ما مدى واقعية دعوى الدولة المدنية على أسس علمانية؟
24 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

أكد باحثون وأكاديميون أن تأسيس "دولة مدنية" في العالم العربي في ظل الواقع الراهن الذي لا يخلو من صراعات وسجالات وخلافات بين المرجعيات الإسلاموية والعلمانية، وللخروج من مأزق الانهيارات القادمة للدولة العربية، بات "بديلاً واقعياً وضرورياً".

وشدد مختصون استطلعت مجلة "ذوات" آراءهم في سؤال عددها السابع والعشرين: "ما مدى واقعية دعوى الدولة المدنية على أسس علمانية في ظل الثقافة الدينية المتجذرة في العقلية العربية؟"، أن إقامة دولة مدنية "ضرورة لحيوية وصحة النقاش والحوار في فضاء من الحرية يكون قابلاً لإنتاج وإعادة إنتاج المفاهيم الجديدة، إسلامية كانت أم علمانية، بعيداً عن توتر السجالات التي يغلب عليها طابع التخلف".

محمد جميل أحمد: الثقافة الدينية المتجذرة يغلب عليها طابع التخلف كونها عاجزة عن تحديد بديل لما ترفضه من طروحات مشوشة لفكرة الدولة المدنية

ونبهوا إلى أن واقعية الإقرار بضرورة مفهوم الدولة المدنية العلمانية يتطلب التوافق على عقد اجتماعي يقوم على مفاهيم المواطنة والمساواة والتعددية الفكرية وحرية المعتقد والتداول السلمي للسلطة.

كما اعتبر بعضهم أن أهم ما يمكن التأثيث له هو تنوير المجتمع والانتقال به من الطور الديني إلى الطور العلمي؛ أي "نفض الكسل عن العقول ودعوتها إلى ممارسة حريتها في التعبير والتكفير ونبذ المسلمات والشك في الموروث الحضاري والديني للوصول إلى موقف نقدي منها، ومن ثم تكوين فكر علمي وآخر سياسي لإدارة المجتمع، وترديد القول بأن السلطة تأتي من الشعب وليس من مكان آخر".

واقترح باحثون التدرج في تأسيس الدولة المدنية على الصعيد القانوني من خلال "إزالة كلمة دين الدولة من الدساتير، فالدولة لا دين لها"، فضلاً عن إزالة كل القيود على "حرية التعبير" من الدساتير والأنظمة العربية، إلى جانب إزالة خانة "الدين" من الهويات وجوازات السفر العربية، إضافة إلى إصلاح التعليم إصلاحاً جذرياً، وأن تحذف من المناهج كل التنميطات وأسباب العنف والكراهية وعدم الاعتراف بالآخر، وغيرها من خطوات قانونية كفيلة بتأسيس فعلي لدولة مدنية.

وعلى الرغم من أن بعضهم بدا "متشائماً" في ظل الواقع الذي ترزح تحته الدول العربية دولة وأفراداً، أبدى آخرون قليلاً من الأمل في إقامة دولة مدنية لكن ذلك لن يكون إلا بجهود حثيثة وعلى مستويات عدة لا تقتصر على المفكرين والمثقفين والمصلحين والسياسيين؛ بل يجب أن تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد والمناهج والإعلام؛ حيث تنفذ الفكرة للثقافة الشعبية لإمكانية تحقيقها وتطبيقها واقعياً.

التأسيس الفعلي للدولة المدنية

يؤكد الباحث والأكاديمي الأردني الدكتور جورج الفار أن الدعوة إلى تأسيس دولة مدنية على أسس علمانية الآن، وفي الظرف العربي الحالي، هو "كلام واقعي ومشروع مهم للغاية"، مشيراً إلى أن العرب عانوا ومازالوا يعانون من الحكم الديني أو الطائفي أو المذهبي، ومعاناتهم "ترجمت إلى دماء دفعوها وإلى هجرة عن أوطانهم وبلدانهم، وإلى ضيق شديد عاشوا فيه عندما حكمتهم منظمات إرهابية باسم الدين تارة، وباسم الطائفة أو المذهب تارة أخرى وما زالت، كما أن فشل الدولة الدينية ظاهر للعيان ظهوراً واضحاً.

أما هل يمكن الكلام والدعوة إلى مثل هذه الدولة المدنية في ظل الثقافة الدينية المتجذرة في العقلية العربية، فيقول أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية: لا يمكن لأحد إنكار تجذر الثقافة الدينية في العقلية العربية، ولكن هذه الثقافة نوع معين وتفسير معين للدين، والتي تقول مثلاً "إن الإسلام وهو دين ودولة"، فليس كل ثقافة دينية تقول بما يقوله بعضهم إن الإسلام "دين ودولة".

جورج الفار: الدعوة إلى تأسيس دولة مدنية على أسس علمانية الآن، وفي الظرف العربي الحالي، كلام واقعي ومشروع مهم للغاية


وحتى نكون واقعيين ومنطقيين تجاه دعاة الدولة المدنية على أسس علمانية يقدم الفار النصائح التالية: إذا كان هدفهم نبيلاً فعليهم بالصبر والفهم وخوض معركة التنوير "تنوير المجتمع" قبل أن يدعوا إلى العلمانية وتطبيقها، وأهم نضال في تنوير المجتمع هو الانتقال به من الطور الديني إلى الطور العلمي؛ أي نفض الكسل عن العقول ودعوتها إلى ممارسة حريتها في التعبير والتكفير ونبذ المسلمات والشك في الموروث الحضاري والديني للوصول إلى موقف نقدي منها، ومن ثم تكوين فكر علمي وآخر سياسي لإدارة المجتمع وترديد القول بأن السلطة تأتي من الشعب وليس من مكان آخر.ويتابع الفار حديثه بأن هناك من يرى الإسلام بمنظور روحي وديني ويفصله تماماً عن المجال السياسي والدنيوي والسلطوي، ليجعله نقياً ومتباعداً ومتسامياً عن الاختلاط بالسياسة والسلطة، إلا أن هذا الاتجاه ليس سائداً للأسف، لذا سيكون هذا النوع من الثقافة عائقاً أمام تطبيق الدولة المدنية على أسس علمانية؛ لأن لها موقفاً عدائياً من العلمانية أيضاً، وتتهمها بالكفر دون وجه حق.

كما يقترح الدكتور الأردني التدرج في تطبيق الدولة المدنية في عدة خطوات؛ أهمها الجانب القانوني المتمثل بما يلي: أن تزال كلمة دين الدولة من الدساتير، فالدولة لا دين لها، وأن تزال كل القيود على "حرية التعبير" من الدساتير والأنظمة العربية، فضلاً عن إزالة خانة "الدين" من الهويات وجوازات السفر العربية، وأن يتم إقرار الزواج المدني في بعض الدول العربية، وأن تزال كل العقوبات التي تفرض على من يغير دينه أو يعلن انتماءه إلى دين أو أيديولوجية جديدة، إلى جانب ضرورة إصلاح التعليم إصلاحاً جذرياً، وأن تحذف من المناهج كل التنميطات وأسباب العنف والكراهية وعدم الاعتراف بالآخر، وأن لا يسمح لرجال الدين التدخل بالسياسة ولا للسياسيين استعمال الدين في حملاتهم الانتخابية أو في فرض قوانين دينية. هذه الخطوات كفيلة، وفق الفار بالتدرج، ومن ثم بالتأسيس الفعلي للدولة المدنية.

ضرورة حيوية وفضاء من الحرية

أما الكاتب والباحث السوداني محمد جميل أحمد، فيوضح أن الإقرار بواقعية طرح الدولة المدنية العلمانية، في ظل الانهيارات والتخلعات التي تشهدها الدول في منطقتنا العربية، يصبح أحياناً جزءاً من "إكراهات الواقع والمعرفة الضرورية للانتقال من حال التخلف والانسداد إلى حال أفضل".

ويرى الباحث أن الثقافة الدينية المتجذرة يغلب عليها "طابع التخلف كونها عاجزة عن تحديد بديل لما ترفضه من طروحات مشوشة لفكرة الدولة المدنية في الخطابين؛ الإسلاموي والعلماني العربي"، منوهاً إلى أنه "لا يمكن للعقلية العربية المعاصرة أن تؤهل من ثقافاتها الدينية المتجذرة تلك حجاجاً وجيهاً في وجه مقولة الدولة المدنية، كما لا يمكنها أن تقبل به"، عازياً رأيه لحساسية مصطلحات، مثل "المدنية" و"العلمانية" وارتباطها بالاستعمار والحداثة، في الذاكرة التاريخية للعرب من ناحية، وفي بنية عقلية التخلف من ناحية ثانية.

وحيال انسدادين أصلييَن تفرضهما السجالات الراهنة بين خطابي الإسلامويين والعلمانيين ثمة حاجة، وفق الكاتب أحمد، إلى مقاربة مقاصدية معرفية لدى الإسلامويين من ناحية، وإلى قراءات منهجية في النظرية النقدية التي تطرحها الفلسفة التداولية، لدى خصومهم من العلمانويين واليساريين من ناحية أخرى؛ ربما تفضي المراجعتان إلى اتجاه يمنحهما القدرة معاً على رؤية قضية الدولة المدنية من منظور المواطنة المتصلة بهوية الوطن كهوية اعتبارية معرفة للفرد الحديث في العالم.

عند ذلك لن يكون مشروع الدولة المدنية العلمانية، بحسب الباحث، أداة لتسكين التناقضات واحتواء الصراعات بين أفراد الجماعة الوطنية من إسلامويين وعلمانيين فحسب؛ بل، كذلك تصبح ضرورة لحيوية وصحة النقاش والحوار في فضاء من الحرية يكون قابلاً لإنتاج وإعادة إنتاج المفاهيم الجديدة، إسلامية كانت أم علمانية، بعيداً عن توتر السجالات التي يغلب عليها طابع التخلف.

ويؤكد الباحث أن واقعية الإقرار بضرورة مفهوم الدولة المدنية العلمانية، ربما أصبح البديل الوحيد -في الأفق المنظور على الأقل- للخروج من مأزق الانهيارات القادمة للدولة العربية ما بعد الاستعمار، وإذا ما بدا النجاح حليفاً لخط الدولة المدنية العلمانية الحقيقية، فإن الشروط السوية لظهور أنموذج مستقبلي للدولة في المنطقة العربية ربما تفضي إلى أكثر من نموذج للدولة، متصالح مع الإسلام والحداثة في الوقت ذاته.

مؤسسات عصرية بممارسات تقليدية

 الأكاديمي المغربي في جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس الدكتور عبد الرحيم العطري يرى أن الدعوة إلى توطين الدولة المدنية في السياق العربي، لا ينبغي أن تنسينا وجود مقاومات مبررة بسوء الفهم الكبير الذي يعتور مفهوم العلمنة، بما يجعل منه "مقابلاً ضدياً" للدين، في حين أن الأمر ليس كذلك، من هنا ينبع التوتر، وتنشأ المواقف والمواقف المضادة من الدولة المدنية.

ويتابع العطري حديثه قائلاً: إن سوء الفهم هذا أنتج "عُسْرا" في الانتقال من هذا السجل إلى ذاك، وهو ما أفرز، نهاية، واقعاً ترميقياً، يستجمع التقليدي والحديث في آن واحد، وهو ما ينكشف في الخطاطة التالية "مؤسسات عصرية بممارسات تقليدية".

عبد الرحيم العطري: إن الدعوة إلى توطين الدولة المدنية في السياق العربي، لا ينبغي أن تنسينا وجود مقاومات مبررة بسوء الفهم الكبير الذي يعتور مفهوم العلمنة

إن التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع العربي تسير، بحسب الأكاديمي المغربي، في اتجاه توكيد فرضية انمحاء وإعادة تشكيل كثير من العلاقات الإنتاجية الجماعية، وكذا تراجع مفاعيل المؤسسات التقليدية لصالح خيارات فردية وعصرية لا تسلم من تأثير التقليد وتوجيهه؛ فالحصر الذي حدث في أمر الانتقال من القبيلة إلى الدولة، ومن الدولة التيوقراطية إلى الدولة المدنية، أفضى إلى "إعادة إنتاج نمط علائقي جديد، تتعايش فيه سجلات متعددة وتسير فيه مؤسسات عصرية بممارسات وتمثلات تقليدية".

ويردف العطري إنه منطق التوليف والترميق الذي يعمد فيه الفاعل الاجتماعي إلى استدماج كثير من الممارسات والخطابات المتعددة الانتماءات في متن واحد، إنه إعادة إنتاج ممكنة لعصرنة المؤسسات وتقليدية العلاقات؛ حيث يبدو الفاعل منتمياً إلى سجل عصري من الناحية المؤسسية، ومشتغلاً فيه ومن داخله بأدوات وتمثلات وعلاقات تقليدية. من هنا يأتي الانتقال المعاق والمؤجل من التقليد إلى الحداثة، ومن استثمار الدين في السياسة إلى الحكم المدني الذي يتخذ من الدين عدواً استراتيجياً.

ويرى الأكاديمي أن تفكيك النظام التقليدي لم يتأت بسهولة، ولا يمكن التأكد كلية من إمكان القضاء عليه، فدائماً هناك تسربات ثقافية نحو الفائت، وتأثيرات قوية للتقليد في بناء العصرنة، إنها تحولات لا تلوح بطعم القطيعة مع الفائت، إنها تضمر وتعلن الامتداد والاستمرارية، فهي تتراوح دوماً بين سجلات فائتة وراهنة وأخرى لاحقة، بالشكل الذي تضيع معه كل محاولة للحسم في ترتيب ونمذجة الواقع، فنحن لا نعي في كثير من الأحيان، هل يتعلق الأمر بممارسات ومؤسسات عصرية أم تقليدية، وهل نحن نسير في اتجاه العلمنة أم نؤسس للتيوقراطية المطلقة؟

ويقول العطري: لقد أفضى "انتصار الاستمرارية" على التغيير إلى "تسييد" واقع من التوليف والترميق يتأسس على استدماج واستدخال قيم وممارسات متناقضة من حيث البدء والانتماء "السجلي"؛ حيث يتمازج التقليدي مع العصري، ومن غير أن يؤثر على فعالية النسق، ما يؤسس ويجذر باستمرار لخطاطة "المؤسسات العصرية في ظل علاقات وقيم تقليدية".

ثورة إصلاحية جذرية دينياً وسياسياً

من جهته، يرى الباحث الأردني في التاريخ الإسلامي الدكتور سامي أبو داود أن إمكانية قيام دولة مدنية على أسس علمانية تواجه صعوبات جمة؛ منها- على سبيل المثال لا الحصر- عدم فك إشكالية تحديد ما هو ديني وما هو سياسي في العقل الديني الجمعي، فضلاً عن عدم قيام ثورة إصلاح ديني داخل منظومة الفكر الديني الإسلامي، إلى جانب أن مفهوم العلمانية؛ بكافة تعريفاته، سواء اشتق من العلم أو العالم، هو مرفوض من قبل حراس العقيدة ومسيري شؤون التقديس ومن ورائهم مجتمعاتنا المغرَّر بها دينياً على مدى عقود من الزمن. العلمانية في نظر الباحث أبوداود هي: قاعدة إجرائية لتنظيم المجتمع؛ تقوم على قاعدة الحياد تجاه الأديان من حيث عدم سيطرة أي دين على الفضاء الاجتماعي العام للدولة، مع اعترافها بحق الفرد في أن يختار الدين الخاص به في الفضاء الخاص له، وهذا هو شرط قيام الدولة المدنية.

سامي أبو داود: العلمانية قاعدة إجرائية لتنظيم المجتمع؛ تقوم على قاعدة الحياد تجاه الأديان من حيث عدم سيطرة أي دين على الفضاء الاجتماعي العام للدولة

وإمكانية هذا الشرط تتحقق، بحسب الباحث الأردني، حينما يتم التوافق على عقد اجتماعي يقوم على مفاهيم؛ المواطنة والمساواة والتعددية الفكرية وحرية المعتقد والتداول السلمي للسلطة. ورغم جهود المفكرين والمصلحين العرب في التنظير لهذه المفاهيم؛ سواء بإيجاد مستند لها في التراث الديني أو العالمي، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحقيق اختراق جذري في البنية الفكرية العميقة للمجتمعات العربية، التي تسيد مشهدها أصحاب الفكر الديني الإسلاموي.

وبالتالي لم تنجح مجتمعاتنا، وفق أبوداود، في إنجاز ثورة إصلاحية جذرية على الصعيد الديني والسياسي كما حدث في المجتمعات الغربية، أدت إلى توافق أو تسوية تاريخية- على سبيل المثال لا الحصر- في صلح وستفاليا 1648م أو في الثورة الفرنسية 1789م.

أمام هذا الواقع، يعرب أبو داود عن تشاؤمه تجاه إمكانية تحقق الدولة المدنية المنبثقة عن مرجعية العقل أو العلمنة في المدى المنظور، ويمكن للمرء أن "يتشاءل"، بحسب الباحث، في حال سادت "قيم أنسنة الدين وقيم التصوف المعقلن - إن جاز التعبير- التي بشر بها المتصوفة الكبار أمثال: محيي الدين بن عربي والرومي والحلاج....إلخ، وإلا فإن مجتمعاتنا ستبقى رازحة تحت مطرقة الفكر الديني الذي يقوم بتسيس الدين وتديين السياسة".

البداية صعبة لكنها ممكنة

من جانبه، بين الكاتب الفلسطيني بكر أبو بكر أن الآراء في العلمانية وتطبيقاتها تعددت كثيراً، فما بين (العلمانية الشاملة) التي تلغي دور الدين في كل المجالات، سواء في السياسة أو المجتمع أو القيم والأخلاق الدينية المنشأ، وتُعلي من شأن الإنسان فقط دون مرجعية كما عرّفها د. عبد الوهاب المسيري، إلى (العلمانية الجزئية) التي تبعد إقحام الدين (قداسة الرأي والشخص والفهم) في الدولة والسياسة، حيث اعتبرت (العلمانية الجزئية) من حيث فصل الدين (استغلال الدين) عن الدولة (استغلال الحكام بالدولة للمذهب في الحكم) مقبولا؛ بل وزاد على ذلك د.راشد الغنوشي إذ أصّل لهذه العلمانية الجزئية، وقرر أن لها قبولاً في الفكر الإسلامي وأسماها العلمانية الجزئية المؤمنة، وفي الكثير من مفكري المسلمين اتجاه نحو فصل المذهبي والطائفي والتطبيق المحدد منهما للشريعة عن الحكم.

ويحبذ أبوبكر استخدام مصطلح الدولة "المدنية" لا مصطلح "العلمانية" لما ثار حول الأخير من جدل، ولتعدد وتضارب تعريفاته، ورفض "الدولة الدينية" التي تدعو إليها التنظيمات الإسلاموية.

بكر أبو بكر: الدولة المدنية تقوم على تعددية القوى السياسية بتغير قوى أحزابها وثقافة التفاهم واستمرار منطق الحوار السياسي بينها وتداول السلطة

ويتفق أبو بكر مع قول د. حسن حنفي بأن "الدولة المدنية تقوم على تعددية القوى السياسية بتغير قوى أحزابها وثقافة التفاهم واستمرار منطق الحوار السياسي بينها وتداول السلطة، فلا يكون الحكم لحزب واحد دائم، ولا لسلطة واحدة، دون مراعاة قواعد اللعبة السياسية، وخدمة المصلحة العامة..، ولا توجد أصلاً دولة دينية بل دولة مدنية. الدين كالثقافة والعلم أحد مكوناتها".

ويقر أبو بكر بأن هناك إشكالية كبيرة في حل عقدة الربط الوثيق بين الدين عامة؛ بمعنى القداسة والمطلق والتنزيه للفكرة الخالدة وبين قائلها، وبين الثقافة الشعبية الماضوية المتجذرة في هذا الاتجاه؛ حيث يتم التعامل مع الرأي أو المعنى أو الفهم للقضايا بنفس منطق التعامل مع النص القرآني، فيتم ربط الرأي والشخص القائل للرأي بقداسة شبيهة بتلك القداسة للقرآن الكريم في العقل الشعبي، فيسهل السيطرة والتحكم في عقول الناس، وهذه معضلة تحتاج إلى جهود حثيثة في مستويات عدة لا تقتصر على المفكرين والمثقفين والمصلحين والسياسيين؛ بل يجب أن تبدأ منذ البداية، والبداية صعبة ولا تكون إلا في العقل والقرار السياسي؛ حيث ننطلق من الأسرة والمدرسة والمسجد والمناهج والإعلام.

أما مدى "واقعية" الدعوة للدولة المدنية في هذا السياق وفكرة العلمانية، فرغم صعوبتها، إلا أن الدولة المدنية بالقيم الإنسانية، والتي يشكل الإسلام جوهرها تصبح، وفق أبو بكر، قادرة على النفاذ في الثقافة الشعبية من حيث قلنا إن البداية هي صعبة جدا.

دولة ديمقراطية ليبرالية

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والباحث السوري ماجد كيالي إن في النقاشات والتجاذبات السياسية التي أطلقها "الربيع العربي"، لاسيما في ظل التداعيات الناجمة عنه، استمرأ "علمانيون" تنميط "الإسلاميين"، بوصمهم بالتأخّر والميل إلى العنف والاستبداد والاستئصال، في المقابل استمرأ "إسلاميون" تنميط العلمانيين؛ ليبراليين وقوميين ويساريين ووطنيين، بوصفهم حلفاء لنظم الاستبداد وكاستئصاليين وكمتغرّبين.

ويرى كيالي أن هناك - باختصار- سوء فهم فطري أو متعمد، من الطرفين، والمشكلة أن العلمانيين -على الأغلب- لا يرون الإسلاميين إلا وفق صورة متخيّلة، عن التأخر العملي والفوات التاريخي والعنف والتطرف، دون أن يلاحظوا أن النظم التي ادعت القومية واليسارية والعلمانية، هي المسؤول عن الفوات التاريخي في البلدان العربية، وعن الاستبداد، كما عن تردي أحوالها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

وبديهي أن هذا يشمل الإسلاميين من الذين يرون العلمانيين، وفق كيالي، كمجرد خارجين عن الدين وكمتغربين وفاقدين للهوية الأصلية (التي شكلها الإسلام في عهده الأول)، في حين أنهم لا يرون، أيضاً، أو لا يريدون أن يروا أن ثمة علمانيين وقوميين ويساريين ناهضوا الاستبداد ودفعوا ثمن ذلك من حياتهم، طوال العقود السابقة. وفوق ذلك فإن مشكلة هؤلاء أنهم لا يرون أن تيارات إسلامية، تتحرك باسم الدين، وترتكب الكبائر باسمه، وأنها هي التي تصدّر صورة متطرفة وعنيفة ومتوحشة عن الإسلام.

ماجد كيالي: لا يوجد حل لهذه الفوارق أو الاختلافات، وهي أصلاً لا تقبل تخليق إجماعات ملفقة، على النحو الذي جربته بعض مؤتمرات الحوار القومي الإسلامي

ويشير كيالي إلى أنه لا يوجد حل لهذه الفوارق أو الاختلافات، وهي أصلاً لا تقبل تخليق إجماعات ملفقة، على النحو الذي جربته بعض مؤتمرات الحوار القومي الإسلامي، على أهميتها، والتي لم تصل إلى شيء، كما دلت التجربة؛ لأنها كانت بمثابة "حوار طرشان".

ولعل الحل الوسط، أو الممكن، والمجرب في التجربة التاريخية، وضمنها تجربة الإصلاحات والحروب الدينية في أوروبا، يتمثل، بحسب كيالي، في تخليق مشتركات سياسية، وضمنها صوغ عقد اجتماعي جديد، يكفل لكل فرد، ولكل تيار، الحرية والخيار في العقيدة والضمير، مع ضمان الحقوق والمساواة للجميع، في دولة مؤسسات وقانون ومواطنين، أحرار ومتساوين، يتم فيها تداول السلطة، بالطرق الديمقراطية.

والقصد أن هذا هو الحل الأفضل، برأي كيالي، الذي توصلت إليه البشرية في تجربتها التاريخية، بخصوص النظام السياسي، والعلاقة بين المواطنين المختلفين؛ إذ لا تستقيم الحرية مع حرمان تيار من حقه في الوجود والتعبير والمشاركة السياسية، لأن حرمان تيار معين، انتقاص للحرية والديمقراطية، ويبرر للاستبداد، وقيام تيار معين بحرمان آخر سيبرر لهذا الآخر اللجوء إلى العنف، وبالتالي سيبرر له نزع حق التيار الآخر وهكذا، فالديمقراطية الليبرالية في دولة مواطنين أحرار ومتساوين هي الحل.

مواطنون واعون متنورون

أستاذة الفلسفة المعاصرة بجامعة بغداد د. هبة عادل العزاوي ترى أن الدولة المدنية ﻻ يمكن أن تُنعت بذلك إﻻ إذا كانت لبنتها -الأعضاء فيها- على درجة من الوعي والتنوير والتمدن، فإن كانوا كذلك فلن يكون من الصعب إدراكهم أنهم يسكنون في مدينة تسيرها قوانين وأحكام اتفقوا عليها بعد فترة من الصعوبات والاختلافات والخلافات؛ أنها استوفت مسألة حلحلة كل ذلك، وسيدرك بذلك أعضاء أو مواطنو الدولة المدنية أنهم "ليسوا في مسجد تديره أوامر وقوانين إلهية".

هبة عادل العزاوي: ﻻ يمكن أن تُنعت الدولة المدنية بذلك إﻻ إذا كانت لبنتها - الأعضاء فيها - على درجة من الوعي والتنوير والتمدن

وتتابع العزاوي حديثها منوهة إلى أن دساتير الديانات، متمثلة بالكتب السماوية، أضاءت النور على أحكام يمكن أن تسير معها شؤون الدولة، لكن الأحكام مهما بلغت درجة عموميتها وعالميتها "ﻻ يمكن أن تكون صالحة لكل زمان ومكان، خاصة مع التطور الهائل في الحياة"، متابعة "وإن صلح بعضها، فإن ذلك سيكون لصالح الدولة؛ اذ سيتم اللجوء إليه حتماً، فمن غير المعقول التخلي التام عما ينفع".

وتلفت الأكاديمية إلى أن القارئ عليه أن يعي أن فصل الدين عن الدولة "ﻻ يعني التخلي عن الدين والركون إلى الإلحاد، ففي الفصل استعادة لمكانته الروحية وتنقيته مما اختلط به من جوانب الحياة الأخرى".

 

* مقال منشور ضمن العدد السابع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " التراث الإنساني وخطر الخطاب الجهادي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/DH6mih

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق