مفهوم الإصلاح الاقتصادي في الوعي العربي .. ضرورات الأنسنة والعقلنة والتأطير التنموي
07 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

*كاتب وباحث وصحافي عراقي
همام طه *

يعد الإصلاح الاقتصادي جسراً بين الإصلاحين السياسي والاجتماعي؛ إذ يخدم الطرفين معاً، فيعزز الديمقراطية والمشاركة السياسية من جهة، ويدعم الحراك الاجتماعي والتغيير الثقافي من جهة ثانية، ويتيح تأثير كل منهما في الآخر بصيغة تكاملية تسمح بإحياء الطبقة الوسطى، وتُسهم في إنعاش وتنشيط المعادلة الوطنية للعيش المشترك والاندماج الاجتماعي.

ويُعرّف باحثون الإصلاح الاقتصادي بأنه مجموعة السياسات التصحيحية التدرّجية التي تتبناها دولة ما لمعالجة التشوّهات والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، ومواجهة الأزمات الخانقة، عبر إحداث تغييرات جوهرية في أساليب تعبئة الموارد وتوزيعها وإدارة الإنفاق، ورفع الكفاءة الإنتاجية بغية تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي، وإشباع الحاجات والوصول لمستويات معيشية أفضل لأفراد المجتمع، في استراتيجية تستهدف تعديل بنية الاقتصاد الوطني ورفع درجة مرونته.  

ويرتبط نجاح تجربة الإصلاح الاقتصادي بحضور بوصلة اجتماعية وإنسانية لدى صانع القرار، تضمن تخفيض التكلفة الاجتماعية، وتقليل الضغط على الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، والتي من المتوقع تأثرها بالسياسات الإصلاحية.

إن التسلّح بأجندة تنموية مسؤولية وطنياً وملتزمة أخلاقياً، تقوم على المشاركة والدمج الاقتصادي والاجتماعي، من شأنه تحويل الأزمة إلى فرصة، والحد من التأثير السلبي لقرارات الإصلاح الاقتصادي على الفقراء والطبقات المهمشة.

ولا يمكن للإصلاح الاقتصادي أن يؤتي الثمار المرجوة على صعيد معالجة التشوّهات والاختلالات الهيكلية في الاقتصاد ما لم يكن مقترناً برؤية جامعة للإصلاح الشامل، السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فسياسياً ينبغي توافر إرادة حقيقية لمعالجة الأزمات السياسية الوطنية الحادة المتعلقة بوجود الدولة وسلامة كيانها، وحفظ تماسك وتعايش المجتمع، وتفكيك الصراعات المحتدمة، وتعزيز الشراكة بين السكان في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وعلى صعيد الإدارة والحكم لا بدّ من إجراء إصلاحات بيروقراطية ضرورية ومهمة، تُنهي عصر الاعتماد على الدولة ومؤسساتها وهيمنة قطاعها العام، لصالح عهد جديد عنوانه نهوض المجتمع واعتماده على ذاته، وبناء استقلاليته وممارسة حريته، وتوسيع وتنمية أدوار المجتمع المدني والقطاع الخاص.

وأما على الصعيد الاجتماعي والثقافي، فإن تعديلات جوهرية ينبغي إجراؤها على المنظومة القيمية والثقافية، بهدف تخليص المرأة من الهامشية الاجتماعية والعنف الأسري والتابعية الاقتصادية للرجل، وتأهيلها كفرد ومواطنة للاندماج في الحياة العامة وسوق العمل ومدارات الإنتاج والتنمية على قدم المساواة مع المواطنين الذكور.

كما أن الإصلاح الحقوقي، عبر تكريس صيانة واحترام حقوق الإنسان على المستويات الرسمية وغير الرسمية وحظر الانتهاكات بأشكالها، هو ضرورة أخلاقية ودستورية أولاً لحفظ كرامة المواطنين وكيان الدولة من جهة، وهو من جهة ثانية شرط حيوي لبناء شرعية قرارات النظام السياسي المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي واستقطاب تأييد الجمهور لها.

إن هذه التغييرات البنيوية في وعي أية أمة لا يمكن أن تتحقق إلا بإرادة سياسية قادرة على قيادة التحول الوطني الكبير، علماً أن المسارات جميعاً تخدم بعضها، وتفتح لبعضها الآفاق؛ فالمسار السياسي يدعم الاقتصادي الذي يسند بدوره المسار الاجتماعي المؤثر في الثقافة التي تنعكس من جانبها على الاتجاهات والخيارات السياسية للجمهور، وهكذا تتفاعل مسارات الإصلاح في حالة من التناغم والتكامل الإصلاحي الشامل.

لا يحتاج الأمر سوى لإطلاق الخطة الوطنية المُلهِمة التي تُحيي الأمل في السكان، ومنح الثقة للمجتمعات وبعث طاقاتها الكامنة، ثم سيأخذ السكان بزمام المبادرة، وستقطف المجتمعات الثمار خلال سنوات معدودة.

وعلى صانع القرار أن يجمع في رؤيته الإصلاحية بتواؤم بين الكلي والجزئي؛ الكلي يصب لصالح الجزئي والجزئي يتحرك بأفق كلي، ما يستدعي تناغم وتكامل وزارات الحكومة في رسم السياسات والعمل التنفيذي، في سياق مشروع وطني حقيقي، وعدم انقطاعها عن بعضها وكأنها عوالم مستقلة بذاتها.

ويفترض أن تترافق معالجة التشوهات الاقتصادية مع ترميم ومداواة الشروخ الاجتماعية، والمتمثلة في الاحتقانات الطائفية والعنصرية واضطرام مشاعر التمييز والكراهية، ما يحتاج إلى رؤية سياسية متحررة من العقائدية المناقضة للعقلانية الاجتماعية والقامعة للتعايش والرافضة للتنوع.

إن الحكومات التي تتبنى أيديولوجيات أصولية دينية أو عقائد صلدة، من شأنها أن تتسبب في تدمير السياق السياسي وتسميم الفضاء الاجتماعي، وبالتالي الإضرار بالإصلاح الاقتصادي فيصبح منقطعاً عن السياق العام، ومرتبطاً بالسلطة لا بالمجتمع. أما الحكومات العلمانية التي تؤمن بالمواطنة والمؤسساتية، وبفصل العقائد بأشكالها عن أجهزة الدولة، وبالقوانين المدنية، وبالعقلانية السياسية والموضوعية الاقتصادية والليبرالية الاجتماعية، فهي أكثر قدرة على إدارة عملية الإصلاح الاقتصادي بنجاعة ونجاح وأفق وطني عريض.   

وإذا كانت ثمة تحفظات على النزعة الثورية في السياسة، لما يصاحبها من أعراض سلبية ونزاعات وتصدعات، فإن هذا لا ينطبق تماماً على الثورية في الاقتصاد، لأن الاقتصاد هو القاطرة التي تقود المجتمع، وينبغي أن تنطلق بزخم مجتمعي عالٍ وثورية عاقلة ومسؤولة ونزوع تنموي حالم وسباق مع الزمن، فتحفيز المبادرات الأهلية وتشجيع المشاريع الاستثمارية وتنشيط العملية الإنتاجية أهداف تحتاج إلى رؤية جريئة وعازمة تتمتع بالإقدام، وقادرة على قهر الروتين والترهل وتطويع المنظومة البيروقراطية المعقدة وجعلها تابعة للإرادة التنموية.

وبمجرد أن يشرع المجتمع في استشعار مشاركته الفعلية في التنمية واتجاهه لقطف ثمارها سيبدأ نمو الثقة بالنظام السياسي القائم وتتعزز شرعيته.

ولا يعني ما نسميه "الثورية العاقلة" في التغيير الاقتصادي السماح للنمو الاقتصادي أن يتحرك بدون وازع أو محددات أو معايير، فالنمو ينبغي أن يكون محكوماً بقيم أساسية وجوهرية لا يمكن التضحية بها بحال، وهي العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وسلامة البيئة، إذ يفقد الإصلاح الاقتصادي مضمونه الأخلاقي حين يكون على حساب العدالة الاجتماعية والفئات الأكثر ضعفاً أو فقراً، وحتى لو كان الضغط عليهم مؤقتاً، فإنه يطعن أخلاقياً في سلامة الاستراتيجية الإصلاحية، ليس هذا فحسب، بل يطعن في عقلانيتها أيضاً؛ لأنه يشي بأنها لم تستوفِ شروط الكفاءة الواقعية والمعرفية والتطبيقية.

وهناك أيضاً مسألة حقوق الإنسان، لاسيّما حقوق صغار العمال، فأية سياسة تنموية تعتمد ثقافة العبودية أو "السُخرة" أو غمط حقوق العاملين أو إجبارهم على العمل في ظروف مضرة بالصحة والسلامة هي سياسة محكوم عليها بالفشل، لأن الخلل الحقوقي والإنساني يؤشر حتماً خللاً سياسياً وأخلاقياً ومهنياً في عقلية العملية التنموية، وسينعكس على جوانب أخرى ، حيث يكون كل إنجاز يتحقق مثلوماً أخلاقياً لأنه تحقق على حساب القيم المهنية والمبدأ التنموي العتيد؛ تنمية الناس بالناس من أجل الناس، بمعنى أن لا تكون العملية التنموية مضادة للناس حتى لو كان المتضرر منها بضعة عشرات أو مئات من العمال.

كما ينبغي مراعاة قيمة العدالة الاجتماعية، فالهدف من الإصلاح الاقتصادي هو معالجة مشاكل الفقر والبطالة وتحسين الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم، ولا يمكن القبول بأن يكون الإصلاح مدمّراً للخدمات أو مكرّساً للفقر والبطالة؛ فالإصلاح هنا يعمل ضد نفسه، وما يجب أن يحصل هو العكس؛ بمعنى أن على صانع القرار قلب المعادلة بجعل تحسين الخدمات وإشباع الحاجات وصناعة مناخات التشغيل ومكافحة الفقر وتجفيف منابع الهشاشة والتهميش والانسحاق جزءاً أصيلاً من الإطار الإصلاحي، ومن السياق الصحي الواجب توفيره لنجاح الخطة الإصلاحية الاقتصادية، وأن يكون التقرّب إلى السكان بالخدمة الاجتماعية عنصراً رئيساً في بناء شرعية الإصلاح الاقتصادي، بما يجعل السكان جزءاً من هذا العمل الوطني ومستعدين لتحمّل تبعات الإصلاح ودفع ضريبته اعتماداً على الثقة المتولدة لديهم في صانع القرار والأمل الذي استطاع أن يبثه بنجاح في نفوسهم.

ومن المهم أيضاً، ضمان أن يكون الإصلاح الاقتصادي حامياً للبيئة ومحسناً لها على المديين القريب والبعيد؛ فالبيئة ترتبط بالإنسان وحقوقه وبعامل الاستدامة، وأي مشروع استثماري أو صناعي يتحرك من دون بوصلة المحافظة على البيئة وتنميتها مشكوك في كفاءته الإنتاجية والربحية المستقبلية حتى لو حقق مكاسب عاجلة، لأنه، وفق مفهوم الربح الاجتماعي، سيكون مضراً بالبيئة مستقبلاً وبمصالح الأجيال المقبلة، وبالتالي سينقلب إلى مصدر هدم وخسارة بدل أن يكون مصدر ربح ونماء.

إن واجب الدولة أن تضع عامل الربح الاجتماعي نصب عينيها في إدارة استراتيجية الإصلاح الاقتصادي. والربح الاجتماعي توليفة تجمع الأرباح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإنسانية والثقافية والنفسية والمعرفية؛ الجزئية والكلية، والآنية والمستقبلية، ضمن رؤية تنموية لا تحصر الربح في جانب مادي بحت، بل تأخذ بعين الاعتبار مدى التطور الذي تحققه التنمية في رؤوس الأموال الفكرية والاجتماعية والبشرية للمجتمع.

وعندما نتحدث عن الدور الاجتماعي في الإصلاح الاقتصادي، فإننا نتكلم عن وظيفة تنموية أساسية يؤديها المجتمع، فهو المعوّل عليه في إدارة دفة الإنتاج من جانب، كما سيمسك من جانب ثانٍ بزمام الاستهلاك وتنشيط الاقتصاد، بفعل ارتفاع القدرة الشرائية للأفراد نتيجة الانخراط في العملية الإنتاجية والفعاليات الاقتصادية، وخروج المرأة من قوقعة العزلة واندماجها في الحياة العامة وسوق العمل وتحولها إلى فاعل اقتصادي ذي ذمة مالية مستقلة.

وبالإشارة إلى دور المجتمع تنموياً، فإن الأمر يتطلب تحريره من قيوده وأغلاله، والتخلص من الأوزار الثقافية والتقاليدية والعاداتية التي يحملها المجتمع، فتثقل كاهله وتقيّد حركته، وتمنعه من الاندماج بالعصر والانطلاق الاقتصادي، وهنا يبرز دور الإصلاح الديني كضرورة لتغيير الوعي الاجتماعي باتجاه الحرية والعقلانية والانعتاق الاقتصادي، وهو ما يحتاج أن يتم بأدوات الحداثة ووسائل المعرفة والأساليب العقلانية، لا عبر أساليب أو نماذج إدراك كهنوتية تعيد إنتاج أزمات الوعي الديني المعيقة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

وتُقاس فاعلية الإصلاح الاقتصادي بكفاءة ما ينتجه من مخرجات على صعيد التماسك الاجتماعي، فأية عملية إصلاحية، سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية أم ثقافية، يفترض أن تهدف لتحقيق ما يسميه غوستاف لوبون "الوحدة الأدبية" بين أفراد الشعب، والتي يرى أنها "تفوق قوته المادية كثيراً، وتسهم في تقويم المجتمع وتهذيب نفوس أفراده"، ما يعني أن للإصلاح الاقتصادي الناجح آثاراً أخلاقية وسلوكية إيجابية على المجتمع.

وبالتالي يكون الإصلاح الاقتصادي عملية تضميد لجراح المجتمع لا تعميقها، ومعالجة لاختلالاته لا تكريسها. ولن ينجح الإصلاح الاقتصادي إذا كانت أهدافه ضئيلة أو سطحية أو ترقيعية، أو لإنقاذ حكومة من مأزق أو تخدير جمهور، فلا بدّ من أهداف كبيرة وحالمة ولكن واقعية في الوقت نفسه؛ يقول المفكر محمد كامل حسين: "إن السياسة عند أهلها غايتها تحقيق الممكن، أما الإصلاح فهو تحقيق ما يبدو أنه غير ممكن".

والإصلاح الاقتصادي في النهاية فرع في مشروع متكامل للتعبئة الوطنية النهضوية الواعية، هدفه تفجير طاقات المجتمع وجعل الجميع مشاركين في العملية التنموية، بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، باتجاه التغيير الجوهري في حياة السكان وبناء النهضة الوطنية، فهو ليس عملية محصورة في جانبها الاقتصادي الصرف فقط. 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق