مارتن لوثر في ضوء التحليل النفسي: العظماء يولدون مرتين
02 يونيو 2014 | 0 تعليق

مارثن لوثر - (أرشيفية)
ذوات

جميع البشر يعانون من أزمة نفسية حادّة قليلاً أو كثيراً نتيجة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج، وتبلغ هذه الأزمة ذروتها في مرحلة المراهقة؛ عموم البشر يجتازونها بسلام، وحدها الشخصيات الاستثنائية تجد صعوبة في عملية الانتقال هذه، وهذا ما تنهض عليه الأطروحة الأساسية التي بنى عليها عالم النفس الأمريكي الدكتور إريك إريكسون كتابه عن المصلح الديني الكبير مارتن لوثر.

ما فعله إريكسون في كتابه "لوثر شاباً" الذي نشر عام 1968، وفق دراسة حديثة صادرة ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" للكاتب هاشم صالح بعنوان "مارتن لوثر- على ضوء التحليل النفسي"، هو أنه طبَّق هذه النظرية على شخصية لوثر، ليكرس إريكسون منهجه في تفسير آلية تشكّل الشخصيات العظمى في التاريخ، وكيف أنها تولد مرّتين لا مرّة واحدة، على عكس الناس العاديّين.

الشخصيات العظمى

الاكتشافات الكبرى تجيء عادة بعد أزمات تناقضيّة حادّة مع الذات. إنها تنتج عن شخصيات عصابيّة لا تستطيع أن تشفى إلا بعد أن تحقق اكتشافها الكبير

ويمضي الكاتب صالح في عرض تحليلي نفسي للشخصيات العظمى، ويتوقف هنا عند منهج إريكسون في أن الشخصيات العادية تجتاز مرحلة المراهقة التي تكون في معظم الأحيان صعبة وعنيفة، غير أن الشخصيات الاستثنائية تجد صعوبة في عملية الانتقال هذه التي تطول لديها كثيراً، وبشكل غير طبيعي.

ويتابع صالح، إن هذه الشخصيات لا تستطيع أن تترك عالم الطفولة تماماً، ولا تستطيع أن تلتحق بعالم الناضجين تماماً، وهكذا تظلّ تتذبذب أو تتمزّق أو تتأرجح بين بين. إنها تدخل في أزمة تناقضيّة حادّة مع ذاتها، أزمة قد تطول سنوات عديدة قبل أن تنتهي بالحلّ. فإذا انتهت على خير قلنا إنّ الشخصية استثنائية أو عبقرية، وإذا انتهت على شر؛ (أي إذا انتحر الإنسان أو جنّ) قلنا إنّه شخص مريض أو مأزوم ولا علاج له. وعلى هذه الشعرة الرقيقة جداً جداً، يتمايز العبقري عن المجنون.

كلّ ما فعله إريكسون، وفق صالح، هو أنه طبَّق النظرية السابقة على شخصية لوثر قبل أن يصبح ذلك المصلح الديني الكبير الذي نعرفه، وحلَّل عقده وأزمته النفسية التي عانى منها منذ المراهقة الأولى، حتى بلغ الثلاثين عاماً تقريباً، بل قارن بين أزمة لوثر وأزمة داروين وفرويد وبعض الشخصيات الكبرى الأخرى.

خصائص الشخصيات الكبرى

ويرى الكاتب أن الاكتشافات الكبرى في التاريخ تجيء عادة بعد مخاضات عنيفة وأزمات تناقضيّة حادّة مع الذات. إنها تنتج عن شخصيات عصابيّة ـ أو حتى مرضية- لا تستطيع أن تشفى إلا بعد أن تحقق اكتشافها الكبير أو تضرب ضربتها الكبرى.

يمكن اعتبار لجوء لوثر إلى الدير بمثابة اللجوء إلى مستشفى روحي بدلاً من اللجوء إلى مصحّ عقلي، لقد أتاحت له إقامته في الدير أن يصفّي حساباته مع نفسه

ويبين صالح أن إريكسون يركز في أطروحته عن لوثر على المسألة التالية: كان لوثر يعاني من عقدة نفسية تجاه أبيه بسبب خشونة هذا الأخير معه ومعاملته القاسية له عندما كان صغيراً، ولم يستطع أن يتحرَّر من هذه العقدة إلا بعد أن خاض معركة هائلة وشرسة مع نفسه. وقد انعكست هذه العلاقة على صورة الله نفسه، فقد أصبح يراه أيضاً بشكل مرعب ومخيف على صورة الأب، ولم يستطع أن يتخلَّص من هذه الصورة إلا بعد أن توصّل إلى كشفه اللاهوتي الكبير، وتخلَّص من التديُّن المظلم والعابس للقرون الوسطى.

ويتابع صالح:يمكن اعتبار لجوء لوثر إلى الدير بمثابة اللجوء إلى مستشفى روحي بدلاً من اللجوء إلى مصحّ عقلي، لقد أتاحت له فترة السنوات العشر الأولى من إقامته في الدير أن يصفّي حساباته مع نفسه، أن يهدّئ من روعه ولو قليلاً، أن ينزل إلى أعماق أعماقه لكي يدرك سرّ المرض الذي ينخر فيه والداء العضال. ولكنّ هذه الفترة الهادئة من حياته والمنسحبة كانت بمثابة الهدوء الذي يسبق الإعصار. فهذا الرجل الهادئ، الوديع، المنسحق تحت وطأة آلامه النفسية، من كان يتوقّع أنه سيصبح بعد عشر سنوات فقط أحد كبار الانقلابيين في التاريخ؟

وللبرهنة على أطروحته، يتوقف إريكسون مطوّلاً، بحسب ما أورد الكاتب، عند حادثة أساسية للوثر بعد دخوله إلى الدير، وهي تكشف عن سرّ أزمته وعلاقته المرعبة مع أبيه؛ فعندما كان يردّد بعض التراتيل الدينية مع زملائه من الرهبان الآخرين سقط فجأة على الأرض، وهو يرغي ويزبد، وسمعوه يتمتم بكلام غامض غير مفهوم لم يدركوا منه إلا العبارة التالية: ليس أنا! ليس أنا!... في الواقع أنّ أحدهم كان قد تلا أمامه ذلك المقطع من الإنجيل الذي يتحدث عن رجل جاء إلى المسيح، وهو يجرّ ابنه المصاب بالصرع.

ويضيف الكاتب، عندما سمع لوثر هذا المقطع ارتجف رعباً وسقط أرضاً؛ لأنه تذكر قصة شهيرة جرت له مع أبيه اتهمه فيها بالاختلال العقلي أو بالجنون. ولذلك راح يردّد بشكل هستيري تقريباً: ليس أنا، كأنّه يريد أن يردّ التهمة عن نفسه،بأن يقول: أنا لست مجنوناً، أنا لست هذا الشخص المصاب بالصرع.

تاريخ الشخصيات العظمى

الشخصيات الاستثنائية في التاريخ تولد مرّتين لا مرّة واحدة، وذلك على عكس بقية البشر

إنّ كل مأساة لوثر ـ وكلّ عظمته أيضاً- تكمن، بحسب ما أورد الكاتب، في كلمة واحدة: التبرير؛ أي تبرير الذات؛ بمعنى: كيف يمكن أن أبرّر نفسي؟ كيف يمكن أن أتخلّص من عقدي وأوجاعي؟ كيف يمكن أن أتخلّص من عقدة الذنب الرهيبة التي تسكنني؟.

ويشير صالح إلى النقطة الأساسية الثانية من أطروحة إريكسون وهي أنّ الشخصيات الاستثنائية في التاريخ تولد مرّتين لا مرّة واحدة، وذلك على عكس بقية البشر؛ فهي تولد أولّ مرة من بطن أمّها كما يولد جميع البشر، ولكنها تولد ثانية عندما تتحرّر من عقدتها النفسية الرهيبة وتتوصّل إلى اكتشافها الكبير،لذلك قال لوثر بعد أن جاءته اللحظة، لحظة الكشف الأعظم: شعرت وكأني أولد من جديد، شعرت وكأني أدخل الجنة من أوسع أبوابها.

الكاتب، في خلاصة الدراسة، يلفت إلى أن لوثر استقر به المقام (نبيّ) الألمان-بالمعنى الفضفاض الواسع- وموحّد قوميتهم ولغتهم، فهو لم يؤسّس ديناً جديداً، وإنما إصلاحاً كبيراً داخل المسيحية.والجميع يعترفون بأنه كان قائداً روحياً كبيراً، وأنه جمع في شخصه بعض الصفات التي لا يتميّز بها عادة إلا الأنبياء الملهمون. ولولا ذلك لما استطاع أن ينتصر على روما البابوية التي كانت تمثل آنذاك أعتى قوة دينية أصولية في تاريخ الغرب، بل والعالم.

هاشم صالح هو مفكر وكاتب ومترجم سوري متخصص في قضايا التجديد الديني ونقد الأصولية ونقاش قضايا الحداثة وما بعدها. نقل العديد من مؤلفات محمد أركون إلى اللغة العربية. من بين مؤلفاته كتاب "مدخل إلى التنوير الأوروبي" وكتاب "معضلة الأصولية الإسلامية" وكتاب "الانسداد التاريخي".

لقراءة رابط الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق