ليلى سليماني: ( أغنية هادئة ) رواية النساء العصريات الوحيدات والصراع الطبقي
04 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

ليلى سليماني
د. محمد الظاهر *

 

في مقابلة معها بعد فوزها بجائزة غونكور للأدب

ليلى سليماني: ( أغنية هادئة ) رواية النساء العصريات الوحيدات والصراع الطبقي

 

قبل سنتين تقريبا، جاءت إلى عالم الأدب من خلال روايتها ( في حديقة الغول )، وهي صورة لظلال امرأة شابة بارعة تتنفس الحب، إلى أن تفقد نفسها. وفي روايتها الثانية  ( أغنية هادئة ) تؤكد ليلى سليماني موهبتها السردية بشكل لا يصدق من خلال هذيان مربية قاتلة. ومن خلال هذه الرواية المثيرة، تحاول المؤلفة أن تفسر الغموض في العلاقة المعقدة بين الآباء والأمهات من جهة، وبين من يعتنين بأطفالهم ويكتشفن أهوال الأمهات من جهة ثانية؛ فمن هي التي تقف وراء هذا العالم الفني المذهل الذي تم رسمه بريشة فنان؟

هذا ما سنعرفه من خلال هذا اللقاء مع الكاتبة والناشطة السياسية المغربية الجريئة ليلى سليماني، التي حصلت على جائزة غونكور للأدب هذا العام عن روايتها ( أغنية هادئة ).

* هل صحيح أن فكرة رواية ( أغنية هادئة ) جاءت من خلال خبر صحفي وتحقيق تلفزيوني، وأنها ولدت من ذلك الخبر؟

- أجل لقد أدهشني ذلك التحقيق الذي سرد قضية لأسرة تعيش في نيويورك، وتعود أحداثها إلى عام 2012. لقد خدمت إحدى المربيات مع إحدى الأسر كمربية وجليسة أطفال. إنني أتذكر الخبر جيدا كما نشر في الصحف، وأتذكر أيضا صورة المكتبة في شقة الأسرة. لقد قال لي والدي إنها " كانت جزءا من الأسرة". وذات يوم تفاجأ الأم بأن أطفالها قد قتلوا على يد تلك المربية التي حاولت الانتحار.

* هل لديك مربية لطفلك؟

- طفلي يبلغ من العمر ستة أشهر، وأنا من يعتني به! إنني  أسمح لنفسي بالتسلل إلى ذلك الكابوس الذي وصفت. وأتخيل أنه يمكن أن يحدث مرة أخرى وبشكل أكثر إيلاما وقسوة. فهو يمكن أن يتوالد مرارا وتكرارا وبطرق أخرى. وأنا لا أسمح لنفسي بأن أكون مسؤولة عن حدوث ذلك في حياتي الخاصة، لأنني سأصاب بالجنون. لقد استغرق البحث في هذا الأمر مني زمنا طويلا: أجريت مقابلات مع النساء العاملات حول من يعتنين بأطفالهن، وهل يثقن بهن؟ خاصة بعد التعب الذي يشعرن به بعد الشهر الأول من الولادة. بالنسبة إلي أنا ما أزال في العقد الثالث من العمر، ومازلت أشعر أنني طفلة. لقد قابلت نساء أكبر مني بعشرة أعوام أو خمسة عشر عاما، تعرضن لحياة أكثر قسوة من حياتي. وأعتقد أنه كان هناك شيء غامض وغريب في تلك العلاقة.

* لقد بدأت روايتك من تلك النهاية الرهيبة. من وفاة الأطفال على يد تلك المربية. لماذا؟

- لقد رأيت أنه أفضل مدخل مباشر للمأساة، من أجل الحصول على التوتر الدرامي. ما أثار اهتمامي هو الدخول مباشرة للتعريف بالعلاقة المشوهة القائمة بين أقارب أسرة بطلة الرواية، الذين لا يعرفون شيئا عن حياة تلك المربية، ولا ما تفعله بالفعل مع أطفالهم، وذلك من منظور اللاعب الذي سينهي اللعبة. أما بالنسبة إلى القارئ، فإنه يعيش كابوسا حقيقيا ،لأنه يعرف أنها تعاني من حزن وهمي، وبالنسبة إلى الأهل فهم أيضا لا يعرفون شيئا عما يجري عندما لا يكونون في البيت.

* لكن، هل نحن حقا نريد أن نعرف؟

- هذا هو الغموض بحد ذاته. فنحن لا نريد للمربية أن تجلب معها مشاكلها، ولا نريد أن تدخل آلامها إلى البيت. لأن ذلك سيؤثر بالفعل على أطفالنا. وفي نفس الوقت، ليس في وسع المرء أن يؤكد على تلك العلاقة الحميمة مع هذه المرأة التي ندفع لها أجرها من أجل أن تحب أطفالنا! يجب أن تكون هناك عاطفة ما في تلك العلاقة، وهذا هو ما يخلق الكثير من الغموض.

* ما وراء هذا الخبر، هذه هي مشكلة الأمهات العاملات التي تتناولينها. الطفل/ العمل. أليست مشكلة مستحيلة؟

- في كل الأحوال، تظل هذه المشكلة تثير جدلا معقدا. إذا كان اسم مربية روايتي لويز، فهذا مستلهم من قضية لويز وودوارد، الفتاة الإنجليزية التي صدمت وبعنف عائلة من من الأطباء الأمريكيين، والتي أثارت ضجة كبيرة حين قال محامي الدفاع إن الأم كانت تعمل كثيرا، وكانت تفوض لها أمر تعليم أطفالها، ولذلك يجب ألا تتذمر لما حدث. لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيرا في الولايات المتحدة. أهي المسؤولية التي يمكننا التحلل منها؟  من المؤكد أن الآباء يقومون في بعض الأحيان، ومن غير قصد، ودون أن يعوا ذلك، بالقسوة على الشخص الذي يوكلون اليه أمر العناية بأطفالهم.

* هل يعني هذا أنك ترين فيها رواية عن الصراع الطبقي؟

- أجل، الفجوة في مستويات المعيشة بين الأسر ومربيات أطفال يمكن أن تغذي الشعور بالظلم والغضب أو حتى الكراهية التي تؤدي إلى عنف عظيم. وفي عالم الكتابة يمكن أن تثار بعض ذكريات الطفولة. لقد نشأت في المغرب، وكنا متعودين على وجود مربيات يعشن معنا في منزلنا. وكان هذا الأمر مدار نقاشات مستمرة ومتواصلة. لقد عاينت هذا الأمر الشيطاني بنفسي عندما كنت طفلة، لأنني أدركت مدى الفجوة التي كانت قائمة بين حياتنا وبين حياة المربيات.

* هذه الرواية تعكس أيضا معاناة الأمهات اللواتي يضطررن إلى ترك أطفالهن. هل تشعرين بمثل هذه المعاناة؟

- بالطبع، لا يمكن حجب مثل هذه المعاناة. بالنسبة للنساء اللواتي يخرجن للعمل، من الضروري أن يعهدن إلى أناس يعتنون بأطفالهن، إنه موضوع لا بد منه بالرغم من حساسيته، فنحن لا نريد الكشف عنه. نحن ننظر إليه كأمر هامشي، وهو عالم غير مرئي بالنسبة إلينا. لقد أردت كشف الغطاء عن هذا العالم، ولو من خلال تسليط الضوء على مرحلة الطفولة المبكرة، إنه عالم يبدو مغرقا في القدم بالنسبة إلي. إنه عالم الحفاظات والقيء، وهو عالم العبودية الرهيبة  التي لا يريد مجتمعنا الالتفات إليها ومشاهدتها.

* ما هي وجهة نظرك حول مربيات البيوت؟

- أعتقد أن هذا الأمر لا يأخذ بعين الاعتبار الإرهاق البدني الذي يعانين منه، وتحدي الواجبات المدرسية الذي يعتبر من أصعب الأمور، وهو من الأمور المتكررة، إضافة إلى نظرة المجتمع غير المنصفة لهن. بالتأكيد، من الصعب أن نشعر بالإزدهار الإجتماعي في ظل هذه الظروف. أنا ذاتي، حدث أن حاولت إلقاء نظرة على تجربة إحداهن، فشعرت على الفور بحرج شديد. ليس في وسع المرء التفكير في " ربات البيوت اليائسات "، ولا يمكن لأحد تخيل ذلك اليأس الغامض الذي يطغى على حياتهن. أنا لست حكما في هذا الأمر، لكنني أعتقد أنه يجب علي أن أغرق فيه. السير في مثل هذا المربع يشعرني بالكآبة: رمل مثير للاشمئزاز، أطفال يتمرغون على الأرض، لأنهم لا يريدون أن يذهبوا، وبعضهم يشرع بالصراخ والصياح. ألا يجب علينا أن نشعر بالخجل من موقفنا تجاه هؤلاء النسوة؟!

* في روايتك حاولت أيضا انتقاد ذلك التنافس القائم بين تلك الأسر.

- بما أننا نعيش في عالم قائم على المظاهر والشكليات، من الضروري الإعتناء بالمظهر وليس بالجوهر، فنحن نحرض على أن يرتدي أطفالنا أفخم الماركات، وأن يذهبوا إلى أفضل المدراس، وأن يقوموا بالكثير من النشاطات. اليوم، يبدو لي أن اختبار النجاح بالنسبة للآباء وأطفالهم ، قد وصل إلى غايته. هل يعني الوصول إلى هذه الدرجة أنك قد وصلت درجة التحكم بحياتك؟ لقد قلت كل هذا ولكن بشفافية كبيرة. لأنني على وعي تام بما يحدث.

* بالنسبة إليك، نرى أن الحمل كان مؤلما جدا. أليس كذلك؟

- حتى الأطفال لا يمكنهم ملء تلك الوحدة. وقد أصبت بالصدمة لأنني أدركت ذلك. منذ أن تصبح المرأة أمّا، تشعر أنها تعيش في اللامكان بشكل كامل. تشعر أنها ناقصة، ولا يمكنها الخروج من هذه الدائرة المفرغة. وللأسف، فإن المرء يشعر أنه يعامل كأنه مذنب من قبل أناس لم يكن يتصور أنهم يحسون بمشاعره. سألتني أمي ذات يوم: " هل أنت في البيت مع طفلك"؟ وحين أخبرتها: إنني مع والده". قالت لي بنبرة صدمتني: " المسكين. هل تركته وحده"؟! بالرغم من أنها كانت أول طبيبة في المغرب، ولدي العديد من الذكريات حول تركها لي وحيدة في البيت، إلا أنها نسيت كل ذلك تماما.

* هل كنت تريدين أن تصبحي كاتبة؟

-أجل، لأن أبي كان يحب القراءة. كان يجلس بين أكوام الكتب وكأنه يريد أن يلتهمها. أما أمي، فقد كانت تقول إنها تعرف مصيري، إنها أسطورة حضرية، وأنا لا أعرف ما هي الحقيقة!

* بعد أن كبرت، جئت إلى باريس. كيف حدث هذا؟

- كان ذلك صبعا جدا بالنسبة إلي. كنت في السابعة عشرة من العمر. لم أكن أدرك أنني ذاهبة لمثل هذه التجربة من الوحدة. أتذكر أنني قضيت أسابيع بكاملها دون أن أتحدث إلى أحد خارج الصف. الباريسيون يتناولون قهوة الماء معا، وبعد العشاء يذهب كل منهم إلى بيته.هذا أمر لا يمكن تصوره في المغرب. نحن نستضيف الناس الذين نعرفهم فقط. هكذا انتهى أول شتاء لي. وقد أضعت سنوات عديدة قبل أن أكون أصدقاء لي.

* عند هذه النقطة، هل تريدين العودة إلى المغرب؟

- عدت كصحفية، لكنني لا أعتقد أنني كنت سعيدة بهذه التجربة. الحرية التي اكتسبتها هنا لا أريد أن أفقدها في العيش هناك.عيش الرجل في المغرب معقد جدا، وهو أكثر تعقيدا بالنسبة إلى المرأة، بل تكاد تزيد عشرة أضعاف عن تعقيد الأمر بالنسبة إلى رجل. لقد تغيرت الأمور بشكل كبير منذ مرحلة صباي. لم أعد أخاف من ارتداء تنورة في الشارع أو الخروج على بعض التقاليد الأخرى مثل تدخين السجائر. لكن هناك تدخل كبير في حياة المرأة، وخلط كبير بين الحياة الخاصة والحياة العامة. لا أريد أن يترعرع ابني في بلد يمكن أن يذهب فيه إلى السجن، لأنه فشل أو لأنه لم يراع تقاليد المجتمع. أما بالنسبة إلى المرأة فإِنها مجبرة على العيش في كذبة دائمة.

* كيف يمكن ترجمة هذا؟

- لقد انتهيت من كتابة كتاب بعنوان " الجنس والأكاذيب " في كانون الثاني، وهو ثمرة عامين من التحقيق حول هذا الموضوع. في المغرب ليس من حق المرأة الكثير من الأمور التي هي من حقها، سواء أكانت عزباء أو متزوجة، هذا كل ما في الأمر.أمي وأبي تقدميان، كان يقولان لنا، لي ولأخواتي، إن أجسادنا ملك لنا ولنا الحق بالتصرف بها كما نريد، وفي نفس الوقت ليس لدينا الحق أن نسير مع رجل! لقد حدث ذلك معي وأنا في السابعة عشرة، لقد تعرضت للاعتقال من قبل رجال الشرطة، لأنني كنت في سيارة مع أحد الفتيان. وعوملت معاملة المومسات.

* هل شعرت بالخوف في بعض الأحيان؟

- حدث مثل هذا الأمر في الرباط، لكن الأسرة لم تتذمر. الفتيات يعشن في خطر دائم. ولا يمكنهن تقديم شكوى إذا ما أسيئت معاملتهن أو تعرضن للاغتصاب. كيف يمكن للإنسان أن يكون إنسانا إن كان جسده ليس ملكا له، بل ملك لوالده ولزوجه. يجب أن نطالب بأن يكون لنا الحق في أن لا نكون زوجة لشخص ما.

* هل تشعرين بالتهديد لمجرد إثارة مثل هذه الأسئلة؟

- في بعض الأحيان أفضل عدم التفكير في مثل هذا الأمر. ولكن أصدقائي يقولون لي: " يجب أن لا تخضعي نفسك للرقابة عندما تعتقدين أن ما تقولينه هو الصواب ". نحن لسنا عند نقطة البداية، فالحركات النسائية المغربية يقاتل من أجل التعليم والعمل والإجهاض. الوضع خطير للغاية في التعامل مع المشكلة الجنسية بشكل مباشر؛ لأنك ستتهم على الفور بأنك تريد تحويل المغرب إلى بيت دعارة.

* كيف استقبلت روايتك الأولى في المغرب؟

- لقد استقبلت بشكل جيد، لأن بطلة الرواية كانت فرنسية، والغرب وحده هو المصاب بهذا المرض الغربي. لو كانت البطلة من المغرب لكان هذا الأمر كارثة بالنسبة إليهم، إذ كيف يكون لمثل هذه المرأة امتلاك كل هذه الرغبات والدوافع التي لا وجود لها هناك. لقد انهالت الشتائم على فيلم " المحبوبة جدا " لأنه أنتج في المغرب. مشكلة المجتمعات الإسلامية  أنها لا تدعم تفكيرها الخاص حين تقدم لها المرآة لترى نفسها فيها. العاهرة الغربية أمر طبيعي، لكنها في اللغة العربية لا تحتمل؛ لا أدري كيف يمكن أن نكون قادرين على تغيير هذا المجتمع. هذا الأمر يحتاج إلى الكثير من الشجاعة. والنساء لا يفتقرن إلى مثل هذا الشيء.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق