مفهوم الإيمان بين الدين والتدين
18 مارس 2016 | 0 تعليق

* باحثة مصرية
ولاء عبد الهادي *

"الدين هو تنهيدة الكائن المقهور، هو القلب في عالم بلا قلب، وهو الروح في محنة بلا روح".

كارل ماركس

 

في البداية، لابد أن نعلم أننا نخوض مغامره غير مأمونة العواقب؛ لمجرد إمساكنا بالقلم وفتح مساحات ودوامات من الجدل في المناطق الأكثر حساسية "التدين والعلاقة بالآخر الديني" !

الدين كظاهرة اجتماعية متناهية المفارقة والتعالي، بحمولته الوجدانية الكلية، وأنماطه المتداخلة بات يمثل نقطة الارتكاز الجوهرية في الوجود الإنساني، في عالم تعصف به أنواء القلق، وعواصف التصورات الذهنية المراوغة.

بين التدين النصي الأصولي، والتدين الشعبي تناص مدهش؛ فالتدين الشعبي لا يطمئن إلى فكرة التجريد، وفي رحلته للبحث عن مسارات جديدة للروح أنزل النص من عالمه المفارق، هذه (الأرضنة) للدين جعلت للقديسين والأولياء صورا تاريخية راسخة فى الأذهان. أيقونات تحولت إلى آلهة فى بعض الأحيان تُمثل للبعض العون وطوق النجاة.

هنا يتجلى الفارق بين الدين والتدين..

فالدين بوصفه "دستورًا إلهيًا" يعبر عن مجموعة من القواعد والقوانين والنصوص اليقينية قطعية الدلالة.

أما التدين بوصفه "فعلاً بشريًا"؛ فهو يمثل جملة المعرفة وأنماط الالتزام البشري بهذه القواعد والقوانين والأحكام، عن طريق الطقوس والممارسات .

إن الدين بإطلاقه والتدين بأنماطه باتا من ضروريات الحياة، فلا يخلو مجتمع من دين، حتى الملحدين اختاروا الإلحاد عقيدة لهم. ويرجع علماء النفس ذلك إلى حاجة الإنسان إلى الشعور بالأمان؛ فالدين غريزة يطلق عليها "الغريزة الدينية" تعزز غريزة البقاء، ويقال: إن الغريزة الدينية هي الحد الفاصل بين الوجود الإنساني، والوجود الحيواني، ويرى البعض أن: هذه الغريزة تعبر عن نفسها، إما من خلال الطقوس والعبادات التي تُمارس، أو أنها تعبر عن نفسها بواسطة نظرة فلسفية متسامية، وذلك من خلال الاهتمام بقضايا الوجود الإنساني مثل: الموت والعدم؛ فمن الناحية النفسية نحتاج جميعًا إلى الدين والتدين؛ فالدين يقدم الإجابات لعقولنا، والتدين يرتب وينظم سلوكنا .

الدين كظاهرة اجتماعية متناهية المفارقة والتعالي، بحمولته الوجدانية الكلية، وأنماطه المتداخلة بات يمثل نقطة الارتكاز الجوهرية في الوجود الإنساني، في عالم تعصف به أنواء القلق، وعواصف التصورات الذهنية المراوغة.

ولكن، إذا كان الدين ضرورة حياتية، فإن أحدا منا لم يختر دينه، حيث أصبح الإيمان التقليدي يدور في مسار الموروث (هذا ما وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا). فمن منا اطلع على كل الديانات أو بعضها ودرسها بعناية، واختار لنفسه الدين الذي يعبر عنه أو يوافق قناعاته؟ ولماذا يدعي كل فريق أنه يحتكر الحقيقة المطلقة، ويقسم أن دينه هو الصحيح؟ وأن هذا الدين هو طريقه للجنة الخالدة!

الحقيقة لا أحتكرها أنا ولا تحتكرها أنت ولا غيرنا ...

الحقيقة لا يمتلكها أحد ...

الحقيقة تكمن في البحث عنها ....

فإذا كنت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو ...... فهذا في الغالب ما اختاره لك آباؤك. لكنّ الدين الحقيقي الذي يعبر عن إيمان كلي لا يمكن الوصول إليه إلا بعد دراسة، وبحث، واقتناع كامل، سلبا أم إيجابا، أما الدين الذي يُكتب في خانة الديانة في بطاقة الهوية فهو الدين الموروث.

ماذا لو فكر اليهودي في قراءة القرآن أو الإنجيل؟ أو قرر المسيحي أو اليهودي قراءة القرآن؟ وهل فكر المسلم فى دراسة الأديان الأخرى؟ وهل فكر أتباع الديانات السماوية أن يقرؤوا الديانات غير السماوية ؟!هل فكروا من الأساس في طبيعة مفهوم (سماوية)... فكل دين بالنسبة إلى أتباعه هو بالضرورة سماوي مقدس.

هل فكر أتباع الدين الواحد في قراءة مذاهبهم المختلفة؟ (السنُّة ...الشيعة/ الأرثوذكس.. الكاثوليك ...البروتستات).

 الذين لا يقرؤون هم الخائفون من التغيير.

خائفون من تغيير ما نشأوا عليه "لأنهم يشعرون بالأمان بما لديهم".

  الذين لا يبحثون عن الحقيقة هم من يستحقون الشفقة.

ويجب علينا أن نتساءل سويا: هل نملك مساحة كافية للاختيار؟ وهل إذا قمنا بدراسة الأديان أو بعضها ثم قررنا أن نغير أو نترك دينًا ونتجه لآخر فهل هذا ممكن ؟!

في عالمنا العربي والإسلامي هذا صعب، ويكاد يكون هو المستحيل.

وإذا كنا نحتاج إلى دليل، فلنمسك ببطاقة الهوية، وننزل بأعيننا إلى خانة "الديانة"

لماذا هذة الخانة إذا؟ إذا كانت بطاقة الهوية مهمة لمعرفة بيانات الشخص، واسمه وعمره ووظيفته وتأكيد انتمائه لهذا الوطن "هذا بمثابة عقد بينه وبين هذا الوطن "

فلماذا يريد الوطن أن يعلم ديانة المواطن ؟!

وهل يفرق الوطن بين مواطن وآخر حسب ديانتة ؟ ألسنا جميعنا مواطنين علينا نفس الواجبات ولنا نفس الحقوق !!

وإذا كنا ذكرنا خانة الدين، فهل لنا الآن أن ندخل في المنطقة الأكثر حساسية وخطورة، وهي "قبول الآخر"؟

فإذا كانت قوانين الوطن تفرض علينا أن نذكر ما هو ديننا، فهل يفرض علينا الواقع أن ننزوي في المسجد أو الكنيسة أو المعبد؛ نتعبد فيه ونلقي بالاتهامات التكفيرية على الآخر ؟! المختلف معنا ؟!

إذا قررت أن تبحث عن الحقيقة وتختار دينك الذي يناسبك، أو قررت ألا تبحث وتقبل بما ورثته من دين آبائك، فليس لك الحق في كلتا الحالتين أن تحكم على الآخر، ولا أن تدعي أبدا امتلاك الحقيقة المطلقة.

علينا أن نقبل التعددية الدينية مثلما ينبغي علينا أن نقبل تعددنا السياسي والثقافي، فإذا كنا نقبل بالاختلاف في أمور حياتية عادية، أفلا يكون من الأولى أن نقبل الاختلاف في ما هو أعظم وأكبر، اختلاف "المعتقد الديني ".

علينا أن نؤمن بأن هناك دينا لا خلاف عليه، وهو "دين الإنسانية"، فإذا كنا نختلف على الرسل والأنبياء وعلى تفسير الآيات وصحة الأحاديث، أفلا نختلف حول الدين الذي يجتمع الناس عليه؟ وندرك أن الدين الذي يفترض أن نَدين به جميعًا ونجتمع عليه، دين يوجهنا للحق، والخير، والعدل، والسلام، والمحبة، والرحمة، وأن نتفهم جميعًا وندرك ونؤمن بأن: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

الدين النصي يقدم العزاء والرجاء والأمل، لكنه ربما يسلب الإرادة والحياة والعقل، فيجعلك هذا المخمور بلذة مؤجلة، والموعود بجنة لا تعلمها يقينا، والحبيس لأوامره ونواهيه، والمرتعش من العذاب، الحائر المرتجف الملتقط لكل الإشارات، والمهووس حد الجنون طمعا وخوفا.

الدين النصي يقدم العزاء والرجاء والأمل، لكنه ربما يسلب الإرادة والحياة والعقل، فيجعلك هذا المخمور بلذة مؤجلة، والموعود بجنة لا تعلمها يقينا، والحبيس لأوامره ونواهيه، والمرتعش من العذاب، الحائر المرتجف الملتقط لكل الإشارات، والمهووس حد الجنون طمعا وخوفا.

الإلحاد ربما يقدم الحرية والمتعة بالحياة والانطلاق نحو كل الفضاءات بلا وجل، ويفتح الطريق للإبداع اللانهائي، لكنه ربما أيضا يجعلك يائسا من الغد عدميا مستهترا بالحياة، مسلوب المشاعر، مذبوح الروح بلا عزاء، ماديا، كئيبا مسلوب الحس، قلقا حد الموت..ميتا حد الحياة .

الإيمان وحده...الإيمان الحقيقي هو طوق النجاة، الإيمان بالروح والمطلق والمحبة والجمال، يحلق بالموجود البشري بلا أفق خلف كل المدارات، ليعش الحياة بكل رجاء في الخلود، فالإيمان أغنية مسافرة ومقطوعة يعزفها الكون بلانهائيته. النص الحرفي موت والطقس الآلي جمود، فقط وحدها الحياة هي الترنيمة الأبدية،  فلتجعلها أغنيتك أيها المسافر العتيق.

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق