مصطفى صادق الرافعي.. رقي فكر ونهضة أمة
18 اكتوبر 2015 | 0 تعليق

مصطفي صادق الرافعي
محمد الصادق *

شهدت الفترة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين حراكا فكريا ومعرفيا في الوطن العربي، فظهرت الكثير من الأفكار، والعديد من التيارات المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار حمل كل منها الهًم العام كل في مجاله، وكان الأدب من أهم المجالات التي حملت في هذه الفترة هم الأمة وأسباب تدنيها وتراجعها الحضاري وكيفية استعادة مجدها، فكانت هذه الفترة من أخصب الفترات في تاريخنا الحديث التي شهدت العديد من السجالات الفكرية والمعارك الأدبية بين مختلف التيارات والاتجاهات، ومن أشهر أدباء هذه الفترة الأديب الشاعر مصطفى صادق الرافعي أحد أقطاب الأدب العربي الحديث في القرن العشرين، الذي كتب في الشعر والأدب والبلاغة .

هو مصطفي صادق بن عبد الرازق بن سعيد بن عبد القادر الرافعي ترجع أصوله إلى  طرابلس ببلاد الشام، ولد الرافعي في يناير 1880 في قرية بهتيم بمحافظة القليوبية، ونشأ في أسرة أشتهر أهلها بتولي مناصب القضاء الشرعي في مصر، حيث كان والده رئيسا للمحكمة الشرعية  بطنطا، وقد اشتهر والده بغزارة العلم  كما أن منزله كان يعج بالكثير من العلماء، وكانت مكتبته الخاصة تحوي الكثير من نفائس الكتب، في هذا الجو الأسري المليء بمجالسة العلماء والقضاة نشأ الرافعي فأتم حفظ القرآن قبل العاشرة، وانتسب إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، ومكث بها فترةً من الزمن، انتقل بعدها إلى مدرسة المنصورة الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عاما، منعه مرض الصمم من استكمال تعليمه لكن مكتبة الوالد كانت خير معين ينهل منه العلم ويثقف نفسه ويبني فكره فوعى كل ما فيها. عمل الرافعي كاتبا في محكمة طلخا ثم انتقل إلى محكمة إيتاي البارود، ثم محكمة طنطا الشرعية، واختتم حياته المهنية بالانتساب إلى المحكمة الأهلية، وفي يوم الاثنين العاشر من مايو عام 1937 فاضت روح أديبنا الكبير إلى ربها، وحمل جثمانه ودفن بعد صلاة الظهر إلى جوار أبويه في مقبرة العائلة في طنطا، عن عمر يناهز 57 عاماً.

ظل سؤال النهضة الدائر في هذه الفترة وفي  خاطر أبناء كل التيارات والمشارب الفكرية يجول داخل فكر مصطفى الرافعي، لماذا تعثرت بلادنا وما هي الأسباب؟ وهل كانت الحداثة الغربية بكل تجلياتها تصلح لنا في الشرق؟ وهل لنا خصوصية حضارية نمتاز بها عن غيرنا؟، وهل هذه الخصوصية نستطيع من خلالها الانطلاق نحو الرقي والتقدم مرة أخرى؟

 يقول الرافعي: "لا ريب في أن النهضة واقعة في الأقطار العربية، مستطيره في أرجائها استطارة الشرر يُضرم في كل جهة نارا حامية، ويستمد من كل ما يتصل به لعنصره الملتهب، ولا ريب في أن الشرق يجاذب الآن مقاليده التي ألقاها ويضرب علي سلاسله التي تقيد بها، ويكابد الصعود والهبوط في نهضته هذه؛ وقد كان بلغ من إغضائه على الذل وقراره على الضيم، وتجاهله- أن أوروبا ربطت أقطاره كلها في بضعة أساطيل تجذبها جذب الكوكب للأرض. إن الجواب على نهضة أمة نهضة ثابتة لا يكون من الكلام وفنونه، بل من مبدأ ثابت مستمر يعمل عمله في نفوس أهلها؛ ولن يكون هذا المبدأ كذلك إلا إذا كان قائما على أركان أربعة: إرادة قوية، وخلق عزيز، واستهانة بالحياة، وصبغة خاصة بالأمة"[1].

ويمكن القول إن مصطفى صادق الرافعي مثله مثل بقية أبناء الفكرة الإسلامية كان يؤمن بأن الإسلام هو الدافع القوي الذي يستطيع من خلاله الشرق استعادة الريادة الحضارية مرة أخرى باستعادة قيم الإسلام ومبادئه وتحقيقها في نفوس الناس بشكل فعال، باعتبار الدين كما يسميه  الرافعي (علم فلسفة الروح العملية للأمة) وحين يتحقق هذا المعنى للدين في نفوس الفرد ويسود داخل المجتمع، تصبح هناك قوة دافعة داخل المجتمع تدفع أفراده للعمل الصالح، ويصبح أفراد المجتمع آلات قوة منظمة عاملة، حيث تتميز فلسفة الإسلام في رأيه بالبناء والإعمار في الحياة، حيث يتم رسم النجاح الحقيقي في تقدم هذه المجتمعات على صعيد الحقوق والسلوك التربوي والحضاري معاً، وأن يتجسد نجاحهم في تقدم المجتمع.

يقول الرافعي: "إن أسباب النهضة الصحيحة التي تطرد اطراد الزمان  وتنمو نمو الشباب، وتندفع اندفاع العمر إلى أجل بعينه- لا يزال بيننا وبينها مثل هذا الموت الذي يفصل بيننا وبين سلفنا وأولويتنا؛ وإلا فأين الأخلاق الشرقية، وأين المزاج العقلي الصحيح لأمم الشرق، وما هذا الذي نحن فيه من روح لا شرقية ولا غربية ثم أين المصلحون الذين لا يساومون بملك ولا إمارة لا ولا يطلبون بالإصلاح غرضا من أغراض الدنيا أو باطلا من زخرفها، ثم أين تجعلهم مبادئهم العالية القوية أول ضحاياها، وتروي منهم عرق الثري الذي يتغذى من بقايا الأجداد لينبت منه الأحفاد؟. ولما كان المسلمون إخوة بنص دينهم، وكانت مبادئهم واحدة ومنافعهم واحدة وكتابهم واحد، فلا جرم كان من السهل لو رجعوا إلى أخلاق دينهم وانتبذوا ما يصدهم عنها".

ويحاول الرافعي الربط ما بين الدين كفاعل ومحرك داخلي  في الإنسان ومدى موائمته للأبعاد الزمنية والمكانية وبين نهوضه وتحركه، فإذا كان الدين شأن داخلي في الإنسان لكن أليس لهذا الدين أثر في الواقع الخارجي الذي يعيش فيه، وعليه  فالإسلام يستطيع أن يكون هذه القوة الدافعة التي تحث أفراده علي النهوض والعمل وتكون أساس لنهضة صحيحة بميراثه التاريخي والحضاري في الشرق، وهنا يقول:" والذي أراه أن نهضة هذا الشرق العربي لا تعتبر قائمة على أساس وطيد إلا إذا نهض بها الركنان الخالدان: الدين الإسلامي واللغة العربية. وظاهر أن أغلبية الشرق العربي ومادته العظمى هي التي تدين بالإسلام، وما الإسلام في حقيقته إلا مجموعة أخلاق قوية ترمي إلى شد المجموع من كل جهة. إن من خصائص هذا الدين الأخلاقي أنه صلب فيما لابد للنفس الإنسانية منه إذا أرادت الكمال الإنساني، ولكنه مرن فيما لابد منه لأحوال الأزمنة المختلفة مما لا يأتي على أصول الأخلاق الكريمة. وليس بخفي أنه لا يغنى غناء الدين شيء في نهضة الأمم الشرقية خاصة، فهو وحده الأصل الراسخ في الدماء والأعصاب. ومتى نهض المسلمون، وهم مادة الشرق نهض إخوانهم في الوطن"[2].

كما يؤمن الرافعي بأن للشرق الإسلامي خصوصية حضارية تميزه عن غيره، لكن لا يدعو للقطيعة مع الغرب بل للتواصل، ولكنه التواصل القائم علي الفهم، حيث نعرف ما نحن فيه وما نحتاج إليه، حيث نخرج من إطار التابع والمقلد للآخر لما لها من عواقب كارثية علينا، وفي هذا يقول: " وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية؛ فإن التقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، وما قلد المقلد بلا بحث ولا رؤية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار، وذهب ببعض خاصيتها العقلية؛ إذ الفكر الإنساني إنما ينتج الإنسانية كلها، فليس هو ملكا لأمة دون أخرى؛  فإن نحن أخذنا من النظم السياسية فلنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية عند الحد الذي لا يجوز على أخلاق الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها".

بدأ الرافعي حياته الأدبية شاعر، فأصدر ديوانه الأول وهو دون الثالثة والعشرين عام 1903، وقد قدّم له بمقدمة بارعة فصّل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه. وتألق نجم الرافعي الشاعر بعد ديوانه الأول، واستطاع بغير عناء أن يلفت نظر أدباء عصره، فقد أثنى عليه البارودي وحافظ والكاظمي وبعثوا له ببرقيةِ تهنئة، واستمر على دأبه فأصدر الجزأين الثاني والثالث من ديوانه، ثم أصدر ديوان النظرات، وقد أثنى على شعره الكثير من الأدباء والعلماء في عصره وأطلقوا عليه العديد من الألقاب والأوصاف، فكان يراسله الشيخ محمد عبده والزعيم مصطفي كامل وامتدحه العقاد وحافظ إبراهيم وأحمد لطفي السيد، ومع كل هذه المكانة العظيمة في الشعر ترك الرافعي كتابة الشعر واتجه للكتابة الأدبية التي كانت سيفه المسلول تجاه الكثير من القضايا، وتميز أسلوبه بالقوة والصلابة وبثراء اللغة وكثرة المجازات والاستعارات، والتفنن في ابتكار الاشتقاق من الأفعال، والذهاب بها كل مذهب في فضاء البيان الرحب. وكان يرى أن اللغة العربية بخصائصها المميزة هي روح الأمة، وهي قوام فكرها ووعاء ثقافتها، ويجب أن تصان عن الإسفاف والابتذال، فأثري المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات الأدبية وهي ( تاريخ آداب العرب، وحي القلم، كتاب المساكين، تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد، على السفود، السحاب الأحمر، حديث القمر، رسائل الأحزان: في فلسفة الجمال والحب، أوراق الورد).

 

 

[1]مصطفي صادق الرافعي، وحي القلم، الجزء الثالث ، مقال :نهضة الأقطار العربية، المكتبة العصرية، بيروت،ص ص163-164

[2]مصطفى صادق الرافعي، مرجع سابق، ص166

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق