لستُ صوفيًّا
31 ديسمبر 2015 | 0 تعليق

* الباحث المصري خالد محمد عبده
خالد محمد عبده *

 ما لا يُقال هو صليبُ الصّوفيّ، وهو عذابه حين يصل إلى ما لا يعبّر عنه!

بولس نويا

(1)

أن تكون صوفيًّا كما أن تكون محبًّا لأحدهم في الدّنيا ... اختبر نفسك هل تخضع لمحبوبك خضوع الراضي بكل حالاته؟ هل تستطيع أن تصمت كثيرًا ولا تتذمّر أو تشكو مهما يفعل بك؟ هل تقبله صافعًا لك أحيانًا وساخطًا عليك وتستقبل ذلك برضا كما تستقبل وصاله ؟! أن تكون صوفيًا ليس أن تبايع وتكرر كلمات لا يحضر معها قلبك، وتكون إمعة ترى ما يراه غيرك دون إحساس أو حياة. ليس التصوف سهلاً حتى تتجاسر وتدعيه، حتى لو ألبسك الناس خرقة الجنيد أو علّوا كعبك كالمسيح .. لذلك لا أقول إلا (أنا محبّ) للتصوف معنى وسلوكًا وحياة وعسى أن أحيا جزءًا منه في حياتي أو أراني كما أقرأ عن غيري يومًا أو أشاهد.

  لستُ صوفيًا فلا علاقة لي بشيخ صوفيٍّ أتبع طريقته أو ألتزم بأوراده أو أعتقد فيه وحده أنه بابي للفتوح والانتشال من الدركات التي يقع فيها الإنسان.. فكل المشايخ الذين أراهم أو أتعرف عليهم أستفيد منهم جميعًا دون استثناء، وما كان بعيني القاصرة محلاً للنقد أستفيد منه ولا أبالي بما أراه من أخطاء وقعت منه ولا تزال تقع ما دام حيًّا، ولا أنفي عن أحد صفة يعتقدها في شأنه أتباعه ومحبيه. لست مريدًا ولا أقبل مريدية اليوم كما لا أقوى على مريدية الأمس، فإذا كانت الشيخيّة شأن كبير كذلك المريدية.

(2)

كثيرٌ من الناس تُنكرُ على الصوفية قربهم من تعاليم المسيحية، ويرون في آثارهم وكتاباتهم تأثرًا واضحًا بما يقوله المسيح أو بما يفعله المسيحيون خاصة رهبانهم أو علماءهم، والإنكار دومًا يأتي من مخالفي الصوفية، واشتهر ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن الجوزي صاحب تلبيس إبليس الذي خصص جزءًا من كتابه الشهير في نقد الصوفية وسلوكهم، ولا يزال المسلمون إلى يومنا هذا يستعيدون ما قاله شيخ الإسلام وتلميذه وابن الجوزي، حتى أنه في العصر الحديث من خلال نقد (محمد إقبال) لسلوك بعض متصوفة عصره، ونقده لبعض الأفكار التي رآها في بداية مطالعته للتصوف أراد إقبال أن يكتب في (نقد التصوف) كُتبًا لا كتابا واحدًا، فأراد أن يعيد كتابة (تلبيس إبليس) حسب ممارسات العصر الحديث، وبالفعل بدأ بكتابة نقد مفصّل لـ(فصوص الحكم) لابن عربي الذي رآه وقتها أقرب إلى دستور الإلحاد لا الإيمان، ومكاشفات الشيطان لا الرحمان، ومثل هذه الآراء ما جعلت بعض السلفيين اليوم الذين يقرؤون إقبال يعدّونه (سلفيًا) فهو هكذا خصمٌ للتصوف.

التهمة والإنكار على الصوفية تأتي من خلال ظهور تأثرهم بالمسيحية وممارسات أهلها، وهي تهمة لو تدبّرها من يتبناها لرأى أن الدين الإسلامي كله يمكن توجيه هذه التهمة إليه، سواء في نصوصه الأساسية أو نصوصه التالية التي شرحت القرآن وأعادت كتابة كثير من مرويات السنة بصورة إسلامية!

بعض الكتّاب المسلمين، والذين عُرفوا بالمجددين اليوم كالأفغاني الشهير رأى أن الإسلام روح مسيحية وزيادة! وفيه أيضًا من الروح الموسوية/اليهودية، ولم يخترع الأفغاني هذا من عند نفسه، بل إن القرآن نفسه ذكر أنه حافظ على ميراث الديانات السابقة، وإن فُسّرت الهيمنة والحفظ من قِبل المعاصرين بأنه السيطرة والغاء السابق (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)[المائدة: 48]، فإن مفسّري القرآن من القدامى رأوا أن (الهيمنة) هي (التأمين) على كلام السابقين، كذلك مما روي منسوبًا إلى النبي الأكرم أنه قال: (مثلي ومثل الأنبياء السابقين كمثل رجل بنى بيتًا وترك فيه موضع لبنة وأنا اللبنة)، فاللبنة الباقية لم تهدم السابق، بل تممت - كما قال المسيح ما جئت لأنقض بل لأتمم! فمن رأى مسيحية أو نصرانية في سلوك الصوفية، فقد رأى من الحق ما اعتمده القرآن قبل مئات السنين وما رآه النبي حقًّا وحافظ على مثله !

على أن الصوفية لم يتوقفوا عند التأثر بالمسيحية أو اليهودية أو الديانات التي تُسمى بديانات الوحي أو تسمى بالسماوية، بل استفادوا من كافة الرؤى السابقة والمعاصرة لهم أيًّا كان منبعها إنساني أو إلهي، لأن الكل بعد هضمه يتحول إلى شيء آخر.

(3)

قَدَرُ التصوف في الإسلام أن يواجه عداوة بالغة من يوم ظهوره مع الجيل الأول من أصحاب النبي حتى الأجيال اللاحقة .. تسيل الدماء .. وتنهال الاتهامات على أصحابه شرقا وغربا .. ويُنكّل بصوفية ويُقتل آخرون .. ويظل التصوف روحا وسلوكا ومنهاجا باقيا.. ينتشر في أشكال من التدين .. وأشكال من الإبداع.. وأنماط من السلوك .. ويظل محلاً لاتهامات المعادين له.. العداءُ بين الخصوم أمرٌ طبيعي، لكن الإزعاج يأتي أكثر ويكون أصعب بعداء أشباه الصوفية للتصوف والعمل على هدمه لا المساعدة على تطويره وتجديده وإظهاره للمتعطشين لمثل هذا اللون الروحي في ثوب يليق بهم، أو صورة تجذبهم وتلبّي حاجتهم.

إننا اليوم نعيشُ في مرحلة مختلفة من مراحل التّصوفِ، يمكن توصيفها بـ(أرحب من الطُّرقية) أو (ما بعد الطُّرقية) ينبغي أن يهتم بها الدّارسون والباحثون الذين يعدّون أنفسهم مختصّين في هذا الحقل، كما ينبغي على أهل الطّرق أو من صحّ توجّهه وقصده منهم أن يتفهّموا هذا اللون الصوفيّ الذي أضحى منتشرًا، فبعد أن كانت البلدان العربة أو الإسلامية هي التي تصدّر التصوف، أصبح أهلها وخاصة الشباب منجذبين إلى التصوف الناطق بلغات أعجمية، وإن نطق بالعربية فبروح أهل الغرب!

هذا اللون الجديد من التّصوف لا يقيم وزنًا للعصبيات والمسمّيات الطُّرقية، كما لا يعتد بشرائط أهل التصوف الحالية، ولا تنطلي عليه الهالات الصورية التي يصطبغ بها أهل التصوف الكلاسيكي، ولا الأشكال التي يلتزمون بها (شكلاً لا معنى ومبنى) من باب إثبات وجودهم وبقائهم في مشهد الحياة .. في عالم لم يعد يعترف بالصورة كما كان تصوّف الأمس الذي نقرأ عنه يمقتُ الصورة ويزهّد الناس فيها لفنائها وللاهتمام بما هو أبقى وأنفع للذات.

(4)

لم يتلق أويس القرني طريق الزهد والروحانية عن شيخ، أو يدرج في سلك الزهّاد باعتبار كراماته وأفعاله الجسام!  ومع ذلك يوصف أويس في كتب التراث بالأوصاف التالية التي تتكرر مع الجيل الأول بعضها من خلال الأتباع والمريدين، لكن صفات أويس هنا لها مكانتها الخاصة، إذ الذي يصفه بها هو النبي محمد صلى الله عليه وسلّم: أويس: مجهول في الأرض! معروفٌ في السماء. لو أقسم على الله لأبرّه . مجاب الدعاء. خاملُ الذّكرِ. شارد العقل. ممزق الثوب. لا يخص بالاستغفار أحدًا، بل يستغفر الله للجميع، ويشمل الجميع بدعائه. ينشغل الناس في الآخرة كما الدنيا بأنفسهم (نفسي نفسي) لكن أويس يشارك النبي في شفاعته لأقوام!

ومن عظاته: لا تقطع رجاءك عن الله في الطاعة والمعصية، وحين سأله اثنان من الصحابة البارزين (عمر وعلي) عن كيف هي صورة النبي في عينه، رغم أن كليهما عاش مع النبي ورآه، أجاب أويس إنه حُرم شرف وفضل رؤية النبي بالعين، وقال: إنني أتصوره صلوات الله عليه في بصيرتي على غير ما رأيتم بأعينكم وشاهدتم!

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق