لا تقولي عمره خمسين
22 سبتمبر 2014 | 2 تعليق

* الباحثة والكاتبة السورية ميادة كيالي
ميادة كيالي*

بالصدفة المحضة، استمعت لأغنية لوليد توفيق "لا تقولي عمري خمسين" من كلمات مارون روحانا. الأغنية أستطيع أن أصنفها مع أغنية محمد إسكندر "نحنا ما عنا بنات تتوظف بشهادتها".. بأنهما تلخصان كل قصة الرجل الشرقي، وبالتالي المرأة الشرقية.

في هذه الاغنية يتحدى رجل في الخمسين صبية في العشرين بأنه يملك مشاعر حارة جداً وقلباً يفيض حباً.

 الى هنا لا مشكلة.. لكن وبعد أن يستعرض عضلات يديه القادرة على كسر ثمرة الجوز ذات اللحاء الخشبي "بعدي بزندي بكسر جوز".. يتحداها بأنه يستطيع أن يتزوج اثنتين كل واحدة بعمر العشرين "ولو بدي بتجوز جوز كل وحدة عمرها عشرين"!

هنا يبرز مفهوم الرجل الشرقي المتباهي بذكورته وفحولته، وتمحور حياته حول المقدرة الجنسية التي تعكس إعجابه بفكرة التعددية في الزواج حتى لو لم يقدم عليها، وحتى لو كان من دين لا يسمح أصلا بها.

منذ سنوات خلت، لمع نجم الممثل نور الشريف في الدور الذي لعبه في مسلسل "الحاج متولي".. ولمن لم يشاهد هذا المسلسل فقصته تتمحور حول الحاج متولي الغني الذي يتزوج من أربع ويسكنهن في عمارة واحدة.

 ما لفتني يوم عرض هذا المسلسل هو إعجاب المجتمع العربي فيه بكل أطيافه، وأذكر أنني كنت في "زحلة" اللبنانية، وهي مجتمع مسيحي بامتياز، وفي الأسواق والمحال شاهدت كيف اقتنى الباعة تلفزيونات لكي لا تفوتهم من المسلسل أية همسة، وكنت أرى على وجوههم السعادة، وكلٍ منهم يتمنى أن يكون الحاج متولي؛ حيث المال والزوجات حوله من كل لون.

 وبالعودة لأغنية وليد توفيق وتباهيه بأنه يستطيع أن يتزوج اثنتين بعمر العشرين، فلا بد أن أوضح له أن الزواج شيء والطاقة الجنسية والمقدرة شيء آخر، والجنس والحب شىء ثالث، ليس معيار الروح المحبة والقادرة على العشق وعلى إيجاد الشريك هو الطاقة الجنسية، أو المقدرة المالية على الزواج، فيستطيع ابن السبعين أن يتزوج ابنة العشرين وبكل سهولة حين يتوفر المال، ولكن هل يستطيع أن يجعلها تحبه، أو أن يقيم معها علاقة جسدية بطاقة ابن العشرين حتى مع "دوز عال" من حبوب الفياغرا؟

إن العلاقات غير المتكافئة المتواطئة مع قوانين وأعراف لا تتماشى مع احتياجاتنا بقدر تماشيها مع موروث واسع من فقه الذكورة، جعل مفاهيمنا للحب والمشاعر الجميلة بين عاشقين مشوهة، وعوضاً أن تملأ حياتنا فرحاً تدججها خوفاً وشعوراً بالذنب وبالدونية وبالظلم أحياناً.

عمر الزواج لإنجاب أولاد يرتبط في مجتمعاتنا بعمر الزوجين مع غياب فكرة التبني، وهنا نجد تعزيز فكرة وجوب أن يكون عمر المرأة أقل من عمر الرجل لدرجة تصل إلى زيجات كارثية.

وبالمقابل يرضى المجتمع، على مضض، الزوجة التي تكبر زوجها، في تنازل واضح يستحق مرتبة الشرف من هذا الرجل الذي قبل على نفسه أن يتزوج من هي تكبره وقد يكون بفارق جد بسيط، ووراءه سبب عظيم جداً. أما حالة مثل حالة صباح فقد أضحت مجال السخرية الأكبر في عالم الذكور، وهي مثال نادر أمام حالة عادية وشائعة لرجال يتزوجون أطفالاً، وليس إمرأة تصغرهم بعشرين أو ثلاثين سنة.

علاقة الحب السويّ بين الرجل والمرأة في مجتمع متعافٍ خالٍ من العقد لا تحتاج الى شروط مغلظة تتصل بالعمر بقدر ما تحتاج إلى الوعي والتكافؤ من حيث التجربة والنضوج الفكري والجنسي، وأن لا يكون هناك سبب يخفي استغلال طرف لظروف الطرف الآخر سواء أكان إمرأة أم رجلاً .

أما ما خصّ الزواج فهناك اشتراطات مقيدة بعادات وأعراف المجتمعات العربية والتي أضحى بعضها يُقدس وكأنه تشريع سماوي، فنجد أن المرأة في بعض الدول العربية لا تستطيع أن تتزوج من خارج جنسيتها أو من خارج عائلتها، والرجل وإن كانت حاله أفضل إلا أن له محددات أيضاً، ولكن بالكاد تزعجه ..

فإلامَ سينظر الرجل إلى المرأة كمتاع يشتريه ويعززه بأن يجعله تابعاً: "نحنا ما عنّا بنات تتوظّف بشهادتها، عنّا البنت بتدلّل كلّ شي بيجي لخدمتها" وبالتالي فهي تخدم زوجها كأي جارية مطيعة ومعززة ومكرمة، ولا أدري أين هي الكرامة في حال كهذا؟

أنت تستطيع أن تتزوج أربعاً، عزيزي الرجل، وتتسلى بما ملكت يداك من الفليبينيات أو الأثيوبيات أو السريلانكيات "المعتّرات" اللواتي ساقتهن أقدارهن البائسة إلى بيتك ليكنّ بأمرك مقابل ما يرسلنه لإطعام أطفالهن ولزوج هو الآخر لا يقل عنك أنانية وحيوانية يستغل عملهن، ويرميهن في النهاية هن وأولادهن إلى فيافي التيه.

غنى وليد توفيق، وليته لم يغنّ، لقد قدم مادة/ خطاباً سيدخل كل بيت، وسيدبك على أنغامه الشباب بالأعراس، ليزداد تعزيز ذكوريّة تأصلت حتى النخاع.

أما أنت، عزيزتي المرأة، فإن لم تشدي حيلك وتنزعي من رأسك أن تتدللي و"تتستتي" ويأتي كل شيء لخدمتك، فحذار من هذا التفكير، لأن للدلال مدة محددة سينتهي مفعولها ويتزوج "السي السيد" بأخرى، وعندها إن توظفتِ أم لا، وإن غازلك المدير أم لا، فسيكون آخر همّ زوجك الحنون، الذي أوهمك بعنفوانه، أن "يطربق الدنيا" لا رأس المدير، وإنما على رأسك إن خطر لك أن تسيئي إلى شرفه الرفيع الذي لا يسلم من الأذى، "حتى يسال على جوانبه الدم"!

 

*كاتبة وباحثة سورية

التعليقات السابقة

ميزان العدالة يمتلك أعضاء جنسية

وفاء السيد
22 سبتمبر 2014‎

عزيزتي الأستاذة ميادة...
لا يمكنني إخفاء أعجابي بجرأتك على الخوض في مواضيع تمس ذكورية العربي.. وبتعبير أدق (تجاوز الخط الأحمر) للذكر العربي.
لا يلوح في الأفق ما يدفعني للتفاؤل بتغيير حال العلاقة غير العادلة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية، أو تطورها؛ ما دامت القوانين المدنية تستند على تشريعات "فقه ذكوري" بحت. تمنح الرجل الأفضلية لمجرد أنه ذكر.
أنا شخصياً أعارض مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة وأنادي بالعدل بينهما، ولكن !!! ميزان العدالة في المجتمع العربي يمتلك أعضاء جنسية.
بل وأشجع كل إمرأة على أن تطالب بالسقف الأعلى لمهر الزواج، والتمتع بإنفاق مدخول الرجل على الدلال، فمهما ساهمت وشاركت في تطوير المجتمع لن تستطيع أن تغيير نظرته لها ومعاييره (المتجنسنة).... طالما أن القوانين المدنية تبيح له التحكم في حياتها من المهد إلى اللحد.

أنا بانتظار جرأتك القادمة في الخوض في عذرية المرأة وعذرية الرجل.

تقبلي فائق الاحترام
وفاء السيد

عزيزتي وفاء

ميادة
23 سبتمبر 2014‎

تحياتي لتعليقك الجريء وتعبيرك المؤثر عن ميزان العدالة المنحاز الى الذكورة .. فهو بالتأكيد صنيعة الذكورة ويشد على يدها ..
لكن لن يكون الحل بالاستسلام لذكوريته ونستمر بعلاقة تبادلية تبادل الكرامة والحربة والمساواة بمهور مهما ارتفعت او بدلال مهما ارتفع .. فالمرأة المستقلة لن تقبل ان تدرس وتتعلم وتنتهي بالنهاية لمن يفرض عليها ان تعمل او لا .. او تلزم البيت او لا .. وبالمقابل يجب ان نحرر العلاقات من أُطر عقيمة ومعايير لم تعد تليق لا بالمرأة ولا بالرجل ..
اجل تحرر المرأة هو عتق للرجل مِن حالة تفرض عليه ان يقدم لها المشاعر كواجب زوجي ورأفة بها وشفقة .. الرجل والمرأة يعانيان من تلك المفاهيم التي تربينا عليها واحتكرت علينا احلى مافي الحب .
. تحياتي لك

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق