كتاب "ماهي الشعبوية؟": تحديد مفاهيمي دقيق للشعبوية، وقراءة المنهجية للظاهرة
20 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

صدر مؤخرا (2016) للكاتب وأستاذ العلوم السياسية وتاريخ الأفكار في جامعة برنستون الأمريكية مولر جان ويرنر، عن دار النشر الأمريكية "بنسلفاني، كتاب تحت عنوان "ما هي الشعبوية؟"، والمؤلف يحاول الإجابة عن أسئلة محورية حول ظاهرة بروز الحركات السياسية في الغرب، التي يتم تصنيفها في خانة اليمين المتطرّف، كما يدقق الترسنة المفاهيمية حول مفهوم الشعبوية، مقدما بذلك قراءة منهجية لهذه الظاهرة. 

ويشير المؤلف في بداية كتابه إلى أن توصيف ظاهرة الشعبوية، يتم استعماله اليوم دون أي تدقيق أو تمحيص، ويستهدف أولئك السياسيين الذين يتسم خطابهم بالعنف اللفظي عموماً بطريقة تتجاوز القواعد المألوفة، وقد يتم استخدامه أحياناً من أجل التقليل من قيمة ومصداقيّة أولئك الذين يستهدفهم.

إن المؤلف، كما جاء في ركن كتب على صحيفة "البيان" الإماراتية، يطرح في البداية مجموعة من الأسئلة على رأسها السؤال عمّا إذا كان يكفي توجيه النقد للنخب السائدة كي يتم توصيف المعني بالشعبوية؟ وهل للشعبوية لون سياسي محدد، مثل إلصاقها باليمين المتطرّف؟ وهل ينبغي استبعاد الموصوفين بالشعبوية من النقاشات الديمقراطية أو بالأحرى مقارعتهم حجّة ضد حجّة؟ وأسئلة أخرى كثيرة تصب في نفس الخانة.

ما يقترحه «جان ويرنر مولر» في هذا الكتاب، الذي يقع في136 صفحة، هو نوع من القراءة المنهجية لظاهرة الشعبوية منذ ظهورها، كما يحدد القول، في الولايات المتحدة الأمريكية في عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر.

في ذلك الوقت، جرى «تحالف» بين مالكي المزارع الصغيرة في أمريكا انتهى بتشكيل قوّة سياسية تحت تسمية «حزب الشعب» عام 1891 من أجل الدفاع عن مصالح صغار المنتجين بمواجهة وول ستريت وكبار البنوك.

ويعيد المؤلف هذا الازدهار الكبير الذي عرفته الشعبوية في أوروبا خاصّة، وفي الغرب عموماً، في مطلع هذا القرن إلى زيادة حدة التنافس، بل والصراع، بين تيار يدعو إلى ضرورة الانفتاح على العالم اقتصادياً وسياسياً، وتيار آخر يرى ضرورة «الانغلاق على الذات» من أجل الحفاظ على «نقاء الهوية الوطنية». هذا في سياق أجواء تتسم بقدر كبير من التنافس «الحضاري» وتواجه فيه أوروبا «موجة عاتية من الأفكار الديماغوجيّة"..

ومما يشرحه المؤلف أن هناك فرقاً كبيراً في "مفهوم الشعبوية" بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ذلك أن هذا التوصيف جرى إطلاقه في أمريكا منذ تأسيس حزب الشعب على الفئة التي يتم جمعها تحت عنوان "التقدميين"، بل وحتى "اليساريين الراديكاليين"، بينما ترتبط الشعبوية في أوروبا بـ "اليمين المتطرّف".

ويشرح المؤلف أنه لا يمكن اعتبار أن نقد النخب السائدة يمثّل السمة الرئيسة للشعبوية و "لا يكفي" اعتبار أن جميع أولئك الذين يوجهون نقدهم لهذه النخب بأنهم "شعبويون"؛ ذلك أن "توجيه النقد للطبقة السياسية القائدة ليس أمراً غير مشروع في المنظومة الديمقراطية"، كما يكتب.

بالمقابل، يعتبر أن السمة التي يتفرّدون بها هي تأكيد زعمهم بالقول: «نحن، ونحن وحدنا الشعب». ذلك أن مثل هذا الادعاء يعني بكل بساطة «التقليل من مصداقية الآخرين» وإلصاق تهمة «خيانة الأمّة" بهم وأنهم "فاسدون"، ويعتبرون أن كل من لا يقبل بمثل هذه المقولات "ليس من الشعب".

ولا يترددون في تبرير فشلهم في الانتخابات على جميع المستويات بكون "الغالبية الصامتة من الشعب لم تستطع التعبير عن إرادتها". بهذا المعنى، يؤكّدون دائماً أن هناك "تآمراً" ضدهم. تتم الإشارة في هذا السياق أن الشعبويين يصفون أنصارهم بأنهم يمثلون وحدهم "الشعب الحقيقي".

في المحصّلة يؤكّد المؤلف بروز وتصاعد قوّة الحركات الشعبوية في العالم الغربي في الفترة الراهنة. ويرى أنه لا يمكن تجاهل وجودها و "من غير المجدي" استبعاد أحزابها وقواها من النقاشات السياسية الدائرة؛ ذلك أن هذا يشكّل «سلاحاً» بيدهم باسم "إبعاد الشعب" عن اهتمام النخب.

ولكن التأكيد بالوقت نفسه أنه تنبغي المحافظة "على بعض الخطوط الحمراء" حول مواضيع حساسة تتعلّق بالهجرة والمهاجرين الذين جعلتهم الحركات الشعبوية عموماً هدفاً لها وأحد الموضوعات الأساسية في برامجها السياسية.. وبالتالي الانتخابية. ويحدد المؤلف القول إن الحركات الشعبوية في الغرب تعرف أوج ازدهارها في مطلع هذا القرن الحالي، الحادي والعشرين.

ويشرح أن أصولها التاريخية تعود إلى الميل نحو «المصادرة غير الشرعية لصوت الشعب" والتحدّث باسمه، كما هو سائد في المنظومات التي يطلقون عليها توصيف الديمقراطية. والإشارة في هذا السياق إلى أن الشعبوية "تشكّل تهديداً حقيقياً للديمقراطيات الغربية الهشّة التي تبدو اليوم أنها تعاني أكثر من أي يوم مضى".

يستجيب الكتاب لضرورة إيجاد تعريف دقيق لمفهوم "الشعبوية"، حيث يقدّم المؤلف في الواقع، شرحاً واضحاً ودقيقاً يتسم بقدر كبير من "الانسجام" في إطار الواقع الغربي اليوم، الذي سمح بازدهار قوى سياسية «متطرّفة في أطروحاتها" باسم الشعب.

وجدير بالذكر أن جان ويرنر مولر هو أستاذ العلوم السياسية وتاريخ الأفكار في جامعة برنستون الأمريكية، وهو يساهم بانتظام بالكتابة في "مجلة لندن للكتب وفي "ملحق نيويورك تايمز للكتب"، كما في صحيفة "الغارديان". من مؤلفاته العديدة: "الاحتجاج على الديمقراطية: أفكار سياسية بأوروبا خلال القرن العشرين" و"الديمقراطية الصعبة".

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق