الواقع يقول إن احتمالات تطرف النخبويين والمثقفين والمتعلّمين والأكاديميين كبيرة، فالتطرف الثقافي، كما السياسي والديني والأيديولوجي، إنعكاس لثقافة التطرف ومنظومته القيمية وسياقاته ومناخاته البيئية الضاغطة.

وهنا، وبناء على هذا المفهوم الثقافي والنفسي والسلوكي للتطرف، أتفق مع ما يذهب إليه الكاتب سامر خير أحمد من أن "المجال الحقيقي لمكافحة الفكر المتطرف، ليس الخطاب الديني الذي لا يضرب عميقاً في جوهر المشكلة ودوافعها، بل الخطاب الثقافي الفكري الذي يحدّث الناس عن النهضة ومتطلباتها وشروطها"(1)؛ لكني أسجّل تحفظي على مفهوم "تحديث الناس عن النهضة" الذي أراه دعائياً تعبوياً فوقياً، وأفضّل عوضاً عنه التعبير عن هذه الآلية المقترحة بمفهوم ديمقراطي تنموي أفقي هو تعميم وتعميق "مشاركة الناس" في الحوار الثقافي والسياسي والاجتماعي.    

وتبدو عملية تفكيك التطرف شديدة الصعوبة إذ باتت مركباته اليوم، بعد عقود من هيمنة ثقافة التخلف مع فكر ديني أصولي واستحكام سياقات سياسية واقتصادية قاسية واحتقانات اجتماعية مدمّرة، جزءاً من البنية النفسية للأفراد والتكوين الثقافي للمجتمعات، وبذلك يكون التخلص من التطرف وانتزاعه من داخل الإنسان، ومن ثم من بنية المجتمع، عملية تغيير مؤلمة ومستعصية تحتاج إلى قرارات تبدو للمتطرف متطرفةً وغير معقولة بالضبط كما يبدو سلوكه متطرفاً وغير عقلاني بالنسبة إلينا.

عندما نريد من المتطرف أن يتحلل من فكره المتطرف لإنقاذه وإنقاذ المجتمع من سلوكه الانتحاري فإننا ندفعه إلى ما يعتبره هو انتحاراً أيضاً. تقول كاثلين تايلور في كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري"، وفيما ينقله عنها الكاتب إبراهيم غرايبة (2)، إننا لو حاولنا فهم لماذا يتصرف المتعصبون لعقائدهم مثل ما يفعلون، فعلينا أن نتذكر أننا عندما نخالفهم ونتحدى أفكارهم فإننا بالفعل نطلب منهم أن يُغيّروا كثيراً من ماهيّتهم وذواتهم، وهذا من منظورهم يشبه "الانتحار النفسي" ولا يعني هذا، والكلام لتايلور، أن أفكارهم ليست سخيفة أو مضحكة أو غير معقولة أو خطيرة بكل ما في الكلمة من معنى، فهذا شيء قائم بذاته.

وتفسّر تايلور، أستاذة علم النفس العصبي بجامعة أوكسفورد، تلك الظاهرة بأن المعتقدات راسخة القوة تكون أقرب إلى اعتبارها جزءاً جوهرياً وصميمياً من النفس وليس مجرد سمات وملامح قابلة للتعديل. وهذا، برأيها، يجعل تكلفة التغيير باهظة جداً.

وتعتقد الأكاديمية الأمريكية أن مثل هذه المقاربة تنطبق علينا جميعاً، وليس على المتطرفين فقط الذين يتجاوزون الخطوط والحدود؛ لأن معتقداتهم تتطلب العنف، موضحةً أن المعتقدات التي لا تهمنا نغيّرها بتكلفة قليلة، لكن تكلفة تغيير القناعات الراسخة ستكون مروعة، وتصفها بأنها "شيء مثل إصابة بالغة؛ مثل بتر عضو من الجسد، أو حتى أكثر من ذلك، لأن تغيير مثل هذا المعتقد يشعر به الإنسان وكأنه كسر جزء من النفس أو الذات".

العقيدة والكراهية

وعلى الرغم من أن التسبيب الأحادي للتطرف، عبر الربط التسطيحي والاختزالي بين الدين والتطرف، هو منهجية تفتقر للعمق المعرفي والموضوعية العلمية فضلاً عن افتقادها للواقعية؛ فإن التدين عموماً، وبمعزل عن العوامل الأخرى الصانعة للتطرف، يشكّل بيئة مساعدة على التطرف إذا لم يتم تحصين ظاهرة التدين بإطار اجتماعي واقتصادي عقلاني وضمان حقوقي ناجز وحراك ثقافي منفتح تكفله مؤسسات وتشريعات الدولة ويغذيه ويديره المجتمع. ذلك أن عناصر التدين مع الانغلاق الاجتماعي والضنك الاقتصادي والجمود الثقافي والانسداد السياسي تشكّل جميعاً منظومة عوامل إنتاج التطرف بصيغته المعقدة العصيّة على التفكيك. يقول الفيسلوف الأمريكي إيريك هوفر في كتابه "المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية": "يعاني أتباع الأديان السامية شعوراً بالذنب عندما تتسع الهوة بين تعاليم دينهم وواقعهم المليء بالمعاصي، وعندما يدخل التطرف الصورة، فإن الشعور بالذنب يتحول إلى كراهية سافرة، وهكذا نجد كل ما ازداد التطرف عند أتباع مذهب ما - مهما كان هذا المذهب سامياً - كلما نما لديهم شعور بالكراهية"(3).

لقد اعتقد هوفر في كتابه الصادر عام 1951 أن "الحركات الثقافية المتعصبة والمتطرفة، سواء كانت دينية أم سياسية، تنشأ في ظروف يمكن التنبؤ بها؛ عندما يعتقد أعداد كبيرة من الناس بأن حياتهم الفردية لا قيمة لها، وأن العالم الحديث فاسد لا يمكن إصلاحه، والأمل الوحيد يكمن فقط في الانضمام إلى مجموعة أكبر تهدف إلى تغييرات جذرية"(4).

وقد يكون التطرف الديني ترجمةً لفشل شخصي وعدم قدرة على تحقيق الذات على المستوى الفردي، فالفشل المهني أو الدراسي أو الاجتماعي أو الأسري أو الروحي، وما يفرزه من عجز عن الفخر بالتفوق الشخصي والإنجازات الذاتية يدفعان الإنسان للتفاخر بانتمائه إلى إطار اجتماعي، كالهوية أو الطائفة أو القبيلة، سعياً لتعويض ما يعانيه من نقص الإنجاز والحاجة للتقدير الاجتماعي، لاسيّما إذا كانت الثقافة الاجتماعية تحتفي وتعتد بهذه الانتماءات. وفي ذلك يوضح هوفر: "كلما استحال على الإنسان أن يدعي التفوق لنفسه كلما سهل عليه أن يدّعي التفوق لأمته، أو لدينه أو لعرقه، أو لقضيته المقدسة".

وقد هيّأ ما سمي بـ"الصحوة الإسلامية"، التي انطلقت في السبعينيات والثمانينيات وتفاقمت في التسعينيات، إطاراً اجتماعياً هو الانتماء للأصولية الدينية كملاذ خلاصي دينوي ودُنيوي لكل المحبطين والشاعرين بالسلبية واللاشيئية والقنوط الذاتي والفشل وفقدان الأمل وانعدام المعنى واللاجدوى على وقع الإحباطات السياسية والضغوط الاقتصادية والتحولات الاجتماعية والانسحاق المعيشي والانكسار الشخصي والأسري. ولعل خير ما يلخص هذا المشهد قول هوفر: "إن الإيمان بقضية مقدسة هو - إلى درجة كبيرة - محاولة للتعويض عن الإيمان الذي فقدناه بأنفسنا". 

لكن هذا لا ينفي أن بعض قادة التطرف لم يكن ينقصهم الإنجاز الشخصي المهني؛ مثل زعيما تنظيم القاعدة؛ الحالي الطبيب أيمن الظواهري والسابق رجل الأعمال أسامة بن لادن، فقد يكون الفشل هنا أو الإحباط الذي سهّل انجراف الرجلين إلى التطرف والإرهاب نمطاً من الانهزام النفسي أو الإنساني أو الاجتماعي، أو ممثلاً في أزمة وجودية أو روحية، وليس بالضرورة فشلاً بادياً على صعيد المهنة أو التعليم أو المكانة الاجتماعية أو الوضع الاقتصادي.

ثمّة أزمة داخلية حادة تعيشها الشخصية المتطرفة فتنعكس على علاقتها بالعالم الخارجي والآخر والمحيط الاجتماعي. وهذا ينطبق على كل ذات، سواء كانت فردية أم جماعية أم أممية، وسواء تمثلت في ثقافة أو وعي أو طبقة أو شريحة، فأزمة التوافق الداخلي هنا تستحيل إلى أزمة في التوافق مع الآخر وفي الاندماج الاجتماعي.

وهذا ما يختصره الفيلسوف هوفر بعبارة مفادها أن "خلافنا مع العالم صدى للخلاف المستمر بداخلنا"، فعندما نكون متطرفين في التعامل مع أنفسنا من الطبيعي أن نتطرف في تعاطينا مع الآخرين والقضايا حولنا، وحين نعجز عن إدارة صراعنا الذاتي بطريقة رشيدة لصالح هدوئنا النفسي واستقرارنا الداخلي سنعجز عن إدارة الصراع الاجتماعي بطريقة عقلانية لصالح التهدئة الاجتماعية والسلم الأهلي والاستقرار السياسي.

تفويض المجتمعات

المدخل الأقل تكلفة والأكثر نجاعة وفاعلية في تفكيك منظومة التطرف في مجتمعاتنا، باعتقادي، هو "تفويض المجتمعات"؛ فعوض أن تقوم المجتمعات بتفويض زعيم أو قائد للقضاء على الإرهاب عبر العسكرة والقمع وقوانين الطوارئ وانتهاك الحقوق والحريات وإماتة السياسة وتكبيل الاجتماع، يفترض أن يكون العكس هو المسار بأن تبادر الحكومات لتفويض المجتمعات بالنهوض بمهمة تفكيك التطرف عبر فضاءات الدولة المدنية والمشاركة السياسية والمسؤولية الاجتماعية والمواطنة وحقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة. وذلك بأن تُمنح المجتمعات الثقة والصلاحية والسلطة والتخويل لتعيد اكتشاف ذاتها وتطلق طاقاتها، وتتحمل مسؤولية المخاض الاجتماعي والحراك الثقافي. وفي ذلك يقدم إبراهيم غرايبة في كتاباته نظريته في مواجهة التطرف عبر ما يسميه "تعزيز استقلالية المجتمعات وولايتها على نفسها" فيقول: "لم يعد ممكناً مواجهة التطرف والكراهية من غير مشاركة المجتمعات، وأنه لا يمكن إجبارها على المشاركة، وأنها (المجتمعات) لن تكون قادرة على المشاركة حتى في حالة عدم ممانعتها إن لم تكن مؤهلة لذلك، فلا يمكن لمجتمعات أن تواجه الكراهية والعنف إلا أن تكون متماسكة ومنظمة، وتملك مؤسساتها ومواردها وولايتها على شؤونها واحتياجاتها"(5).

ويبقى تفجير الطاقات الاجتماعية مرهوناً بإطلاق سراح العقول من الاعتقال الأصولي والتفكير الرجوعي والعقلية التراثية، ومن الهيمنة القبلية والكهنوتية المناوئة للتغيير. وكلمة السر هنا هي الإبداع؛ أن تستعيد المجتمعات قدرتها على الإبداع والابتكار والخلق، والاستمتاع بالإنجاز بكل ما فيه من رضا وشعور بالتوافق والسلام والانسجام والتصالح مع الذات والمجتمع، والرغبة في الاستغراق في الأفعال الخيّرة والنبل الاجتماعي والتمتع بثمار استشعار الكرامة الإنسانية في محيطنا.

إن غياب الاحتفاء بقيمة الإبداع في حياتنا قتل الفردية وأنعش الشعبوية الجارفة والغوغائية العاطلة المعطّلة، وأوقع الأفراد فرائس لسطوة الجموع الغفيرة المستلبة عاطفياً وأيديولوجياً من تنظيمات التطرف الديني. ولعل هذا يتفق مع ما يذهب إليه هوفر في كتابه إذ يوضح: "لا شيء يعزّز ثقتنا بالنفس ويساعدنا على العيش معها كالقدرة المستمرة على الإبداع؛ أن نرى الأشياء تنمو وتكبر بين أيدينا يوماً بعد يوم". ولا يستبعد هوفر أن يكون اختفاء الحرف اليدوية في الأزمنة المعاصرة سبباً في "تزايد الإحباط وفي انجذاب الفرد إلى الحركات الجماهيرية".

البحث عن المعنى

ومن القضايا اللافتة، في مسألة تفكيك التطرف، انتماء النساء للحركات الإسلامية السياسية أو القتالية على الرغم من الموقف المتزمت لهذه الحركات تجاه المرأة وحقوقها. ولذلك لاحظنا انخراط نساء في جماعة داعش فكرياً أو تنظيمياً. ويؤكد هذا السلوك برأيي الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا ، حيث أصبحت النساء أنفسهن جزءاً من الوعي الاجتماعي المُنتهِك لحقوق المرأة، والذي يعبّر عن نفسه أيديولوجياً وحزبياً في حركات الإسلام السياسي التي ترفض مثلاً تولية المرأة للمناصب العليا في الدولة.

إن غرض الانتماء لأية حركة جماهيرية في نظر إيريك هوفر هو البحث عن المعنى والغاية، فعندما يعتنق شريحة من النسوة قضية مقدسة يُسخرن لها وجودهن كله وطاقتهن كلها، فإنهن برأيه يجدن "حياة جديدة مليئة بالمعنى والهدف". 

وتبقى المرأة خاضعة لهذا الاستلاب النفسي والفكري، حتى عندما يحصل داخل التنظيم تحول أيديولوجي يسمح لها بالحصول على مناصب قيادية مثلاً؛ إذ تبقى تعتبر هذا التحول ميزة حزبية للتنظيم كجماعة وأيديولوجيا تُشعرها بالفخر العقائدي وليس اعترافاً حقوقياً لها وبها كفرد وإنسان يفترض أن تستشعر معه كرامتها واعتدادها بذاتها.

ويشترك البشر، ذكوراً وإناثاً، في البحث عن المعنى في هذه الحياة. ولذلك ليس مستغرباً أن نجد شباباً يتمتع بأوضاع مادية جيدة ومكانة اجتماعية ممتازة يترك كل هذا ليلتحق بداعش. فعندما تعجز الأنظمة السياسية والاجتماعية عن تخليق "المعنى" الذي يمكن أن يمنح الأجيال الأمل في المستقبل، فإن الانجراف إلى التطرف وخيارات اليائسين يكون الملاذ بالنسبة إليهم.

وبهذا التأويل لا يكون الضغط الذي تسببه البطالة على الشباب اقتصادياً فقط؛ لكنه نفسي ووجودي بالدرجة الأولى. وهذا ما يشرحه هوفر بإضاءته: "إن اليأس الذي تسببه البطالة لا ينبع من خوف الفقر فحسب، وإنما من مواجهة مستقبل من الفراغ"، مؤكداً أن العاطلين ينزعون إلى "اتّباع الذين يبيعونهم الأمل قبل اتّباع الذين يقدمون لهم العون".

ووفق هذا المنطق تكون الحكومات والمجتمعات ملزَمةً بأن تُشبع لدى الشباب المطلبين معاً؛ الأمل والإشباع الفكري والمعرفي والإبداعي والمعنوي والوجداني، وأيضاً فرص العمل والترقي الاقتصادي والاجتماعي. فعندما لا يتعلم اليافعون والشباب العزف والرقص والغناء الرسم والنحت والمسرح وتطوير برامج الكومبيوتر، فإنهم يقعون فرائس لأيديولوجيات الهشاشة والخواء المتطرفة والمتعصبة.

وحول دور الإبداع في مكافحة التطرف يقول الباحث محمد أبو رمان: "لا يمكن عزل التطرف عن عدم وجود مساحات واسعة لدى الشباب لملء الفراغ بما هو مفيد، وتنمية هواياتهم ومواهبهم في الاتجاه الصحيح، واكتشاف ذواتهم وتطوير هويّاتهم في الخط الإيجابي لا السلبي؛ في الجامعات والمدارس والمجتمع. وهذا ليس شرطاً أن يكون أمراً دينياً محضاً، بل هو في مختلف المجالات".

كما يضيف أبو رمان أن "مناعة الشباب والمجتمع إزاء التطرف لا تكمن في تعزيز "أسوار الرقابات"، وتعويم مفهوم التطرف، لتستغله الحكومات فتسجن كل من ينتقد السياسات الرسمية بذريعة التطرف والتحريض على الإرهاب، بل على النقيض من ذلك؛ هي بفتح الباب واسعاً أمام الحريات العامة وحق التعبير، وترك الشباب يعبّرون سلمياً عن أفكارهم ومواقفهم، ليقارع الفكر بالفكر، وتخوض الكلمة المستنيرة معركتها مع الكلمة المتشددة، ويشهد المجتمع سجالاً بين الأصوات العقلانية المستنيرة والأصوات المتشددة والمتطرفة"(6).

والاستراتيجية التي يمكن التعويل عليها باعتقادي لمكافحة التطرف والعصبية الطائفية في عالمنا المعاصر هي أن نعيد اكتشاف أنفسنا كأفراد، وأن نعود لتنمية الشأن الشخصي الخاص وإعطائه الأولوية على ما سواه. ولا يعني هذا التنكّر لمسؤولياتنا الأسرية والاجتماعية ومسؤوليتنا تجاه المجتمع العام الذي نعيش فيه؛ لكن الاهتمام بالذات سيكون هو المدخل للاهتمام بالغير والآخر. فكلما صرنا أكثر كفاءة نفسياً ومعرفياً على المستوى الشخصي سنكون أكثر فائدة ومنفعة لكل الذين حولنا. ليس تركيزنا على بناء ذواتنا أنانية أو جحوداً تجاه المجتمع لكنه عين العقلانية، وهو الوفاء الحقيقي للأسرة والأصدقاء والمجتمع ككل.

إن الطائفية بحد ذاتها نتاج لتراجع الفردية وتوقف الأشخاص عن الاهتمام بأنفسهم، فالطائفية في وجه من وجوهها تعبّر عن اهتمام مبالغ فيه وغير طبيعي بالقضايا السياسية والهوياتية والجهوية ما يقود لمفاقمة الأزمات العامة بدل المساهمة في حلها.

وهذا المعنى يلفت إليه هوفر فيبيّن أن "الرجل ينزع إلى الاهتمام بشؤونه الخاصة عندما تكون جديرة بالاهتمام. أما عندما لا تكون لديه شؤون خاصة حقيقية، فإنه ينزع إلى نسيان شؤونه التي فقدت معناها والاهتمام بشؤون الآخرين الخاصة"؛ ويعبر هذا الاهتمام بالآخر عن نفسه، وفقاً لهوفر، بالغيبة والتجسس والفضول، وأيضاً بصيغة "اهتمام غير طبيعي بالشؤون المجتمعية والقومية والعرقية".

ويلخّص الفيلسوف الأمريكي هذا النزوع ببلاغة، فيقول: "إننا عندما نهرب من أنفسنا نلقي بثقلنا على عاتق جارنا، أو نُطبق على عنقه".

(1)          سامر خير أحمد، مقالة بعنوان: ("الأوقاف" والتعاطي الوطني مع التطرف)، صحيفة الغد الأردنية.

(2)          إبراهيم غرايبة، مقالة بعنوان: (استعلاء الإيمان! كيف تتكون المشاعر المؤسسة للتطرف والإرهاب؟)، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

(3)              Eric Hoffer, The True Believer: Thoughts on the Nature of Mass Movements, www.goodreads.com            

(4)          ترجمة إيريك هوفر، (21 مايو 1983 25 يوليو 1902)، فيلسوف الأخلاقية والاجتماعية الأمريكي، موسوعة ويكيبيديا.

(5)          إبراهيم غرايبة، مقالة بعنوان: (الحرية أو التطرف والكراهية)، صحيفة الحياة اللندنية. كما تدور حول هذه المقاربة عدة مقالات للكاتب في صحيفتي الغد الأردنية والعربي الجديد اللندنية.

(6)          محمد أبو رمان، مقالة بعنوان: (هذه هي المشكلة!)، صحيفة الغد الأردنية.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق