محمد الأمين بحري: المثقف العربي يختبئ تحت مظلَّة مفكِّرين غربيين
29 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

أوضح الباحث الجزائري البروفيسور محمد الأمين بحري أنَّ الفاعل الحقيقي في تكوين الوعي النقدي العربي، ليس هو البيئة المتوافقة مع ذهنيَّة المثقف، بل البيئة المضادَّة لوضعه الثقافي والفكري، والتي من شأنها أن تفرز مثقفاً نقديَّاً لأوضاعه ومجتمعه، وحتى للنظم السياسيَّة التي أنشأته وبنت فكره وأطَّرت تكوينه.

وأكَّد بحري، في حوار أجراه معه الباحث والأكاديمي الجزائري د. ربوح البشير،ونشر على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، أنَّ ثقل الحياة وتأزّمها يزيد من لمعان معدن المثقف، في صورة حجر الماس الذي يزداد إشعاعه ولمعانه كلَّما ازداد تعرُّضه للضغط، دون أن نعدم بعض الانفجارات العكسيَّة، التي هي من جنس مشكلات المثقف طبعاً.

المثقف أو المفكر العربي لا يملك آليَّات القراءة بقدر ما يحوز قدرات خلَّاقة على التبنّيّ والاتباع والتسليم والانبهار

وفيما يتعلَّق بالمشكلات أو المعيقات التي تعيق مسيرة المثقف، رأى الباحث أنَّ مشكلة مثقفنا هي مشكلة انتماء ما يزال حاملاً الطابع الشكلي دون أن يرقى -في أغلب الحالات- إلى المستوى النسقي؛ أي هو موقع شكلي يتناهى عند حدود المصطلحات والمقولات، وليس ذا طابع مفهومي، وهذا يعني أنَّه لم يبلغ بعدُ الحدود الإشكاليَّة للمفاهيم، ما يفضي إلى نوع من التسطيح في أفكار كثير من مثقفينا، فافتقاد المفاهيم، وفق بحري، هو افتقاد أساسي للأنساق، وبالتالي فالأشكال ذات الطابع النقلي التي تفتقر إلى بنى داخلية متفاعلة لا يمكن أن تشكِّل نسقاً في أيّ مجال، ما يعني أنَّنا إزاء ظاهرة استظلال فكري وحسب، يعمد فيه المثقف إلى تبنِّي الوافد من الأفكار دون مناقشة أو تلقٍ استشكالي يحاورها.

العقل العربي مقولاتي

ونوَّه بحري إلى أنَّ المثقف العربي غالباً ما يختبئ تحت مظلَّة مفكِّرين غربيين، ولعل أوسع مظلة لمفكر غربي هي مظلة مارتن هيدجر، الذي تحوَّل مثله مثل بقية التنويريين الغربيين إلى جملة مقولات خالية من أيَّة علاقة بواقع المفكر العربي، مبيناً أنَّ العقل العربي وقع تحت تأثير المظلَّات الفكريَّة الغربيَّة، واستحال إلى عقل مقولاتي، يحسن الهرب بتلك الأطروحات النظريَّة الغربيَّة الأصيلة في منبتها أكثر ممَّا يحسن مناقشتها من خلال نقدها وتفكيكها باستثارة إشكالاتها أو استظهار ما يشاكلها في فكره وثقافته ومجتمعه وسياسته.

والأخطر، وفق بحري، أن يصطنع المفكِّر العربي انطلاقاً من المنقولات الشكليَّة للفكر الغربي موقفاً قطائعيَّاً (قطيعة معرفيَّة) بينه وبين بيئته، ليصير مثقفنا أو مفكرنا مؤمناً ظاهريَّاً بالقطيعة مع حضارته وأصالته وجذوره وواقعه، مأخوذاً بزخم مقولات فكريَّة غربيَّة تبنَّاها باعتبارها مسلَّمات كونيَّة، وهذا ما يسمّيه الباحث "خيانة الثقافة" عطفاً على مصطلح إدوارد سعيد خيانة المثقف.

وبيَّن بحري أنَّ المثقف أو المفكِّر العربي لا يملك آليَّات القراءة بقدر ما يحوز قدرات خلَّاقة على التبنّي والاتباع والتسليم والانبهار، وهي مُركَّبات استلابيَّة تقضي على قدراته في التفكير، ويعدم فيها الفرصة في مواجهة المقولة بالسؤال، والنظريَّة بالاستدلال، والفكرة بالمثال، لافتاً إلى أنَّ المثقف العربي لو أتاح لنفسه فرصة التلقي النقدي لوافد الأفكار والنظريَّات والمقولات، لأبدع وأتى بما لم يخطر على بال أصحاب تلك المنظورات الغيريَّة التي يتبناها.

وعن رأيه في السجال الثقافي والسياسي والاجتماعي بين التيارات المختلفة، وهو حراك اشتدَّ بصفة خاصَّة في أعقاب ما سُمِّي إعلاميَّاً بـ "الربيع العربي"، قال: إنَّ هذه الظاهرة الانتفاضيَّة الأخيرة للشعوب كشفت أو بالأحرى عرَّت حقائق كثيرة حول نوعيَّة مثقفينا، ومآزق اعترت هذا العقل المقولاتي العربي الذي شهدنا عبوره الآلي من المقولة إلى المسلَّمة التي سرعان ما تتحوَّل في كثير من الأحيان إلى يقين ينفي في عقيدة المثقف أيَّ اختلاف أو قبول لرأي الآخر.

وأضاف: صرنا في وضعنا الثقافي الراهن عبارة عن تكتّلات وثوقيَّة بين من يُسمُّون أنفسهم سلفيين أو دعويين أو مؤمنين متدينين، وبين من يُسمُّون أنفسهم تنويريين وعلمانيين وديمقراطيين، غير أنَّ كلَّ طرف ينفي أيَّ نقاش أو قبول للطرف المختلف، وخير دليل مع من يُسمُّون أنفسهم بالتنويريين والعلمانيين (الذين لا يفتأون يدَّعون ويتغنّون بمقولات الديمقراطيَّة) وموقفهم الصادم من صعود المدّ الإسلاموي إلى السلطة في أعقاب الربيع العربي، فوقفنا على حقيقة مزرية، تتمثل في أنَّ جلّهم وقفوا إلى جانب الانقلابات السياسيَّة، وساندوا إسقاط ما جاء بالانتخابات، وأيَّدوا الدكتاتوريَّات، لمجرَّد خوفهم الميتافيزيقي من صعود وتمكُّن التيار الآخر (الإسلام السياسي) الذي يختلفون معه فكراً وعقيدة.

ووصف وضع مثقفنا العربي بـ "الهش"، الذي بدل أن يؤسِّس لانتماء فكري نسقي مبني شكلاً ومفهوماً على التلقي النقدي والحوار المتسامح، راح يبني يقينياته على أشكال مقولاتيَّة فضفاضة، يمارس بها توحُّده الفكري الذي منحه الوثوقيَّة بدل الحوار، والمحو بدل قبول الآخر، واليقين بدل البحث عن الحقيقة والتساؤل من أجل بناء الإشكال المعرفي أثناء التلقي للمنجزات الغيريَّة. وكلُّ هذا ناتج، وفق بحري، عمَّا سمَّاه: منطق النقل والاتباع والتبنّي الانبهاري للمقولات الجاهزة، وهو وضع يستحيل أن يمنحنا فكراً تنويريَّاً بأيّ شكل من الأشكال.

الترجمة عمل مؤسساتي

وفيما يتعلق بمدى مساهمة الترجمة الفرديَّة والمؤسساتيَّة في تفعيل الوعي العربي بالحداثة، رأى بحري أنَّه لا يمكن أن تحمل الحداثة على الترجمة، بل إنَّ من يعتمد على الترجمة ليبني وعيه الحداثي هو كائن "معاق فكريَّاً"؛ لأنَّ الترجمة في مجال الفكر هي قراءة المترجم ولا يمكن أن تحمل المنظور المتكامل لصاحب النصّ الأصلي الذي يجب التفاعل معه مباشرة، وليس بوساطة نصٍّ مترجَم تتحدَّد وظيفته في المساعدة على كشف المادة وليس المادة في ذاتها.

السجال الثقافي والسياسي والاجتماعي بين التيَّارات المختلفة عقب ما عُرف بـ"الربيع العربي" عرَّى حقائق كثيرة حول نوعيَّة مثقفينا، ومآزق اعترت هذا العقل المقولاتي العربي.

وتابع بحري: أنَّ ما سبق أحد الأسباب المباشرة التي دفعته إلى التوقف عن الترجمة الفرديَّة، مفضلاً أن تبقى الترجمة عملاً مؤسَّساتياً يحسن أن تشرف عليه وتتبنَّاه هيئات جمعويَّة وحكوميَّة، أفضل من أسلوب الهواة الذي ما يزال سائداً للأسف، والذي أضرَّ بالمادة المترجمة والتلقي، خاصة في مجال الفكر والفلسفة والترجمة العلميَّة، مع تشجيعه للترجمة الفرديَّة في مجال الترجمة الأدبيَّة، أي تلك الخاصَّة بنقل النصوص الإبداعيَّة؛ حيث يمكن أن يقدّم المترجم إذا ما كان من المبدعين عملاً يضاهي أو يفوق النصَّ الأصلي، وهذا ما أثبتته قدرات كثير من المترجمين للأدب العالمي على وجه الخصوص.

الانفتاح على النقد

ويرى بحري أنَّ الفصل بين الثقافي والأدبي في النقد يبدو عمليَّة عبثيَّة، ولعبة على الأشكال اللفظيَّة لا تحمل أيَّ معنى واقعي؛ إذ لا يمكن لمن ينقد الأدب أن يكون بعيداً عن نقد ثقافة النص وصاحبه بأيّ حال من الأحوال، مشيراً إلى أنَّ دائرة النقد الأدبي هي محتواة داخل دائرة النقد الثقافي بشكل جذري، وأيَّة عمليَّة فصل بينهما تنمُّ عن عدم فهم، وربَّما هدم للعمليَّة النقديَّة بأسرها.

وزاد الباحث أنَّ الشأن في تبئير اهتمام الدراسة النقديَّة بالمحمول الثقافي، أو الشكل الأدبي فحسب، دون أيَّة قطيعة جذريَّة بينهما كما يحاول عبد الله الغذامي طرحه، والذي يبدو جليَّاً (خاصة في كتابه النقد الثقافي) هو عدم تعرُّضه لطروحات ومنجزات مدرسة فرانك فورت في النقد الثقافي، وتبنّيه المطلق لتوجُّهات مدرسة كوبنهاغن؛ ممَّا أفضى به إلى عمليَّة قطيعة غير مسوَّغة يفصل فيها بين الثقافي والأدبي في العمليَّة النقديَّة، مُقدمَّاً طرحاً أكثر من غرائبي، يعلن من خلاله موت النقد الأدبي وحلول النقد الثقافي مكانه، وكأنَّ النقد العربي قديمه وحديثه لم يطرق الأنساق الثقافيَّة في معالجاته للنصوص، ومنظوراته الفنيَّة للأدب، معتقداً بأنَّ عثوره على المصطلح الجديد، هو عثور على ظاهرة لم تكن موجودة في الساحة الأدبيَّة العربيَّة التي قطع معها الصلة المعرفيَّة بشكل حدِّي وفج.

الفصل بين الثقافي والأدبي في النقد يبدو عمليَّة عبثيَّة، ولعبة على الأشكال اللفظيَّة لا تحمل أيَّ معنى واقعي.

وأشار بحري إلى أنَّه لا أحد يمكنه نكران اجتهادات وإسهامات عبد الله الغذامي الذي أنجز وفكَّر ونظَّر، لكنَّه اجتهد في حدود تكوينه ومساراته الفكريَّة. ومشروعه يمكن أن يُنقد من عدَّة محاور، خاصَّة حول الادِّعاء الأبوي للنقد الثقافي العربي الذي ألبسه إيَّاه بعض النقاد العرب، حيث يمكن أن نشير في عجالة إلى وقوع زلَّات كبرى في طرحه، لعل أهمَّها إعلانه في كتابه النقد الثقافي عن موت النقد الأدبي.

ومن المستغرب، وفق الباحث، أن يشرع ناقد ما في إنهاء مسيرة النقد الأدبي انطلاقاً من سبب تقني ينتمي علميَّاً ومعرفيَّاً إلى حقل البلاغة؛ إذ يعزو الغذامي ضرورة تجديد النقد إلى ما أسماه "شيخوخة البلاغة العربيَّة". متأسّساً شأن بقية المستغربين العرب على أطروحة ظاهريَّة تدَّعي القطيعة المعرفيَّة مع التأسيس البلاغي للنقد الأدبي العربي، ولا أعتقد أنَّ استعارة مفاهيم كالقطيعة المعرفيَّة، والمنظورات الظواهريَّة بالأمر الملزم للنقد الأدبي الذي هو في غنى عن تلك المفاهيم الحديَّة المستجلبة كي يثبت حياته أو موته.  

* باحث وأكاديمي جزائري 

لقراءة الحوار كاملاً يمكن النقر هنا:

https://goo.gl/t7WK5L

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق