محمد الطالبي.. "المفكر الحر" يوارى الثرى
04 مايو 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

غيب الموت المؤرخ والمفكر التونسي محمد الطالبي، بعد رحلة في البحث والتأليف والتدريس استمرت قرابة ستين عاما من العطاء.

وأعلنت وزارة الشؤون الثقافية في بيان لها، الإثنين 1 مايو (أيار) 2017 وفاته وأصدرت نعيا جاء فيه: "تنعى وزارة الشؤون الثقافية بكل حسرة وأسى العلامة والمؤرخ والجامعي والمفكر والعميد محمد الطالبي الذي غادرنا اليوم الإثنين. يعتبر الفقيد أحد أعمدة الفكر في تونس. وهو ينتمي إلى الجيل الذي أسس الجامعة التونسية الحديثة".

وتابعت: "اليوم نودع قطباً من أقطاب تونس.. اليوم نودع ذالك العلامة الذي قال إنّ "ديني الحرية".. اليوم نودع مفكراً عظيماً يُفكّر ويطرحُ آراءه بجرأة ولا يُطلق أبداً فتاوى، ولا يُلزم أحدا بآرائه.. اليوم نودع العميد والعالم والأستاذ والمناضل.. اليوم نودع مجدداً كبيراً للفكر الديني".

من جهتها نعت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الفقيد في بيان مطول أمضاه الوزير سليم خلبوص جاء فيه: "نودع اليوم الأستاذ بامتياز بجامعة تونس، المؤرخ، المفكر المعاصر، الباحث والعالم البارز في الدراسات الإسلامية، الدكتور محمد الطالبي. نشيع اليوم في أسى ولوعة الجامعي والمثقف التونسي المتميز، العميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس الأستاذ محمد الطالبي إلى مثواه الأخير، فصبراً جميلاً لعائلته وزملائه وطلبته وأصدقائه وللأسرة الجامعية بأكملها. نودع اليوم في محمد الطالبي رجلاً من أبرز من ساهموا في الحوار بين الأديان والحضارات".

وأضاف خواص في نعيه: " لم يكتف محمد الطالبي بالبحث والتأليف لحلقة ضيقة من الأخصائيين والجامعيين. بل كتب أيضا تحاليل مبسطة لعامة الناس، دعا فيها إلى مراجعة الخطاب الديني والرجوع إلى روح الرسالة الدينية الأصلية وإلى الابتعاد عن المذاهب المشبوهة والقراءات المزيفة للمراجع الإسلامية. لم يتوقف الطالبي عند التأليف والبحث بل ناضل ضد القمع والدكتاتورية ضمن المجلس الوطني للحريات وعديد المنظمات الحقوقية. وقد كان فقيدنا رحمه الله ملتزماً بخدمة وطنه والجامعة التونسية منذ عين بها ومن مختلف المواقع والمسؤوليات التي اضطلع بها فقد شغل الفقيد العديد من الوظائف الجامعية والأكاديمية والثقافية من عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، إلى رئاسة جامعة تونس بالإضافة إلى توليه رئاسة اللجنة الثقافية الوطنية والأكاديمية التونسية للعلوم والآداب والفنون. وقد كان في هذه المهام كلها يكشف عن حس رفيع بالمسؤولية وشعور بالواجب فيطوّر الموجود وينشد الإصلاح والتجديد إيماناً منه بأن التعليم والتربية سبيل البلاد للتقدم والتنوير والتحديث. سيذكر التاريخ البصمة المتميزة التي تركها من كان رمزاً جسّد، طوال مسيرته الثرية، العالم الكوني المعاصر".

وتصدر خبر وفاته وسائل الإعلام العالمية، إذ كتبت جريدة "لو موند" الفرنسية: "المؤرخ والمفكر الوتنسي محمد الطالبي مات.. توفي المؤرخ الذي قاوم الظلامية الدينية على مدى عشريات في سن 95".

وكتبت جريدة "لا كروا": كان الطالبي، المؤمن إيماناً عميقاً، يقاوم ضروب الإسلام المتشدد، على امتداد أكثر من نصف قرن، داعياً إلى نظرة متجددة للفكر الإسلامي".

من جهتها كتبت مجلة "جون أفريك": "خصص جزءاً من أعماله للحوار بين الأديان وبين الثقافات، وركز كتبه الثلاثين حول مقاربة للإسلام تتأسس على القرآن. كلفته مواقفه عديد التهديدات بالقتل".

وقال عميد كلية الآداب بسوسة، والباحث في الفكر الإسلامي، الأستاذ المنصف بن عبد الجليل في شهادة مطولة خصّ بها "ذوات": "تفقد الجامعة التونسيّة بوفاة محمد الطالبي أحد أساتذتها المؤسّسين وباحثيها في الدراسات العربيّة والتاريخيّة المرموقين. وهو من ذاك الجيل الأوّل الذي يضمّ الشاذلي بويحي، وأحمد عبد السلام، وفرحات الدشراوي، وعبد القادر المهيري، ومحمد السويسي، ومحمد عبد السلام، وإلى هذا الجيل نفسه ينتمي المؤرّخ هشام جعيّط عافاه الله وأطال في أنفاسه. والعارف بالجامعة التونسيّة يدرك تمام الإدراك أثر هذه الكوكبة من أساتذة البحث العلمي في الآداب والعلوم الإنسانيّة مساهمتها في أن بناء مدرسة فكريّة تفتخر بها الجامعة التونسيّة، وتسير الأجيال على خطاها، رغم ما طرأ من الهزّات والأزمات. ولا شكّ في أنّ محمد الطالبي قد كان جزءاً متيناً من تلك المدرسة بما صنّف عن الأغالبة، وكتب عموما عن قضايا الفكر الإسلامي الوسيط. ولم يختصّ الطالبي بذاك الحدّ المعرفي، بل تجاوزه إلى الفكر الإسلامي المعاصر، وطرح مسائل معقّدة تدور كلّها حول رهان الحداثة وتجديد الفكر الدينيّ، وصاغ نظريّة قدّمها في محاضرات كثيرة كان لي الشرف أن دعوته إلى إلقاء إحداها بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بسوسة، في آخر التسعينيّات. ونظريّة الطالبي الموسومة بالمقاربة السهميّة، تنتفع جليّاً ممّا فصّل فضل الرحمان المفكّر الباكستاني في كتابه "الإسلام والحداثة"، عمّا سمّاه بمنهج الحركة المزدوجة (The Double-movement approach)، وهي النظريّة التي استثمرها المفكّر الأندونيسي نور خالص مجيد وطبّقها على قضايا الفكر الإسلامي في أندونيسيا بحثاً منه عن تجديده بما يناسب مسائل الحداثة والتعدّديّة الدينيّة والفكريّة".

وتابع الأستاذ المنصف بن عبد الجليل: "محمد الطالبي هو أحد أركان هذا الجيل من المجدّدين، يعلم علم اليقين تاريخ الإسلام الوسيط في صيغة تأويليّة نقديّة، ومنه يشتقّ تاريخ إفريقيّة وكلّ ما عرفته البلاد وسكّانها من طوارئ الأحداث والقضايا التي تداول العلماء على النظر فيها، والطالبي بهذه الخلاصة العجيبة يواجه قضايا الفكر الإسلامي المعاصرة ليقترح فيها ومع غيره آفاقا جديدة ترمي إلى تحقيق الحداثة. وقد جالست محمد الطالبي كثيرا ضمن فريق يضمّ محمد عبد السلام، وفرحات الدشراوي، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم، للنظر في تجديد الدراسات الإسلاميّة والدينيّة، وقد كان أشدّ الناس دفاعا عن رؤية يلامس فيه التجديد الفكري المحافظة على ثوابت الاعتقاد، وإن كان ذلك مؤدّيا إلى شيء من الروحانيّة التي قد تتطوّر يوما إلى عشق الذات الإلهيّة. وهو لهذا كلّه كان شرسا في مواجهة التشدّد الديني، على قدر شراسته في نقض العلمانيّة حتى وصف أصحابها بـ"الانسلاخ-إسلاميين"، عبارة كانت مدار نقاشنا له كلّما اجتمعنا، وهو مصرّ على استعمالها. وقد أشرف محمد الطالبي على الكثير من الطلبة، ومنهم المرحوم البشير المخيني، فقد كان يختصّه بمودّة عميقة. وأطلعني المرحوم البشير المخينيني على درس تامّ الصياغة والعبارة قدّمه محمد الطالبي عن المعرّي، ولم أتمالك عن قراءته مرارا وكنّا نتفحّصه وكأنّه من فصوص الحكمة التي لم يسبق الطالبي إليها. وحسب درس الطالبي عن المعرّي أن يكون بأيدي طلبته مثل حمّادي صمّود، أو جان فونتان، ليعرفه الناس، إن كانت الرغبة في ذلك. رحم الله محمد الطالبي فقد طبع عصره، ووسم جيله، وطاول العبث فغالبه".

 والأستاذ الطالبي مولود في تونس العاصمة سنة 1921. درس بالمدرسة الصادقية ثم بجامعة السوربون بباريس حيث حصل على شهادة الدكتوراه بحث عن الدولة الأغلبية، وهو واحد من مؤسسي الجامعة التونسية فجر الاستقلال، وأول عميد لكلية الآداب في جامعة تونس في عام 1955. وقد التحق بالجامعة التونسية حيث درّس التاريخ الإسلامي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتونس، قبل أن يشغل منصب عميد لنفس الكلية في عام السبعينات. وتولى في الثمانينات رئاسة اللجنة الثقافية الوطنية. وانضم إلى المجلس الوطني للحريات في تونس في عام 1995.

تولى رئاسة بيت الحكمة بقرطاج (المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون) عام 2011. وأسس الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيين عام 2012.

ألّف الراحل محمد الطالبي، على امتداد ستة عقود، ما يناهز ثلاثين كتاباً، بلغات عدة أهمها العربية والفرنسية والإنجليزية، ما يترجم مسيرته الأكاديميّة وتجسيد ثرائه الفكري. نال العديد من الجوائز والأوسمة الثقافيّة والفخرية مثل التي حظي بها الطالبي في معظم العواصم الأوروبية الكبرى مثل فرنسا وأسبانيا وإيطاليا وألمانيا والسويد.

من أبرز مؤلفاته: "عيال الله" و"أمة الوسط" و"ليطمئن قلبي و"كونية القرآن" والإسلام: حرية وحوار" و"مرافعة من أجل إسلام معاصر" و"ديني هو الحرية"..

يذكر أنه تم تشييع جثمان الراحل إلى مقبرة الجلاّز في العاصمة تونس في موكب حضره وزير الشؤون الثقافية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي التونسيين، بالإضافة إلى شخصيات سياسية وفكرية هامة.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق