ما جمعه الله لا يفرقه إنسان
20 اغسطس 2014 | 2 تعليق

* الباحثة والكاتبة السورية ميادة كيالي
ميادة كيالي*

لطالما تردد صدى هذه العبارة في عقلي وأنا أحضر مراسم زفاف كنسي، ولطالما عٓلَّقْت في سرِّي على تلك الجملة بأن ما يحصل على أرض الواقع غير ذلك، وكثيرون ممن يحضرون هذا الحفل، وتلك العظة لديهم عائلات مفككة وبعضهم انتهى إلى الطلاق الحقيقي، أو إلى طلاق مقنّع باسم انفصال، والبعض رحل "خطيفة" ليثبت على نفسه جرم الخيانة سعياً  لطلاق حتمي في ظل قوانين الكنيسة وشروطها الصعبة بل أحياناً المستحيلة.

عند المسلمين هو أبغض الحلال، والطلاق ثلاثاً وثلاث فرص تسمح للعودة، الأسهل بعد الطلقة الأولى والثانية، إلى أن يصبح الأمر معقداً مع الثالثة فلا عودة إلا في حال حصل زواج من آخر ووقع بعده طلاق، عندها يمكن للزوجين العودة بعقد جديد أي مع ثلاث فرص أخرى.

 وبغض النظر عن تنوع الفقه في أمر الطلاق في التشريع الإسلامي، فهو بلا شك أسهل من التشريع المسيحي، رغم تبني بعضهم تفسير الطلاق الثلاثي بأنه ليس تكراراً لفظياً، ويمكن أن يتم دفعة واحدة، وإنما هو إشارة لضرورة حصوله على مراحل، ففي حين قبول الزواج يكون بنعم واحدة، حيث المرأة والرجل يقرران معاً الارتباط، ولا متعلقات إنسانية ترتبط بذلك، فإن الطلاق يطال أطرافاً أخرى وهي الأهم في مؤسسة الزواج التي بنيت على فكرة الرعاية وتشكيل عائلة والعقد الموثق لإلزام الطرفين "المرأة والرجل" بكل ما يتطلبه أمر الرعاية. 

ليس موضوعي هنا مناقشة الطلاق وجدواه وأهميته في بعض الحالات وخطورته في حالات أخرى، فهذا له مقالٌ آخر، ولكن الغاية هنا في "وجهات نظر" أن أقدم فهماً آخر لموضوعة الطلاق، بحيث لا يجب أن يكون بأي شكلٍ من الأشكال هدماً للمؤسسة الزوجية. كما أن العلاقة العاطفية بين الزوجين ودوامها أو استحالتها، جمالها أو بشاعتها لا يجب أن تكون بحال من الأحوال هي المتحكم بمصيرالأسرة وأفرادها.

 إنني أفهم، من وجهة نظري كأم وكإمرأة، أن ما جمعهما الله في علاقة وأنتجت أبناءً لن يفرقهما إنسان، حين تصبح الزوجة أماً والزوج أباً، ولن يغيّر هذه المعادلة أي قانون، لذلك فالطلاق هو انفصال للزوجين وليس انفصالاً عن الأبناء وتنحياً عن المسؤولية، وهذا جوهر ما أودّ قوله، وما يجب أن يكفله المجتمع. أحبوا بعضكم كيفما تشاؤون ولكم أن تكرهوا كما تشاؤون، لكن تذكروا أنه مع وجود الأبناء، فإن التاريخ لا يعود للوراء. 

إذاً ماذا نفعل اليوم أمام موضوعة الطلاق، وكيف نتلافى اختلاف التشريع الديني عن المدني، وكيف نحافظ على مؤسسة الزواج التي باتت بلا بريق؟

لابد من أن يصون المجتمع بقوانينه الأسرة وهي أحد أهم مكوناته، ولا يمكن أن نقبل هذه الازدواجية في التشريع لأهم قانون يصون المجتمع سواء أكان زواجاً أم طلاق، فهل يُقبل اليوم في أي محكمة عربية أن يُعاقب السارق بقطع اليد ؟.. أو المفسد في الأرض بقطع يده ورجله من خلاف، ؟ إذا لماذا نترك قوانين الزواج لرجال الدين؟.. لا مانع أن يكون الزواج في الكنيسة وبمباركة الكاهن، أو في الجامع وبمباركة الإمام، ولكن ما المانع أن يكون ذلك تحت ظل قانون واحد يشمل كل الأديان، ويكون موضوعاً من قبل قضاة واستناداً لدراسات إحصائية تغطي كافة قطاعات المجتمع ليضمن حقوق الجميع دون ظلم على الأبناء أو على الزوجة، كما هو حاصل الآن، المجتمع  يفرض على مواطنيه شروطاً للزواج من سن الزواج والفحوصات الطبية وغيرها، وتفرض شروط الطلاق هي وحدها دون الكنيسة أو الفقيه، ومن جهة أخرى يجب أن يضمن المجتمع بأن الطلاق، حين وقوعه، يجب أن يكون انفصالاً للزوج عن زوجته فقط واستمراراً للرعاية والوقت والجهد الذي يقدمه الطرفان للأولاد، كما لو أن الزواج ما زال مستمراً.

يجب أن نعترف بأزمة حقيقية تواجهها مجتمعاتنا وحال المشاعر الكاذبة التي نعيشها والعلاقات المهشمة والمشوهة وتأثيرها على أبنائنا، فنحن في مأزق حقيقي، حيث الأبناء يشهدون الخيانة ويرون الزيف ويتعلمون الكذب، في ظل حياة يحكم استمراريتها خوفٌ سواء أكان من المرأة على حياتها وحياة أبنائها بعيداً عنها في حال طلاقها، وقبولها بوجود امرأة أخرى، أو قبولها لزوج لا تحبه ولا تقبله، وكذلك خوف الرجل من هدم حياته وحياة أبنائه. رغم أن مجتمعاتنا بحكم ذكوريتها قد سهّلت له الأمور بحيث مهما كان قراره فهو في موقف الأقوى وهي في الأضعف.. 

 

إنها صرخة لإنقاذ العائلة. ولن يتم ذلك إلا بتحرير قوانين الزواج والطلاق من قبضة التدين إلى فضاء القضاء المدني الذي يجب أن يراعي حقوق كل الأطراف. وإلى أن تصل هذه الصرخة إلى آذان من بيدهم المقدرة على إقرار تلك القوانين وتدشين ذلك التحرير، أتمنى على المرأة أن لا ُتقبل على زواج من غير أن تكون في عمر مناسب وذات ثقافة جيدة ولها كيانها المادي المستقل من خلال العمل مهما كان، وإلا فإنها ستواجه الكثير سواء في استمرار الزواج أو في حال الطلاق، وأتمنى على الزوجين أن يعلما جيداً بأن الأبناء وصحتهم النفسية أولاً وفوق كل مشاعر أخرى، وأن الانفصال الراقي والمتفق عليه والمتوازن في توزيع المسؤولية يحمي ليس فقط الأبناء، بل مجتمعاً بأكمله. 

 

*كاتبة وباحثة سورية

التعليقات السابقة

الزواج عبر القانون

زياد عبد القادر
22 اغسطس 2014‎

يمكن حل هذه الإشكالية بتطبيق القانون المدني وبما يتوافق مع الحالة الدينية، وهذه الصيغة ناجحة في دول متقدمة. للأسف يغيب القانون في بلادنا بسبب التخلف والفقر من جهة وعدم وجود قوة تنفيذية للقانون.

الطلاق في قبضة المجتمع !

عامر عبد الحي - حقوقي وإعلامي سوري
26 اغسطس 2014‎


طرحت الكاتبة ميادة كيالي أفكارا مختلفة وجديدة عن أهم مكونات المجتمع وهي الأسرة ،وتناولت أهم ما يمس كيان هذه الأسرة ويالتالي المجتمع وهو الطلاق ، الشر المستطير الذي بات يواجه المجتمعات بشكل عام،والعربية بشكل خاص مع زيادة مشكلات الحياة وتعقيداتها.

أهميه الطروحات والأفكار التي قدمتها الكاتية تأتي في قيمية هذه الأفكار وعمقها والنتائج التي ممكن التوصل حولها لحماية افراد الأسرة ( الأطفال ) وبالتالي سلامة المجتمع والمستقبل.

أظن أنه قد أون الأوان لوضع تأطير لهذه العلاقة المقدسة بين الرجل والمرأة، في ظل ظروف مختلفة عن النشأة الأولى لها، حيث اختللف الزمن وتطور الاحتياجات والمفاهيم أيضا ،، وأظن أن نبالة الطرح والهدف كافية بما حملته من فكر المسؤولية المتصلة للأب والآم عن مسؤوليتمها الكاملة على التربية للأطفال ولو بعد الأنفصال بصيغ جديدة ومختلفة عن حقوق الزيارة وحق الحضانة الشرعية، والمشكلات التي تعاني منها الأسر المفككة اليوم !
طرح عظيم وتنفيذه يحتاج إلى تضافر جهود كبيرة ومؤسسية في ظل مايعانيه القضاء العربي بشكل عام والشرعي بشكل خاص من حجم عمل كبير ومرهق يحد من قدرة مشاهدة ما يحصل في الواقع عن أروقة المحاكم السطحية والمكتظة!!

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق