مريم الساعدي: نضحك بألم ساخر بحثاً عن التوازن الذاتي
07 يونيو 2017 | 0 تعليق

حاورتها نيرمينة الرفاعي*

ترى القاصة والكاتبة الإماراتية مريم الساعدي، أنّ الكتابة ليست بالضرورة نقل معرفة، وأنّ السخرية السوداء هي الشعور الذي يجمعنا حيال ما يحصل، فنضحك بألم ساخر كمحاولة لإيجاد شيء من التوازن الذاتي والفهم والإجابات.

وتشير الساعدي إلى أنه من العبث الاعتقاد أن بإمكان الكاتب تغيير الواقع مثلًا بمجرد كتابة قصة؛ فالهدف من الكتابة، وفق قولها، إثارة مشاعر القارئ، وهذا لا يتحقق إلّا بالتوجه مباشرة إليه كإنسان يضحك ويبكي، يحب ويكره، ينزعج ويحار ويتساءل.

يذكر أن مريم الساعدي، قاصّة إماراتية من مواليد عام 1977، حاصلة على البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الإمارات، وعلى دبلوم في التخطيط العمراني من الجامعة الأمريكية بالشارقة، وعلى دبلوم في دراسات بيت المقدس من جامعة أبردين في اسكتلندا.
صدرت لها مجموعة قصصية ترجمت إلى الإنجليزية والألمانية بعنوان "مريم والحظ السعيد"، ومجموعة أخرى بعنوان "أبدو ذكية"، ووصلت مجموعتها "نوارس تشي جيفارا" إلى القائمة القصيرة بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع المؤلف الشاب عام 2012، كما تكتب بانتظام في عمودها الأسبوعي في جريدة الاتحاد منذ عام 2001.

جمعتنا بها حديقة "بيت تايكي" ضمن أمسيات ملتقى عمّان الخامس للقصة، الذي أقيم مؤخراً، وبكأس النسكافيه الذي حتمًا قد برد على الطاولة الخشبية أمامها ابتدأت الكاتبة مريم الساعدي حديثها:

*ما سبب تفضيلك الكتابة في مجال المقالة والقصة القصيرة من بين الأجناس الأدبية الأخرى؟

الكتابة بالنسبة إلي حالة تعبير عن الذات، لست معنية بالدفاع عن البنية الفنية، ولستُ متحمسة للقصة على حساب الرواية أو العكس. ما يهمني هو أن يعبّر الإنسان  عن نفسه بأية طريقة يستطيعها، وأحاول أن أعبّر عمّا أحبّ وعمّا أكره، وأن أقول للناس ما يحصل في عالمي، فأنا لا أعتقد أن الإنسان الصامت قد عاش حقًّا، الإنسان الصامت هو إنسان ميتٌ بالضرورة.

*في "نوارس تشي جيفارا"  كتبتِ: "لا أحبّ "إلخ" لأنها خادعة، توحي أن لدى المتحدث معرفة أكثر لا يسعفه الوقت لذكرها، بينما الحقيقة أن معرفته غالباً ما تكون قد نضبت عند "إلخ"..إلى أية درجة ترين أنَّ على الكتابة،كفعل إنساني حرّ، أن تكون غير خادعة، وأن تقدم للقارئ كامل المعرفة؟

الكتابة ليست بالضرورة نقل معرفة، هي فقط أن تقول ما تريد قوله دون أن توحي أنك تعلم أكثر مما نعتقد، وفي بعض الأحيان تكون المواقف أكبر من الكلمات، والكاتب مجرد إنسان  يحاول أن يفهم، إنسان عادي لديه تساؤلات تزعجه وتقلقه، فيحاول تحليلها وعرضها على أوراقه لعلّه يصل إلى جواب يرضيه.

"إلخ" من وجهة نظري، هي بمثابة رمي الطعم للقارئ ومجرد محاولة ادعائية ليظهر بمظهر العارف بالأسرار، بينما قد يكون في الحقيقة أكثر الناس جهلًا وبحثًا عن أجوبة.

*عبّرت مرّة عن استيائك من إهداءات الكتب لمن لا يقرؤها أصلًا، ولأن الكاتب هو قارئ نصّه الأول، ما الجملة التي ستكتبينها لنفسك كإهداء على كتابك الخاص؟ ماذا تقولين لنفسك على صفحتك الأولى؟

نعم،كتبتُ مرتين عن الإهداءات على الكتب غير المقروءة، مرة في مقالة ومرّة في منشور على موقع فيسبوك، الأمر مزعج طبعًا لمن يعنيه أمر الكتب والكتابة، ولا يحبّ أن يرى كتابًا مهملًا تحت أكوام الغبار.

النسخ الأولى لها بهجتها بطبيعة الحال، وأتعامل معها بمشاعر أمومة مغدقة، وكأنها أطفالي تمامًا، أنظر إليها وكأنَّها جزء مني؛ فالكاتب ينظر إلى كتبه ويقول في نفسه: "هذا أنا في فترة ما"!

ولم أجرب أن اكتب إهداءً لنفسي، ولكنَّ العلاقة حميمة جدًّا لدرجة أنَّها تتجاوز الإهداءات.

*قال إرنست همنغواي:"على الكتّاب أن يكتبوا واقفين، فإنهم حينها سيتقنون كتابة الجمل القصيرة"، وقالت مريم الساعدي إنَّ "القصة هي فن الإيجاز"، ما هو أسلوب مريم في الكتابة وهي واقفة؟ بكلمات أخرى، ما هو أسلوبك في التكثيف والإيجاز؟

أنا إنسانة أصاب بالملل السريع، ولا أمتلك الكثير من الصبر ولا أحب الهذر، ما يمكن أن يقال في كلمة فلمَ عليّ أن أقوله في جملة؟ وما يمكن كتابته في جملة فلمَ عليّ كتابته في فقرة؟ الهدف هو أن تصل الفكرة بأقصر وأسرع الطرق.

*لاحظتُ أنَّك تحبين صور البحر والسماء، ولأنَّ الصورة بألف كلمة، أين تجدين نفسك، في كلمة، وسط كل هذه الزرقة؟

الأرض تخنقني، أحبّ الأفق المفتوح والسماء والبحر، أحتاج إلى المساحات الرحبة، هي تلزمني في الحياة كما في الكتابة، أنا صديقة السماء والبحر.

*في "نوارس تشي جيفارا" تمكنت من ضمير المتكلم، وبنيت القصص بشكل مونولوجي ماهر، ولجأت إلى السخرية السوداء بشكل خارج عن الأطر المتوقعة،كتساؤلك في قصة "سحلية رملية على جدار أملس" :"من يأكل لي رأسي"؟ أو حوارك مع روحك في قصة "أنا لست على ما يرام"، أو جواب جدتك على سؤالك عن حالها في قصة "فستان زهري في جنازة جدتي"..

كيف تبنين علاقة كتابة متوازنة بين الواقع الأسود والكوميديا الساخرة؟

الحياة إجمالًا، لا تتطلب كلّ هذا القدر من الجدّية والقوانين والتمسّك بشكل وأسلوب محدّد، الهدف من الكتابة هو إثارة مشاعر القارئ بغض النظر عن الشكل العام الذي لا أقلل من أهميته في نفس الوقت، ولكن ما يهمني في القصة هو أن تصل إلى أحاسيس القارئ وتثير بداخله مشاعر معينة، وهذا لا يمكن له أن يتحقق إلّا بالتوجه مباشرة إليه كإنسان يضحك ويبكي ويحب ويكره وينزعج ويحار ويتساءل، وأقول مجددًا إن المواقف التي نعيشها في الوطن العربي أكبر من الكلمات، ومن العبث أن نعتقد ككتاب أن بإمكاننا تغيير الواقع مثلًا بمجرد كتابة قصة، ولكنَّ السخرية السوداء التي تتحدثين عنها هي الشعور الذي يجمعنا حيال ما يحصل، فنضحك بألم ساخر كمحاولة لإيجاد شيء من التوازن الذاتي والفهم والإجابات.

أنا في هذه النقطة، إنني كقارئة قد أنسى التقنية المستخدمة في قصة ما، ولكنَّني لن أنسى أبدًا سؤالًا ساخرًا وموجعًا في نهايتها يقول:"من يأكل لي رأسي"؟

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق