محمود المسعدي ثورة الأدب وأدب الثورة
25 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

* مبروكة علي

يُعد الكاتب والروائي التونسي محمود المسعدي، حالة خاصة، لا لمكانته العلمية المهنية، وإنّما على مستوى الكتابة وغاياتها ومشاغلها ليسَ في تونس فحسب، بل وعالميا، هذه الخصوصية جعلت عميد الأدب العربي المعروف بصرامته، طه حسين، يُقّرُ بأنه احتاج قراءتين ليفهمَ مسرحية "السد" كإشارة دقيقة إلى اشتغال المسعدي، وقوة الكتابة لديه في المعنى والمبنى على حدّ سواء، كما مثّلت كتابات المسعدي المعضلة الكبرى لكل من مر بأقسام (البكلوريا/ آداب) في تونس، خصوصا ضمن أثريه "السد"، و"حدث أبو هريرة قال"، لما كان للكتابين من مفاتيح ومجاهيلَ، تستوجبُ قارئاً جيداً ومسؤولاً بالضرورة.

يُعد الكاتب والروائي التونسي محمود المسعدي، حالة خاصة، لا لمكانته العلمية المهنية، وإنّما على مستوى الكتابة وغاياتها ومشاغلها 

المتأمل في كتابات المسعدي (28 يناير (كانون الثاني) 1911/ 16 ديسمبر/ كانون الأول 2004)، سواء مقالاته أو آثاره الأدبية، لا يمكن أن يفوته أن كتابات الرجل ثورية وبامتياز، ليس على مستوى المعاني والدلالات وما حملت من رسائل واضحة أو مشفّرة، ولكن حتى على مستوى اللغة، وهو ما يؤكده الكاتب نفسه في مقدمة كتاب "القاموس الجديد الألفبائي حين قال: "وإنِّي لا أَعْرِفُ لُغَة قاسَتْ ما قَاسَتْهُ الْعَربيّة من عُقُوقِ أهلِهَا بِهَا، بالرّغم عن أنّهم- أو قُلْ من أجل أنّهم، لِفَرْطِ حُبِّهم لها - وإنَّ بعضَ الحبِّ لبَلِيَّةٌ - قد نَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ "قُدُسِيَّة" ليست من طبعِها ولاَ لها طاقَةٌ بها. فقد أرادها بعضهم في القديم "كائنا أزلِيّا" ولم يَتَحَاشَوْا في نِسْبَتِهَا إِلَى اللَّهِ وغَالَوْا في ذلك حتّى تخاصموا في قِدَمِ القرآن وخَلْقِهِ خُصُومَة أَزْرَتْ في عهدِهَا بعلماءَ جِلَّةٍ أَعْلاَمٍ". يظهرُ في المقبوس القدرة على الصنعةِ اللغوية وفي الوقت ذاته مزاوجة ذلك بالفكرة.

الكتابة خلق أو لا تكون

تتميز كتابات المسعدي بالإيجاز والعمق، وهو ما يُسمّى بالضربة، حيث يتم النص بأقل الكلمات المكثفة والمكتنزة بالرموز والدلالات في عمليةِ صهر للمجاز بالوضوح الذي تفترضه المعاني والمرامي المبطنة للرسالة، هذا الأمر هو ما يمنح نص المسعدي ضروبا متعددة من التأويل، ويوفر للقارئ مساحات واسعة من التفكير والتأمل، ولعلنا هاهنا نستطيع أن نتبين إشكالية اللغة ووفرة مجازاتها والأماكن القصية التي تصلها.

اقتصرت مسيرة المسعدي الأدبية على أربعة كتب، تحمّلّت مقولته ومعرفته ووعيه بالحياة، وكذلك أسئلتهُ المتعلقة بنفسه وقارئه وجميع الأشياء المحيطة بهما، وتعتبر جزءاً من التجربة ورافدا لها، (كتاب "حدث أبو هريرة قال" المنجر عام 1939 والمطبوع كاملا عام 1973، والصادرة ترجمته للألمانية في عام 2009، وكتاب "السدّ" المنجر عام 1940، والمطبوع كاملا في عام 1955، وقد صدرت ترجمته الألمانية في عام 2008، وكتاب "مولد النسيان" المنشور عام 1945، وقد ترجم إلى الفرنسية والهولندية والألمانية.. تأصيلا للكيان الذي جمع فيه شتات كتاباته الأدبية / كتاب "من أيام عمران" نشر بالألمانية في عام 2012)، هذا إضافة إلى مجموعة من المقالات المنجزة في الصحافة التونسية، وفي مجلة "الحياة التونسية" التي قام هو بتأسيسها.

و على الرغم من هذه الندرة الإنتاجية لدى الكاتب، فإن كتاباته مازالت تحير الدارسين، وتسيل حبر أقلام النقاد، وتمثل مجالا للبحث والدراسة، سواءً على مستوى اللغة أو الدلالات وأهداف النص.لقد سعى الكاتب في سبيل تشذيب اللغة، وإزالة كل ما يمكن أن يعيق القارئ والنص معا، وهذا السعي جاء من منطلق إيمانه بهذه اللغة وقدرتها على البوح حتى في أقلها. وهنا،لا بد أن نتساءل: من أين جاءت لغة المسعدي؟ وكيف جاءت؟

ولد محمود المسعدي زمن الاستعمار، حيث كان التعليم يقوم على الثقافة الفرنسية، وبالتوازي كان التعليم القرآني حاضرا. أكمل دراسته الجامعية بباريس ليعود إلى تونس بعد أن درس اللغة العربية وآدابها في جامعة السوربون منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، لينتقل إلى التدريس في تونس وفرنسا أيضا.

هذه المعركة الإيمانية بالإنسان وبضرورة التغيير والثورة، خاضها المسعدي في كتابه الأشهر "السد"

هذا المزيج منح المسعدي معرفة بالتراث الفكري والأدبي والثقافي في الحضارة العربية الإسلامية، وانفتاحا على ثقافات العالم وحضاراته، ليجمع بين ثقافته العربية الإسلامية الأصلية، وبين آداب أوروبا، وفكرها وفنها، ومزج بينهما مزجاً واعيا وهادفا.هذا المزيج الفريد يتلاقى وواقع الكاتب؛ أي معايشته للاحتلال الفرنسي لتونس، ما دفع الكاتب إلى الانخراط في العمل السياسي، كما ولد لديه رغبة في بناء ثقافة تونسية عربية إسلامية منفتحة على جلّ الثقافات والحضارات الأخرى.

لقد جاءت لغة المسعدي إذن، نتيجة إيمانه بلغته الأصيلة وخوفا من محاولات التغريب التي كانت تشهدها تونس زمن الاستعمار، وهو خوف طبيعي، إذا ما عرفنا أن التعليم في ذاك الوقت يعتمد على اللغة الفرنسية مثلا.

السد وتغيير الواقع الموروث

هذه المعركة الإيمانية بالإنسان وبضرورة التغيير والثورة، خاضها المسعدي في كتابه الأشهر "السد"، إذ إنها معركة كل الذين "يرومون تغيير الواقع الموروث" ضد "قوى الظلمات" بهدف "خلق واقع جديد".

تتميز مسرحية "السد" بطابعها الذهني، كما أن أبطالها ليسوا جميعا من البشر؛ فالإضافة إلى غيلان وميمونة، نجد بغلا لهما وذئبا ذا عواء، ووادا، وجبلا، وأطيافا وهواتف، على ألا ننسى ميارى وهي خيال. غيلان وميمونة هما عمودي العمل، ورؤيتيه المتناقضتين (ثورة غيلان وإيمانه بما يطمح إليه، يقابلها تسليم ميمونة بالهزيمة، حيث ترى في عمل غيلان مجرد عبث). ومقابل ميمونة نجد ميارى التي أوجدها المسعدي لتمثل الحس والخيال المشجع لغيلان، كما نجد في المسرحية باقي الإطار الكوني لهذا الحلم الغريب "السدّ"؛ فغيلان الذي ضاق ذرعا بأحكام صاهباء المتحكمة بعقول الكائنات، يعي أن ماء الحياة لا بد له من سد يحفظه للفوز. ومع أن ميمونة شاركته الحلم في البداية، إلا أنها سرعان ما شعرت باليأس، فالملل والعبث، ورغم هذا التخلي عن ميمونة، ظل غيلان يعمل بجهد لبناء السد واجدا في ميارى وما ترمز له من لذة وحسية وتفاؤل متسرع، أملا في النجاح، لكن السد ما أن يرتفع حتى يشهق البغل ويصيح رعبا، مع أنه مربوط فلا يفيد ولا يغير من الواقع شيئا. أما الأرض، فتغور إلى ما لا نهاية، ولا يلوح في الأفق ما يمكن أن يسعف طموح غيلان في استئناف بناء السد، مع أنه كان يردد منذ البداية أنه ما دام الجهد قائما، وما دام العزم شديدا؛ فإنه لا يبالي، ولكن ثلاث حجرات تنفتح على المجهول، ينطقها المسعدي وتدلي كل منها بشهادة تؤكد العدم واللاجدوى من هذا الجهد المبذول، ليقف غيلان بين ميمونة التي تمثل الشك والحيرة، وميارى التي تمثل رغبة غير اللامحدود بما يعزز حلمه، فلا يقول غيلان كلمته الأخيرة ليبقى الأمل قائما بإتمام حلمه الذي بدأه، والذي سيشاركه إياه حتما القارئ ضمن عملية القراءة- وتلك ميزة أخرى تنضاف لنص المسعدي- وهي قدرته على سحب القارئ لداخل النص.

لعل كتابه الأول "حدث أبو هريرة قال" تجسيد كامل للسعي نحو التغير الاجتماعي والثقافي، وبناء لوجود إنساني فاعل 

ثمة صراعات ضمنية يسوق النص - وكتابات المسعدي إجمالا- بين الثورة واللاثورة، العقل والتسليم المعرفي بكل ما سبق والإيمان واللا إيمان، وهو أن الإيمان ليس دينا بقدر ما هو الإيمان، بالفعل مع الدين يحضر وبصورة جلية في كتابات المسعدي، ولكنه ليس من قبيل التسليم المطلق، المسعدي يدرك جديا أن للكون خالقا، ولكنه يدرك أكثر أن الوجود الإنساني ليس عبثا، وأنه ليس مستوفيا، وأن هذا الاستيفاء يأتي عن طريق الفعل، لا يمكن أن تستمر الحياة والإنسان يصرفها (كما فعل غيلان)، ويبقى واللقاء هاهنا ليس من قبيل الخلود، ولكنه من قبيل الاستمرارية الكونية إجمالا.

نص معبأ بالرمزية والدلالات، متنوع ومتداخل على مستوى أبنية الكتابة (شعرا / حوار/ شذرات/..) "قصة تمثيلية.. غريبة كل الغرابة كتبها صاحبها الأديب الأستاذ محمود المسعدي لتقرأ لا لتمثّل، ولتقرأ قراءة فيها كثير من التفكير والتدبير والاحتياج إلى المعاودة والتكرار، وحسبك أنّي قرأتها مرّتين ثمّ احتجت إلى أن أعيد النظر فيها قبل أن أملي هذا الحديث، وهي بالأدب الجدّ عسير، أشبه منها بأيّ شيء آخر، وضع فيها قلبه كلّه وعقله كلّه وبراعته الفنّية، وإتقانه الممتاز للّغة العربية ذات الأسلوب السّاحر النّضر والألفاظ المتخيّرة المنتقاة، وقصد بها إلى إثارة التفكير الفلسفي لا إلى التسلية والتّلهية، ولا إلى الإمتاع السّهل والإثارة اليسيرة، بل إلى تعمّق الحياة والفقه بها والنفوذ إلى ما ورائها.

وقد تستطيع أن تقول إنّها قصّة فلسفية كأعمق وأدقّ ما تكون الفلسفة، وتستطيع كذلك أن تقول إنّها قصّة شعرية كأروع وأبرع ما يكون الشعر، ولا غرابة في ذلك، فما أكثر ما يلتقي الشعر والفلسفة، والمثقّفون جميعا يعرفون أنّ آثار أفلاطون لم تخلص للفلسفة وحدها، ولم تخلص للشعر وحده، وإنّما التقى فيها تفكير العقل وتدبّره وتوثّب الخيال وتساميه، فارتفعت بذلك إلى مرتبة من العلوّ، قلّ أن يظفر بها شعر شاعر أو فلسفة فيلسوف" كما قال الأديب الكاتب طه حسين.

حدث أبو هريرة والبحث عن ماهية الإنسان

ولعل كتابه الأول "حدث أبو هريرة قال" (أنجز عام 1939 وطبع كاملا سنة 1973) تجسيد كامل للسعي نحو التغير الاجتماعي والثقافي، وبناء لوجود إنساني فاعل ورؤية فلسفية ضاربة في عمق الثقافة العربية الإسلامية ومنفتحة على التجارب والثقافات والفلسفات الوجودية الغربية.

من خلال أربع تجارب: (تجربة الحسّ/ تجربة العدد/ تجربة الدين/ تجربة الحكمة)، يقودنا المسعدي مع بطل أبو هريرة داخل البحث الإنساني لماهية وجوده، أو هريرة الإنسان العادي الذي كان يحيا حياة عادية منسجما مع "قطيع" البشر اللذين يحيا معهم يؤدي صلاته مع اللذين يؤدونها، دعاه مرة صديق له للاحتفال وتجربة لون آخر من الحياة (تجربة الحس)، وغير بعيد عن مكة في صحرائها تفاجأ بجسدين عاريين يعبدان إلها آخر غير الذي يعرفه أبو هريرة، في هذه التجربة يبدو البطل مستمتعا خصوصا أنه وجد لحواسه مهامها الأصيلة (اللمس/ الشم/ البصر /السمع)، التجربة وفرت لأبي هريرة متعة حسية لامتناهية ولكنها في المقابل لم تملأ روحه.

جعل المسعدي لحياة الإنسان طريقا طويلا من البحث والسؤال والثورة والإيمان، ونادى بالثورة دينا وفكرا وثقافة

لقد نقل المسعدي رؤيته الفلسفية للجسد من خلال بطله أبو هريرة؛ فعلى الرغم من أن الجسد عنصر قائم وحاجياته أمر لا يمكن إنكاره، إلا أننا لا يمكن أن نختصر الوجود الإنساني في (الجسد)، وهو بذلك ينتقد "عبدة الجسد" الذين يهملون ماهيات وجودهم الأخرى، ويصرفون حياتهم على العبث، وفي الوقت ذاته ينتقد الذين ينكرون أجسادهم ويهملونها، متنكرين لما وضعنا عليه الله.

هذا الأمر نتبينه أكثر في تجربة الجماعة، والتي جاءت نتيجة تجربة الحسّ، ووردت ضمن سبعة أحاديث، حيث يتيقن أبو هريرة أن حياة الإنسان لا يمكن أن تختصر على اللذة الصرفة، وأن هناك ما هو أعمق من الجسد، لذا بدأ رحلته في محاولة لفهم الحياة ورفض حصر نفسه في فردانيته "إنه يا كهلان إذا كره المرء الحصر والقصر، طلب كثرة اليم واشتاق إلى العدد". هداية أبو هريرة التي كان من نتائجها تضحيات عظيمة لم تدم طويلا، فعلى الرغم من امتلائه الروحي وسكرة نفسه، إلا أن أمله قد خاب في الجماعة، وذهب هباءً، وهو ما جعله يائسا من الإنسان؛ فما أن ترك جماعته حتى عادوا لقتالهم وتناحرهم وحقارتهم "دعوني يا أوضع من وهاد، يا أضعف من عباد، يا أحقر من بعوضة يا بني الإنسان".

ادعى أبو هريرة أنه عدو للفردانية، وأعلن انتماءه للجماعة، لكنه في المقابل مارس استبداده - جميع الأفعال وردت على صيغة المتكلم ومنسوبة لأبي هريرة- على الجماعة؛ فهو يحمل الجماعة مسؤولية الفشل ولا يعترف بأنه جزء منها، وأنه فعليا تصرف وفقا لذاته لا وفقا للجماعة.هنا طبعا نستطيع أن تلمس بعض ما أراد قوله المسعدي رمزا، حيث يرى في الوجود البشري شراكة، ولكن هذه الشراكة لا يمكن أن تستقيم ما لم تبن على شراكة حقيقية لا وهما.

خروج أبي هريرة المهزوم من تجربة الجماعة جعله يدخل في وحشته ووحدته، وهو الذي أفضى إلى حدثين رئيسين (حديث العمى، وحديث العمل). استهل طريقه من جديد مؤمنا أن طريق الإنسان متواصلة لا منقطعة، لذا قصد دير العذارى، وهو دير معلق بين السماء والأرض- هنا رمزية أخرى نتلمسها من خلال مكان الدين وتأرجحه بين السماء والأرض- وهو التأرجح الذي يعيشه جميع البشر. "أريد أن أعرف أيهما أصدق، الله أم الشيطان"، بهذه الحيرة يسير أبو هريرة ويسير المسعدي مع قارئه، وكأن الحياة بين شك ويقين، وكأن وجود الإنسان محض بحث بينهما، وسؤال يتلوه سؤال.

شك أبو هريرة يقابله تسليم ظلمة، ظلمة التي تمثل اليقين المطلق بالسماء والتسليم بها والتخلي عن الأرض، أمام هذا الجمود الإنساني الذي وجده أبو هريرة في ظلمة والدير (يصلون ويدعون دون معنى لا حياة في طقوسهم)، يخرج بفشله الجديد، وكالعادة يرجع فشله للآخرين، معفيا نفسها من أي دور من غرق أبو هريرة في لذة الروح في الدير والعذارى والعابدين فيه، ومن خلال شخصية ظلمة ينتقد المسعدي المتعصبين دينيا، الذين يستغنون عن أجسادهم ويعيشون الحياة بلا حياة.

إن تيه أبي هريرة وفشله المتتالي، سواء مع ريحانة أو الجماعة أو ظلمة ودير العذارى، جعله يدرك أن الذات الإنسانية ذاتية متعددة وأكثر اتساعا من أن ندركها أو أن نحدها ضمن إطار ما، أو تجربة ما، وأن التوازن الإنساني الذاتي هو ما يحقق التوازن الجماعي فيما بعد، لذا كانت تجربة الحكمة جمعا للتجارب السابقة، إذ إن الحس والدين والجماعة والعقل تتجمع كلها في دواخلنا، فنحتاج الحب والحس، كما نحتاج العقل ونحتاج ذواتنا كما نحتاج الآخر، وأن السماء امتداد للأرض، وأرواحنا امتداد لأجساد، وأن الدين ليس تسليما مطلقا. وفي المقابل لا يمكن أن ننكر أن سيرورة الأشياء من حولنا جاءت عبثا.

الإنسان مركز الكتابة وغايتها

جعل المسعدي لحياة الإنسان طريقا طويلا من البحث والسؤال والثورة والإيمان، نادى بالثورة دينا وفكرا وثقافة، وفي المقابل دعا لترك كل معارفنا أو إيماننا، والأخذ بما هو في صالح للإنسان. المسعدي يجعل القارئ يسأل ويشك، لكنه لا يقتلع إيمانه، بل لعله يعززه، سواءً من خلال لغته الضاربة في عمق الثقافة الإسلامية، أو حتى من خلال الرموز والدلالات، إنه ببساطة يجعل الإنسان يبحث عن الإنسان لأجل الإنسان؛ فالحياة بالنسبة للمسعدي لم تخلق عبثا ولا خلق الإنسان عبثا، لكل منهما ماهيته وغاياته، يفترقان ليلتقيان.

ينتقد المسعدي "عبدة الجسد" الذين يهملون ماهيات وجودهم الأخرى، ويصرفون حياتهم على العبث، وفي الوقت ذاته ينتقد الذين ينكرون أجسادهم ويهملونها

والحقيقة أن المسعدي لا ينتقد واقعا اجتماعيا غارقا في الخضوع، وشخصية تونسية غير متزنة فقط، وإنما ينتقد أيضا الواقع الثقافي الذي أدت إليه الوقائع السياسية، حيث تميز بالتمسك المتعصب بالموروث الثقافي العربي الإسلامي أو تابعية مطلقة للثقافية الغربية.هذا التذبذب، ولد لدى الرجل قناعة بأن أي تقدم حضاري لا بد أن يتم من خلال إيجاد هوية ثقافية واضحة تراعي الموروث الثقافي العربي الأصيل، وتنفتح على الآخر، آخذة كل ما من شأنه أن يساهم في ازدهارها وتقدمها.

من المؤكد أن كتابات المسعدي جاءت كعميلة نقدية متعددة (ثقافية / سياسية / اجتماعية / فلسفية / إنسانية)، ومن المؤكد أكثر، أن الرجل فريد في طرحه وأساليبه الكتابية، وهو ما جعل نص المسعدي حيّا دائما، وقابلا للدراسة والبحث والمعرفة، وأن الكتابة لدى المسعدي لم تكن ترفا، بقدر ما كانت نابعة من وجع إنساني متعدد.

 * شاعرة وكاتبة تونسية

المصادر:

-   مقتطفات من كتاب "حدث أبو هريرة قال".

-   حوار لطه حسين في تونس عن أدب المسعدي منشور بجريدة "الشروق" التونسية.

-   تقديم الأستاذ توفيق بكار لـ "السد"، الصادرة عن "دار الجنوب".

-   "بلاغة الصمت فـي أدب المسعدي من الأشكـال الموجزة إلـى الكتابة الشذريّـة"  للأستاذ مجدي بن عيسى

 

* مقال منشور ضمن العدد السابع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " التراث الإنساني وخطر الخطاب الجهادي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/DH6mih

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق