في "القراءةِ التدبرية" و مسالِكِ التقاطِ التعالي
23 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

باحث مغربي *
محمد التهامي الحراق *

 

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)

 (سورة محمد، الآية 25)

 

1)   المسلمُ إزاء قرآنه..

ربما كنا نحتاج إلى بذل جهد استثنائي لالتقاط التعالِي الملائِم لزماننا من القرآن الكريم. يتوقفُ الأمر على جهد نسكي إيماني وعلمي، رياضةٍ قلبية وعقلية، بذلٍ فكري روحي، استلهامِ الماضي والحاضر، إنجازِ نوع من المجاهدة في القراءة، ثم امتلاك القدرة على اعتصار ما يبدو محدودا لتقطير قبس من اللامحدود. الأمر ليس معطى ناجزا؛ ولا يظفر به الكَسالى أو "جبناء" العقل والقلب، لذا فالاقتناع العقلي جهدٌ مثلما الطمأنينة القلبية جهد؛ والذي يعتبر أن كلَّ شيء قد أُنجز من لدن القدماء، فإنهُ يعيشُ عالةً عليهم؛ بل إنه يُجَافي "سُنَّتَهم" في بذلِ الجهد لاستحقاق ذاك "الاقتناع" و تلك"الطمأنينة"، لذلك لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. والفرقُ بين تدينِ الأسلاف الذين شيدوا أركانَ الدين والحضارة المنبثقة منه، أنهم ربِحوا رهانَ جدلية التعالي والصيرورة في التعامل مع القرآن الكريم؛ أو قل ربحوا رهانَ تثمير النص المحدود في الزمن اللامحدود، وهو تثمير يقتضي "تفليحا" و"زرعا" و "رياًّ" و"تهذيبا" و"تشذيبا" و "حُسْنَ قِطاف". و واهِمٌ من يعتقد أنه "لن يصلحَ أمرُ الأواخر إلا بما صلح أمرُ الأولين" دون إدراك سر صلاحِ الأولين؛ إنه هذا الإعداد والاستعداد والعدة المتجددة لـ "الذهاب" إلى النص القرآني بعقل ما يفتأ يُطوِّر ويُجدِّد ويشحذ أدواتِه وخبراته ومفاهيمَه ومعارفَه، وبقلبٍ ما يفتأ يجددُ قدرتَه على الحدس والاستشفاف والاستبطان والكشف البصائري، مما كان أهلُ العرفان يرمزون إليه بـ "صقلِ المرآة"[1]؛ "مرآةَ البصيرة" يعنون. بعبارة أخرى لابد من صقل مرآة "النظرِ" (العقل)، ومرآة "البصيرة" (القلب)، ودون هذه المزاوجة بين جهد "أهلِ النظرِ" و"أهل النظرَة"، دون تثمير جدلية "نعم ولا"، بلغة الشيخ الأكبر في لقائه الشهير مع فيلسوف قرطبة أبي الوليد بن رشد[2]، سيظلُّ حضورُ النص القرآني بيننا حضوراً عقيما تتجاذبه "الطقوسية" التي لا روح فيها، و "الحرفيةُ" التي لا عقلَ معها، وهُما معا مدمرتان للعقل والقلب؛ أي مدمرتانِ لتعالي الدين في التاريخ، و من ثم  فهُمَا مدمرتان لدين الحياةِ و حياةِ الدين.

2)المسلمُ القرآني و"القراءةُ التدبريةُ"

يقتضي الالتقاطُ الدائمُ للتعالِي من المسلِمِ القرآني الحقِّ أن يكون مؤمناً متسائلاً، لا يفترُ عن محاورةِ قرآنهِ و مساءلته، يتدبر آياته، مُجَدِّدا في كل مرةٍ زاويةَ و وسائطَ اقترابه من "كلام ربه". يقتضي ذلك منه أن يُؤمنَ أنَّ الدين قد تم واكتمل مع خاتم الأنبياء، لقوله تعالى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" (سورة المائدة، الآية 4)؛ لكن أن يعيَ في ذات الآن أن القراءات بلا نهايةٍ أو حدٍّ، لانعدام القراءةِ الخاتِمةِ و استحالةِ ظهورِ خاتِم الفقهاء والمفسرين كما يؤكد ذلك المفكر عبد الكريم سروش[3]؛ ذلك أن النصَّ القرآني منفتحٌ على "العالمين"، أي على مخاطَبينَ لا نهائيين في الزمان و المكان، و أن  قراءة النصوصِ الدينيةِ ترتبطُ بمعارفَ إنسانيةِ ما تفتأ تُطَوِّر من أدواتها، ما دام العقلُ الإنساني القارئُ، في رحلة دائمة نحو الحقيقةِ، يغامر في المجهول مُتعَلِّماً من أخطائه و مجتَهِداً لتجاوز نِسبيَّتِهِ المُحايِثَةِ.

لذا، لا وصايةَ على المؤمنِ المتحاوِر مع القرآن الكريم، بل إن مسارَ الإيمانِ يمرُّ عبر هذا الحوار المتجدِّد، وأيُّ تفريط في هذا الحوار بالجمودِ على أسئلة متوارَثة يَحرِم المؤمنَ من اكتشاف "عجائبَ" و"أوجه" في كلامِ ربه، من شأن أسئلتِه الخاصةِ أن تُجَلِّيها، وتُميطَ عنها حُجبَ بعضِ التفاسيرِ الموروثة وأوهامِ بادئِ الرأي و مُسبَقََاتِ النظرِ المُقَفَّصِ في نطاقاتٍ إدراكيَّةٍ مُتجاوَزَةٍ معرفيَّا و تاريخيا؛ و هي حُجبٌ تسجُنُ المؤمِنَ في منظوراتٍ بشرية نسبيَّةٍ انتَحلتْ تاريخيا  هيبةَ الإطلاقِ في النصِّ المقدس.

إن اختلاءَ المؤمنِ بالقرآنِ الكريمِ ليحاورَه، و ليبقي جذوةَ تعاليهِ متقدةً في قلبه و عقلهِ، أمرٌ لازم  تعبديًّا و معرفيا، لكنه مشروط بالاستعدادين القلبي والعقلي؛ الاستعداد القلبي القائم على تخليةِ القلب من كل الأكدارِ المعنويةِ و الموانعِ الخُلقيةِ التي قد تُفقِدُه صفاءه الروحي المؤهِّل له لاستشفافِ المعنى؛ والاستعداد العقلي القائم على تطوير العدَة العلميةِ والأدواتِ المعرفية والوسائط المنهاجية التحليلية والنقدية. وهو ما يقتضي من المؤمن أن يُطَوِّر حوارَه مع قرآنهِ من خلال التطوير الدائم للأسئلةِ التي يطرحها على النص؛ أما أن يُغلق قلبَه وعقلَه على موروث الإجاباتِ التي أفضت إليها مساءلاتُ أجدادِه للنص، فذاك لا محالة مُفضٍ إلى إحراجات إيمانيةٍ وعقليةٍ، هي نتاج أزمةٍ في القارئِ لا في النَّص المقروء.

كان كونفوشيوس الحكيم يقول: "لا أستطيع شيئا لمن لا يطرحُ الأسئلةَ". ذاكَ لسانُ حالِ القرآن الكريمِ إزاءَ المؤمنِ الذي عُقِدَ لسانُهُ عن مساءلةِ كلامِ ربِّه. أمرٌ أوضحه، بشكل بيداغوجي لامع، المفكرُ عبد الكريم سروش بقوله: "إننا غارقون دائما في محيطٍ من التفسيرات، فالنص لا يكلمكُم، وإنما عليكمْ أنتم جعله يتكلم بطرح أسئلتكم عليه. تصوروا أنكم في حضرةِ عالِم، لكنكم لا تطرحونَ عليه أي سؤالٍ وهو يبقى صامتا، من البديهي أنكم لن تجنوا أية فائدةٍ من معرفتكم به، أما إذا طرحتُم عليه أسئلةً فإنكم تستخلصون منه بعضَ المعرفة بحسب مستوى الأسئلة التي طرحتموها"[4].

الأمر نفسهُ كان قد نبَّه عليه، في وقتٍ مبكِّرٍ، الإمام علي بن أبي طالب حين أكد أن القرآن الكريم صارَ بعد غياب الرسولِ e "مُصحفاً صامتاً"، أو خَطّا مسطوراً بين دفتين "لا ينطق بلسان، ولا بد له من ترجمان، وانما ينطق عنه الرجال"[5]؛ أي يستنطقُه مَن يُحاورُهُ، وهي محاورةٌ يجبُ أن تتأسس، في اعتبارنا، على "التدبُّر" بما هو وصلٌ بين الاستبطانِ القلبي والتساؤل العقلي[6]؛ أي بين العمل على "تعقل" الإيمان، وكذا على توسيع "العقل" ليستوعِبَ ما يشِذُّ عن نطاقهِ و ينفلتُ من "عقالهِ" من أمور الغيب[7]. وهذه الجدلية التي تجعلُ حدود العقل والإيمان متحركةً بما يجددُ من معقولية الإيمان ويوسِّع من دائرة العقل بشكل دائمٍ هو ما يميز، حسب اعتقادنا، "القراءةَ التدبُّريَّة"[8] التي تحررنا من حَدِّيةِ ثنائية "القراءةِ الإيمانية" و "القراءةِ العلمية" للقرآن الكريم بما هي حديَّةٌ تُناقِضُ بين موقف المؤمن الذي يتعاطى مع كلام الله كمصدر حياة، وبين موقف الباحث المؤرخ الذي يتعامل معه كموضوع اشتغال علمي ومصدر معرفة[9].

ثمة أيضا بعد رئيس في هذا الاقتراب "التدبُّري" من القرآن الكريم، هو أن هذا الأفق يخرجنا من السياج الوضعاني الذي تتأسس عليه وتنحصر فيه المقاربة التاريخية المغلقة، والتي تريد أن تحصر "الخطاب" القرآني في أفقه الأنثروبولوجي، وتجمِّد دلالات "الخطاب" و"مفاهيمه" في حجاز الجزيرة العربية خلال القرن السابع  الميلادي ضمن مجتمع صحراوي قبلي ذي أعراف متصلة بالخصوصيات الجغرافية والديموغرافية والأنثروبولوجية للعرب في محيطهم المخصوص. وإلى هذا يذهب، بنوع من التفاوت في الدرجة،  مجموعة من الباحثين مثل جاكلين الشابي و محمد أركون و رشيد بن زين و "محمود حسين"[10]... إلخ. وهو ما لا يمكن أن تقبله "القراءة التدبُّريَّة" كما نفهمها؛ لأن هذه الأخيرة لا تُلغي التاريخ ولا الشروط الأنثروبولوجية التي تحكم تلقي الخطاب القرآني عند انبثاقه في سياقه الأول، لكنها تؤكِّد أن هذا الخطابَ ما يفتأُ يتجاوزُ نفسَه، ويبذُر ما به ينفتح خارج نطاقه الأنثروبولوجي وخارج حدوده اللغوية والتاريخية[11]؛ ذلك أنه يمزج التاريخَ بالتعالي، و المتحول بالثابت، و هو ما جعل "المؤمن"، على مر التاريخ، يرجع إلى "النص" ليلتقط ذاك التعالِي بشكل متجدد في التاريخ الصائر والمتغير. و هذه الجدلية  العميقة هي التي تعصفُ بها "القراءة التاريخية المغلقَة" بمنهاجها الوضعاني أو بأفقها التفكيكي، مثلما تعصفُ بها "القراءة الحرفيةُ المغلقة" بمنهاجها اللاتاريخي أو بأفقها الأصُولاني. وهذا المأزق المزدوج هو ما تتيحُ  تَجاوزَه و التحرر منهُ "القراءةُ التدبريةُ" للقرآنِ المسطور و "القراءةُ التفكرية" للقرآن المنشور (الكون)، من حيث كونهما عنوانين للقراءة العقلانية الإيمانية في الإسلام[12].

3)   من "الراحة النفسية" إلى "الطمأنينة الإيمانية"

تقتضي "القراءةُ التدبريةُ"  التّفطُّنَ إلى خللٍ آخر في علاقتنا بالقرآن الكريم، وهو عدم التمييز في التعامل معه بين "الراحة النفسية" التي يُثمِرها الاستئناسُ بموسيقى النص، وعوائدُ التسليمِ به وله، وألفةُ الانغماس في عوالِم تمجيده وتبجيله الموروثين عن التربية والمجتمع؛ وبين "الطمأنينة الإيمانية"، تلك المبنية على "التدبر" المتحقِّقِ من خلال محاورة النص عقلا وقلبا هنا والآن؛ أي من خلال التثقيفِ العلمي للنظر والتأهيل الروحي للبصيرة، من أجل إدراك روح هذا النص في زمكان المتلقي، و في ضوء أسئلته وأشواقه المخصوصةِ في الراهن المعاصر. فهذه "الطمأنينة الإيمانية" تمتلك قدرةً تفتقدها "الراحة النفسية" التي هي نتاج "العادة"؛ ذلكَ أن "الطمأنينة الإيمانية" هي نتاج معاودة مساءلة "العادة"، إن لم تكن خرقا لمألوف معناها ابتغاء تجديده وتحيينه وإخراجه من عالم الرتابة إلى أفق الغرابة. ذاك هو معنى "تجديد الإيمان"  بما هو تعالٍ يجدد القشعريرة في متدبرِ النص القرآني: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ( (سورة الزمر، الآية 23). على أن من أهم ما يُميّزُ و يخصِصُ "الطمأنينة الإيمانية" أنها طمأنينة متعديّة لا لازمة، أي في مقدور صاحبها أن يُقنِع بها وينافحَ عنها ويمدَّ بها، بل في قدرتِه أن يخلقَ الشغف بها ويلبِّي الشوقَ إليها؛ وذلك في عالم يؤجِّج هذا الشوق بقدر ما يجفِّفُ، باستهلاكيته وفوضاه المعنويةِ، منابعَ تغذية هذا الشوق التقليدانية.

لأجل ذلك نرى أن ذهاب المسلمِ اليوم إلى "مجالسة" و"مدارسة" و"محاورة" القرآن الكريم ذات مستويات، أدناها الاستجابة  الناجمةُ عن الألفة مع النص ولغته وموسيقاه وهدايته المستمدة من أفق إيماني موروث؛ أفق بدأ يفقد صفاءه من خلال اختراقات العولمة وتعددية أصوات العالَم وصور التدين فيه، و كذا من خلال انفتاحِ سوق المعنى وتجريفه الشرس من لدن طوفان الاستهلاك والتبضيع الذي لا يُبقي شيئا في الحس والمعنى دون تسليعه، فضلا عن كون هذه الاستجابة سياقيةً و منبثقةً  من لغة و بيئة و اتجاهات ما تفتأ تتشدد لكي تُقاوم الطوفان المذكور؛ و أرقى مستوى تلك الاستجابة هو التثاقف الخلاق مع النص بما هو وحي يثمِر معرفةً ومحبة، فهما وذوقا. وهذا المستوى الجامعُ بين التسآل الابستيمولوجي و الاستشفاف الروحاني، الواشجُ بين "العقل المتسائل" و "القلب المطمئن" على غرار أنموذج " الرُّشد الإبراهيمي" الوارد في القرآن الكريم[13]؛ و الذي تؤسسُ له العلاقة المخصوصة بين "العقل" و "القلب" في النسيج القرآني[14]،  و يحيل عليه مفهومَا "التدبر" و "التفكر"، هو الكفيل، في اعتبارنا، بأن يلتقط التعالي في مجرى التاريخ، و أن يضفي معنى على سائرِ المستويات الأخرى بما فيها "الاستجابة الشعائرية" أو "الاستجابة بالألفة".

تبقى إشارة لابد منها، هو التأكيدُ أن الرهان هنا هو محاورة "وحي" لا مجرد "نص" بحصر اللفظ والمعنى، أي أن الذهاب إلى النص هنا هو ذهاب لا يفرط في بذرةِ الإيمان التي تتيح تلقيا آخرَ للنص يجعل من القلبِ أداة استبار واستبطان واستشفاف لتعاليه، مما يغذي العقل بأفق في القراءة والفهم يفتقده باكتفائه المغلق بذاته. ليس معنى هذا أننا إزاء قراءة تلغي التاريخ كما أشرنا، وإنما إزاء قراءة تعتبر بنسبيةِ الفهم البشري وبصيرورة الإدراك وتطوريةِ العقل وتجدد أدواته الاختبارية،  دون أي توثينٍ لهذه النسبيةَ بشكل ينسفُ كلَّ تعالٍ، و يقفل كل ما يمكن أن تمدَّ به المعرفةُ القلبيةُ هذا العقلَ من أفق يجدد به قدرته على محاورة "الوحي"، حيث تثمر معنى لا يناكف المعقوليةَ ولا يَنْسَجِن بمحدوديتها المتحرِّكة. ذاك ما استطاع جمٌّ من كبراء أسلافنا النجاحَ فيه خلال لحظاتٍ مشرقة من تاريخ محاورتهم للقرآن الكريم، مما نحتاج اليوم بإلحاح إلى الاستلهام النقدي لمنهاجه وأفقه.

[1]-  يقول أبو الحسن الششتَري في إحدى تواشيحه مثلا:

أغمضِ الطرفَ تَرى --  و تلوحِْ أخباركْ

و افنَ عن ذا الوَرى –   تبدو لكْ أسرارك

و بِصَـــقلِ المِرَا --  بهْ يزلْ إنكاركْ

و تلوح لكْ صورْ – من عيون سرِّي

فالتفِتْ إن ظهرْ – في سماكَ الدُّرِّي

 ( الششتري، أبو الحسن، "ديوان أبي الحسن الششتري"، تحقيق علي سامي النشار، مطبعة المعرف، الإسكندرية، 1960، ص162).

[2]- راجع تفاصيل هذا اللقاء في: ابن عربي، محيي الدين، "الفتوحات المكية"، تحقيق وتقديم د. عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 198، .الباب "الخامس عشر"، السفر 2: ص372-373.

[3]- بن زين، رشيد، "المفكرون الجدد في الإسلام"، نقله عن الفرنسية حسن عباس، معالم الحداثة، دار الجنوب للنشر، تونس 2009، ص. 73.

[4]- نقلا عن "المفكرون الجدد في الإسلام"، م. س، ص. 71.

[5]-  ابن أبي طالب، علي، "نهج البلاغةجمع الشريف الرضي، شرحه محمد عبده، خرج مصادره حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1993، ج.2، ص.270.

[6]-  نستمد هذا المفهوم من اشتغاله في النسق القرآني باعتبارهِ أداةً لقراءةِ القرآن المسطورِ، قال تعالى: )أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(  سورة (محمد، الآية 24)، و يقابلهُ أداةً  لقراءةِ القرآن المنشور (الكون) مفهوم "التفكُّر" لقوله تعالى: ﴿إ ِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ، فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ (آل عمران، الآيتان 190-191)؛ أو قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ( الجاثية، الآية 12).

[7]-  و هذا ما سماه طه عبد الرحمن بـ"خطة التعقيل المبدعة"، و هي إحدى "خطط القراءة الحداثية للقرآن الكريم ذات الإبداع الموصول". و تضطلع هذه الخطةُ بـ "توسيع العقل"  باعتبارِ ما يؤسسهُ "العقل القرآني"  من علاقة مخصوصة بالقلب انطلاقا من إثبات "مبدأ التدبر". يكتب طه عبد الرحمن: "يتمثل هذا الإثبات في بيان كيف أن العقل القرآني يصل الظواهر بالقيم و يصل الأحداث بالعِبرِ، و أيضا كيف يرتبط بالقلب ارتباطا خاصا، و أخيرا كيف أن القلب ليس، كما ساد الاعتقاد بذلك، ملكة جزئية تنحصرُ أفعالها في العواطف و المشاعرِ، و إنما هي ملكة جامعةٌ هي مصدر كل الإدراكات الإنسانية في تداخلها و تكاملها، عقلية كانت أو حسية أو روحية" ( عبد الرحمن، طه، "روح الحداثة، المدخل بتأسيس الحداثة الإسلامية"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، 20089، ص، 201).

[8]- استعمالنا لاصطلاح "القراءة التدبرية"  يكشف أننا ننظر إلى مفهومي "القراءة" و "التدبر" من زاوية  ترفع "التناقض" الذي  أقامه بعض الباحثين  بينهما.  راجع: الريسوني، قطب، "النص القرآني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر، مدخل إلى نقد القراءات وتأصيل علم التدبر القرآني"، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- المملكة المغربية، الرباط 1431هـ/2010م.

) [9] "("BENZINE,Rachid, "Le Coran expliqué aux jeunes",  Seuil, 2013 : p.21.

[10]- و هو الاسم المستعار الذي يكتب باسمه الكاتبان المصريان، المقيمان منذ منتصف ستينات القرن العشرين في باريس، بهجت النادي وعادل رفعت.

[11]-  و هذا عينُ النقد الذي وجهه عبد المجيد الشرفي لجاكلين الشابي مثلا بخصوص القصص القرآني ، يقول: " نظرة جاكلين الشابي في رأيي تحد من قيمة الأخبار الواردة في القصص القرآني، و تجعلها مرتبطة بالمجتمع القبلي الذي كان موجودا في الحجاز فحسب. إنها تغفل في نظري المغزى الديني البعيد الذي يتجاوز الأفق الحجازي و العربي الضيق لكي تكون صالحة لكل العصور و البيئات المختلفة. جاكلين الشابي ترى أن قيمة هذا القصص محدودة، و أنا أرى أنها ذات صلة كما قالت ببيئتها، و لكن مراميها أبعد من المرامي التي تقف عليها هي". (الشرفي، عبد المجيد، "الثورة والحداثة والإسلام"، حاورته كلثوم السعفي حمدة، دار الجنوب، تونس 2011، ص.182).

[12]-  يُنظر كتابُنا:  "إني ذاهب إلى ربي...مقاربات في راهن التدين و رهاناته"، دار أبي رقراق، الرباط، 2016، ص. 59-71.

[13]"إني ذاهب إلى ربي..."، م.س، ص 47 و ما بعدها.

[14]-  يتنزل العقل من القلب، في القرآن الكريم، منزلة الإبصار من العين و السمع من الأذن، ذاك ما تشيرُ إليها الآيات التالية: "أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج، الآية 44)؛ و قال أيضا : "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا  أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" (الأعراف، الآية 179)؛

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق