محمد البرادعي المتهم دائما
19 اكتوبر 2015 | 4 تعليق

ولاء عبد الهادي*

شخصية مصرية عالمية، أثير حولها الكثير من الجدل عالميًا ومحليًا، له العديد من الإسهامات الدولية في القضايا الشائكة نظرًا لمكانته العالمية، والتي جعلته محط اهتمام واتهامٍ من الجميع، ويبقى التاريخ هو الشاهد على مواقف الرجل. وإذا حالفك الحظ وجلست معه سترى رجلا ذكيًا يعتليه تردد شديد، يُقدم لك الكثير من الحلول للقضايا الشائكة، وربما تراه أيقونة تدفعك نحو العمل والتحرك، لكنه لن يفعل الحل بمفرده.

ولد " محمد البرادعي" في 17 يونيو 1942م، بحي العجوزة لأسرة متوسطة ترجع أصولها لقرية إبيار "كفر الزيات" بمحافظة الغربية، ثم انتقل للعيش معها بحي الدقي في القاهرة. التحق بكلية الحقوق إسوة بوالده "مصطفى البرادعي" نقيب المحامين الأسبق. يقول البرادعي تعقيبًا على ذلك: "يبدو أننا أسرة تتوارث القانون؛ فقد أحببته بفضل والدي الذي كان مثلي الأعلى؛ مما شجعني على قراءة كتبه، والالتحاق بكلية الحقوق بعد ذلك، كما درست ابنتي ليلى القانون في إنجلترا تأثرًا بـي، إنه عرق الوراثة فيما يبدو"[i].

تخرج "محمد البرادعي" في كلية الحقوق جامعة القاهرة سنة 1962م، وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة نيويورك سنة 1974م. وبدأ حياته العملية موظفًا في وزارة الخارجية المصرية في قسم "إدارة الهيئات" سنة 1964م، وتدرج في المناصب إلى أن صار محاميًا لمصر وحقوقها ومصالحها في المحافل الدولية حيث مثل بلاده في بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة في "نيويورك"، و"جنيف".

قدم استقالته من الخارجية المصرية اعتراضًا على بعض بنود اتفاقية "كامب ديفيد"؛ ليصبح زميلاً في معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحوث "يونيتار"، حيث كان مسئولاً عن برنامج القانون الدولي سنة 1980م، كما عمل أستاذًا زائرًا للقانون الدولي في "مدرسة القانون" جامعة نيويورك 1981 -1987م. ومن خلال عمله كموظف في الأمم المتحدة اكتسب الكثير من الخبرات في أعمال المنظمات الدولية خاصة في مجالي: حفظ السلام والتنمية الدولية.

التحق بالوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1984م، حيث شغل عدة مناصب رفيعة منها: المستشار القانوني للوكالة، ثم مديرًا عامًا مساعدًا للعلاقات الخارجية في 1993م، وانتخب رئيسا للوكالة الدولية للطاقة الذرية في 1 ديسمبر 1997م خلفًا للسويدي "هانز بليكس"، وأعيد انتخابه لفترتي رئاسة متواليتين 2001م، و 2005م.

حاضَرَ في مجالات: القانون الدولي، والمنظمات الدولية، والحد من التسلح، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وله العديد من المقالات، وبعض الكتب المتخصصة في تلك الموضوعات، أهمها:

الاستخدامات السلمية للطاقة، مساهمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، صدر عام 2003م.

"زمن الخداع ... الدبلوماسية النووية في أوقات الغدر" صدر عام 2011م، يستعرض فيه المؤلف فترة اثنا عشر عامًا  قضاها رئيسا للوكالة الدولية الطاقة الذرية 1997-2009م.

وهو عضو في منظمات مهنية دولية منها: اتحاد القانون الدولي،والجماعة الأمريكية للقانون الدولي.   

الشأن المصري/مواقف وتوجهات

عمل البرادعي مساعدًا لوزير الخارجية المصري "إسماعيل فهمي" 1974م، حتى استقال عام 1980م، ثم عاد إلى مصر عام 2010م بعد أن تعرض لعدة ضغوط من بعض الشباب الساعي نحو التغيير، فاستجاب لرغبة الشباب، الذين استقبلوه في مطار القاهرة استقبالا حافلا، حيث شرع في تكوين "الجمعية الوطنية للتغيير" في فبراير 2010م، وهي تجّمع من مختلف أطياف المجتمع المصري على اختلاف توجههم الإيديولوجي -من أقصي اليمين إلى أقصى اليسار- وضم مثقفين وسياسيين وأدباء وصحفيين وفنانين مصريين، وبعض الحركات والتيارات السياسية كــــ "الاشتراكيين الثوريين، وحركة 6 أبريل، وجماعة الإخوان المسلمين، وبعض الأحزاب السياسية كـــ "الوفد، والغد، والجبهة الديمقراطية وغيرها، بالإضافة إلى بعض الشخصيات العامة كــ "المستشار محمود الخضيري، وجميلة إسماعيل، وعلاء الأسواني، وعلى بدرخان وغيرهم.

وسعت الجمعية للتغيير عن طريق جمع مليون توقيع على "وثيقة التغيير" أو "وثيقة المطالب السبع"، والتي تضمنت سبعة مطالب هي[ii]:

  1.    إنهاء حالة الطوارئ.
  2.    تمكين القضاء المصري من الرقابة الكاملة على العملية الانتخابية برمتها.
  3.    إشراف من قبل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي على العملية الانتخابية.
  4.    توفير فرص متكافئة في وسائل الإعلام لجميع المرشحين وخاصة في الانتخابات الرئاسية.
  5.    تمكين المصريين في الخارج من ممارسة حقهم في التصويت بالسفارات والقنصليات المصرية.
  6.    كفالة حق الترشح في الانتخابات الرئاسية دون قيود تعسفية اتساقاً مع التزامات مصر طبقاً للاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، وقصر حق الترشح للرئاسة على فترتين.
  7.    الانتخابات عن طريق الرقم القومي.

لم يقف النظام السابق مكتوف الأيدي أمام تحركات "البرادعي" ، وأمام رغبة الشباب الجامحة في التغيير، والالتفاف حول رمز متمثل في شخص "محمد البرادعي"، فسعى نظام ما قبل ثورة 25 يناير، بكل ما أوتي من قوة إلى تشويه صورة الرجل أمام الرأي العام بكافة الصور والأشكال، فعمد إلى الاساءة له ولأسرته، بنشر مجموعة صور خاصة له ولعائلته، داخل منزل العائلة، وفي بعض المناسبات المختلفة، مما دفع البعض لانتقاده هو باعتباره يمارس وأسرته عادات وتقاليد تختلف عن العادات والتقاليد المصرية، أو بمعنى أدق: لا يحترم عادات وتقاليد الناس في بلده.

ثم كانت الخطوة التالية في حملة التشويه المتعمدة، وهي الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي، لما لها من تأثير فعّال في الأوساط الشبابية، فتم إنشاء صفحة على الفيس بوك ادعت مؤسستها أنها صديقة مقربة لعائلة "البرادعي"، واتهمت العائلة بشكل واضح بالإلحاد وأن ابنته "ليلي" متزوجة من "مسيحي"، وفي مفارقة غريبة أقدمت صاحبة الصفحة على نشر صور للرئيس مبارك أثناء أداءه للعمرة، وكذلك زيارته للقبر النبوي الشريف، كنوع من المقارنة بين "مبارك" و "البرادعي".

وفي مواجهة تلك الاتهامات والتشويه المتعمد قام عدد من الشباب المؤيد "للبرادعي" بتدشين صفحات مضادة من أجل الدفاع عنه، بعنوان: "الرد على الاساءة لعائله البرادعي"، قال منشئوها: "إلى كل مزور ومنافق لا تقول ما لا تعرف لأننا كشعب مثقف نعرف من وراء التشهير بعائلة البرادعي، ونحن وكل شريف كلنا عائلة البرادعي"[iii]. ووجه أعضاء الصفحات المدافعة عن البرادعي "أصابع الاتهام" إلى الأجهزة الأمنية بأنها هي التي تقف وراء هذه الحملة على البرادعي؛ من أجل هز صورته وتشويهها أمام الرأي العام، وبعد شعوره بالإهانة في بلاده، ومروره بحالة نفسية سيئة، غادر البلاد متوجهًا إلى "فيينا" ووفق ما قاله، وذكره المكتب الإعلامي لحملته بأنه: قد توجه للمجتمع الدولي من أجل عرض قضية مصر، وما يتعرض له المصريون من قمع للحريات.

وبعد ثلاثة أيام من قيام ثورة 25 يناير2011م، وفي يوم الجمعة الموافق  28 يناير المسمى "إعلاميا" بيوم "جمعة الغضب" عاد البرادعي إلى أرض الوطن، وانضم إلى المتظاهرين في ميدان التحرير، وعقب سقوط نظام مبارك أعلن نيته الترشح لرئاسة الجمهورية قبل أن يتراجع في 14 يناير 2012م، بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية في مصر.

ثم عاد وشارك في الحياة السياسية بتأسيس حزب الدستور، ثم انضم إلى "جبهة الإنقاذ" التي تكونت عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره  الرئيس المصري السابق "محمد مرسي" وذلك في نوفمبر 2012م، واختارت الجبهة "محمد البرادعي"؛ لتمثيلها في اجتماع 3يوليو، والذى أعلن فيه وزير الدفاع المصري وقتها الفريق"عبدالفتاح السيسي"، عزل "مرسى"، والإعلان عن خارطة الطريق لمرحلة ما بعد "الإخوان". 

ثم كان من أبرز المرشحين لتولي منصب رئيس الوزراء، بعد إقالة حكومة "هشام قنديل"، حتى أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور في 9 يوليو 2013م قرارًا جمهوريًا بتعيين "البرادعي" نائبًا لرئيس الجمهورية للعلاقات الخارجية. وأصبح البرادعي بعد ذلك جزءًا من المشهد السياسي، إلى أن تقدم في 14 أغسطس 2013م باستقالته من منصبه احتجاجًا على فض اعتصامات مؤيدي مرسي بالقوة في ميداني -"النهضة، ورابعة"- وظهرت دعوات تطالب بسحب الجنسية منه ردًا على موقفه، ثم غادر البلاد متوجهًا إلى فيينا، ولم يعد منذ ذلك الحين إلى القاهرة، إلى يومنا هذا.

المواقف الدولية:

العراق

 كان "البرادعي" من أبرز المتهمين الذين اتهموا بتسهيل غزو الولايات المتحدة للعراق، ففي عام 2002م استدعت "الوكالة الدولية للطاقة الذرية "هانز بلكس" من تقاعده ليشارك البرادعي، ووفد من الأمم المتحدة بعثة تفتيش داخل العراق، وكانت النتيجة التي أُعلنت بشكل رسمي أمام الأمم المتحدة يوم 7 مارس 2003م، بشكل واضح للجميع وأمام المجتمع الدولي: بأنهم لم يجدو أسلحة دمار شامل بالعراق، ولكن ذلك لم يكن كافيًا أو مانعًا لغزو العراق فيمارس 2003م، وظل البرادعي والوكالة متهمين ! وعندما سئل البرادعي عن هذا اليوم قال: "إنه أسوأ أيام حياتي"[iv].

ليبيا

   فور إعلان ليبيا في أواخر عام 2003م، اعتزامها التخلي عن كافة برامج أسلحة الدمار الشامل، أكدت واشنطن أنها ستتولى الإشراف على تلك المهمة، إلا أن البرادعي أصر على أن هذا الأمر من صميم عمل الوكالة، وقام بزيارة إلي ليبيا واتفق مع المسئولين الليبيين على ترتيبات تنفيذ تلك المهمة، وبالفعل أشرفت الوكالة على تدمير أسلحة الدمار الشامل في ليبيا في بداية عام 2004م. وفي نهاية مهمته نجح في إقناع ليبيا بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي الذي يتيح عمليات تفتيش مفاجئة على مواقعها النووية، وهو ما نفذته ليبيا.

إسرائيل

أثارت زيارة "البرادعي" لإسرائيل في 2004م الكثير من اللغط والتساؤلات والعديد من الاتهامات في الأوساط العربية، وأكد البرادعي أن الزيارة كانت من أجل إقناع إسرائيل بالاعتراف بأنها تمتلك سلاح نووي كخطوة أولي لانتزاعه، ومحاولة منه لإقناع المسؤولين هناك بأن إسرائيل ستصبح أكثر أمنا بعد نزع السلاح منها. جدير بالذكر أن إسرائيل واحدة من دول ثلاث مع الهند وباكستان لم توقع على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي.

إيران

وإذا كان الرأي العام العربي قد اتهم البرادعي بأنه سبب في غزو العراق، فإنه اتهم من إسرائيل في تصريح رسمي للحكومة الإسرائيلية بأنه كان عميلا لإيران خلال فترة عمله بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأنه لم يقدم تقريرًا واحدًا يدين البرنامج النووي الإيراني ! حيث تصاعدت وتيرة الاتهامات الإسرائيلية له بالانحياز لإيران بعد الزيارة الرسمية التي قام بها لطهران 2008م، والتي صرح بعدها أنه لم ير دليلا على برنامج نووي نشط في إيران، مؤكدًا أن القضية النووية مع إيران يمكن تسويتها فقط عبر المفاوضات، وهو ما تم بعد سبع سنوات من دعوة البرادعي بين أمريكا وإيران في 2015م. 

ونظرًا لمكانته العالمية، ومساعيه الجادة نحو تحقيق  السلم والسلام العالمي، حصل "محمد البرادعي" على العديد من الأوسمة والجوائز العالمية، أهمها:

جائزة نوبل: نال محمد البرادعي أرفع جائزة عالمية، وهي جائزة "نوبل" للسلام مناصفة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أكتوبر 2005م، وذلك اعترافًا بالجهود المبذولة من جانبهما لاحتواء انتشار الأسلحة النووية.

جائزة "موستار" للسلام العالمي، من مركز موستار للسلام، والتعاون بين الإثنيات في 2007م.

بالإضافة للعديد من الشهادات الفخرية في مجالات مختلفة منها:

الدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، سنة 2004م.

الدكتوراه الفخرية من جامعة بوخارست البوليتكنيك برومانيا، سنة 2009م.

وتقلد من مصر: وشاح (قلادة) النيل من الطبقة العليا، وهو يعتبر أعلى تكريم مدني من الحكومة المصرية.

وما بين مؤيد ومعارض ترك البرادعي مصر مسافرا إلى النمسا، في رحلة أعلن مكتبه الاعلامي أنها مجرد زيارة عائلية وسيعود بعدها للقاهرة قريبًا، ولكن بدا السفر للجميع كأنه بلا عودة فمر على سفره عامان ولم يعد !! ورغم انطفاء الاضواء عنه، لازال متابعيه ينتظرونه كل فترة في اطلالة عبر موقع التواصل الاجتماعي"تويتر" ؛ يعبر فيها عن رأيه في بعض القضايا التي تشغل الرأي العام داخليًا وخارجيًا. ومع كل "تويتة" له تنشط حملات المعارضة والتأييد.

وهو الآن ما بين محاضر في جامعات عالمية، أو ضيف شرف في الكثير من المؤتمرات والندوات المهتمة بالسلام.

                                                           

[i]-  (موقع جريدة الرياض) فوز البرادعي ووكالة الطاقة الذرية بجائزة نوبل.

http://www.alriyadh.com/99289

(انظر أيضا) شبكة رمضان للأخبار، نوبل والبرادعي، شهادة نجاح، رغم العواصف.

http://www.ramadan2.com/nobel.html

[ii]- (موقع النهار) البرادعي للمصريين: إذا لم تشاركوا اليوم فلا تشكوا غدًا، 17/4/2010م

http://www.alnaharegypt.com/t~3140  

[iii]- موقع مصراوي: حقيقة بنت البرادعي بالصور وأنها ملحدة.

http://www.masrawy.com/ketabat/ArticlesDetails.aspx?AID=146302

[iv]- البرادعي لصحيفة لوس أنجلوس تايمز : يوم احتلال العراق أسوأ يوم في حياتي.

- U.N. Nuclear Monitor Wins Nobel Peace Prize. 8/10/2005.

http://articles.latimes.com/2005/oct/08/world/fg-peace8  

التعليقات السابقة

to walaa

maya marwa
19 اكتوبر 2015‎

المقال تحفه ياولاء بالتوفيق دايما يارب اسلوبك روعة معلومات قيمة ادبيات تحترم. برافو ولاء من حسن الي احسن دايما يارب

المتهم البيء

متابع
20 اكتوبر 2015‎

البرادعي شخصية مثيرة للجدل، صانعة للتاريخ، هو المتهم البريء، والسياسي المتسق مع ذاته، الموضوع بانورامى رشيق ومحدد المعالم بموضوعية منهجية ،،

راجل محترم رغم انف الحاقدين

ا
21 اكتوبر 2015‎

رجل ممحترم رغم انف االحاقدين

الحقيقة

نجيب امين
21 اكتوبر 2015‎

لو كان استقال اعتراضا على بنود كامل ديفيد.. لماذا التحق بالأمم المتحدة التى هى اكبر مساند لإسرائيل والتى تعطي الفيتو صد المساواة امام انتهاكاتها...التحق بوكالة الطاقة وفشل فشل ذريع في ان بجعل اسرائيل تعترف بملكيتها للقنبلة الذرية (زارها علشان حاول يقنعها) ولكنه لم يستقيل عندما كذبت أمريكا وحطمت العراق... بل بقى في منصبه يتفرج على المذبحة. ولم يستقيل ... والحدق يفهم ..

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق