مولود قاسم والتعريب
01 نوفمبر 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

هو مولود قاسم نايت بلقاسم أصيل قرية "بلعيال"، وهي إحدى قرى جبال بني عباس في القبائل الصغرى شرق وادي "الصومام" وجنوبه. ولد في أواخر عقد العشرينيات من القرن العشرين، فدخل الكتاب، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم المبادئ الأولى للغة العربية وتلقى نصيبا من العلوم الدينية.

درس في جامع الزيتونة بتونس في النصف الثاني من الأربعينات حتى العام 1950، ثم رحل منها إلى القاهرة فالتحق هناك بقسم الفلسفة في كلية الآداب، وأنهى بها دراسته سنة 1954 والتحق بثورة أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1954 حال اندلاعها. عمل في عدة بلدان أوروبية كألمانيا والسويد في مكتب جبهة التحرير الوطني، ثم عاد إبان استقلال الجزائر في 1962 وانخرط في خدمة الجزائر من مواقع مختلفة.

وبفضل هذه الثقافة الموسوعية انتخب مولود قاسم عضواً مراسلاً في المجمع اللغوي بالقاهرة وعضواً عاملاً في المجمع اللغوي بدمشق، والمجمع اللغوي بالأردن، وكان يعد العدة لإنشاء المجمع اللغوي بالجزائر غير أن وفاته حالت دون ذلك.

يقول يحيى بوعزيز في كتابه "أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة": "لم يكن المرحوم مولود قاسم، شخصا عاديا، وإنما هو شعلة من الوطنية، وكتلة متحركة ومتنقلة من الإخلاص لوطنه الجزائر، وللإسلام والعربية وأمة العروبة، وديار الإسلام، أينما كانت. ويملك ثقافة عالية جدا، وفذة، وفي العلوم والحضارة العربية الإسلامية، وفي التاريخ الجزائري أساساً، والمغاربي، والعربي بصفة عامة والعالمي بصفة أعم. وطعم هذه الثقافة بإتقانه لعدة لغات أخرى أبرزها: الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والسويدية، والإسبانية". ثم يضيف: "إن المرحوم مولود قاسم عبارة عن موسوعة ودائرة معارف بحالها له في كل علم باع وطرف، وفي كل فن رصيد، ويقرأ ما شاء الله من الكتب، والمجلات، والجرائد والنشريات، والدراسات الخاصة والعامة، خاصة ما يتصل بتاريخ وحضارة الجزائر، وأخبارها وأحداثها القديمة والجديدة".

وبفضل هذه الثقافة الموسوعية، انتخب مولود قاسم عضواً مراسلاً في المجمع اللغوي بالقاهرة وعضواً عاملاً في المجمع اللغوي بدمشق، والمجمع اللغوي بالأردن، وكان يعد العدة لإنشاء المجمع اللغوي بالجزائر غير أن وفاته حالت دون ذلك.

كان المرحوم مولود قاسم مفكراً إسلامياً أصيلاً، شديد التمسك بالشخصية الوطنية الجزائرية في إطار الإسلام والعروبة، وذلك بفضل ثقافته العربية المتينة، واطلاعه الواسع، ولكنه مع ذلك كان يدعو إلى التفتح على الثقافات العالمية للانتفاع بمحاسن التطور، واستغلالها في نهضة الجزائر وترقية شعبها.

أسس معاهد سماها "معاهد التعليم الأصلي" التي تشرف على تكوين إطارات دينية ذات كفاءة عالية، ولكنها أدمجت سنة 1976 في التعليم العام في إطار خطة توحيد التعليم آنذاك. كما أنشأ مجلة "الأصالة" عام 1971 "لتواكب حركة التطور في البلاد، وتكشف الغطاء عن ماضي الجزائر المشرق، وتاريخها الطويل الحافل بالأمجاد والبطولات، لقد كان مولود قاسم مفكراً مبدعاً وفيلسوفا أصيلا، وكاتبا مجدداً، ومثله لا يمكن له أن يركن إلى الجمود، والخمول، والتقوقع، ولذلك آل  على نفسه أن يغير أوضاع إطارات الشؤون الدينية من حيث الفكر، والثقافة والتكوين. وأنشأ هذه المجلة ليفتح لها ولغيرها المجال للإبداع، والابتكار، والتزود بالثقافة الصحيحة، والأصيلة والنافعة كل المجالات والتخصصات، وكانت تصدر كل شهرين" كما يقول بوعزيز في كتابه المذكور.

أشرف على نشر سلسلة من الكتب التراثية المحققة، واهتم بالملتقيات والندوات والمؤتمرات فجعل لها إدارة خاصة بها تشرف على تنظيمها واستقطب باحثين ومفكرين معروفين حتى غدت هذه الملتقيات "بمثابة أعراس ثقافية كبرى للجزائر، ومظاهرات ضخمة في ميادين الفكر والثقافة، والإبداع والحوار، والبحث، بل وحتى السياحة والترفيه". وبفضل هذه الملتقيات المتعددة، صارت الجزائر "قبلة العلماء والمفكرين، والباحثين والمؤرخين والفلاسفة والفقهاء والشعراء من كل بلدان العالم".

يقول بوعزيز الذي عايش مولود قاسم وعرفه عن قرب: "كان المرحوم مولود قاسم مفكراً إسلامياً أصيلاً، شديد التمسك بالشخصية الوطنية الجزائرية في إطار الإسلام والعروبة، وذلك بفضل ثقافته العربية المتينة، واطلاعه الواسع، ولكنه مع ذلك كان يدعو إلى التفتح على الثقافات العالمية للانتفاع بمحاسن التطور، واستغلالها في نهضة الجزائر وترقية شعبها".

تنقل في كل أنحاء البلاد ولاية فولاية، وبح صوته من الخطب، والشروح، والتعليقات، وإلفات النظر في الندوات والملتقيات، والمهرجانات والمحاضرات، وأطلع نفسه وفي عين الأماكن على العراقيل والصعوبات التي يضعها أعداء التعريب في طريقه، وعلى المؤامرات التي يحيكونها ويدبرونها كل مرة.

ومن الطبيعي أن تنعكس الثقافة التي تلقاها مولود قاسم على توجهاته الفكرية وآرائه في مستقبل الجزائر ومنزلة اللغة العربية فيها، فكان حريصاً على التعريب و"كان يستهجن ويستنكر التحدث بغير العربية لغة العلم، والقرآن والحضارة أكثر من خمسة عشر قرناً، إلا عندما يتطلب الأمر ذلك". لذلك انتصر إلى العربية ودعم حركة التعريب في الجزائر، وكان ضمن المجموعة التي أعدت لتطبيق التعريب عام 1971 التي أعلنت سنة للتعريب الشامل. عين على رأس المجلس الأعلى للغة العربية وكلف بمراقبة تنفيذ قرار التعريب "وتنقل في كل أنحاء البلاد ولاية فولاية، وبح صوته من الخطب، والشروح، والتعليقات، وإلفات النظر في الندوات والملتقيات، والمهرجانات والمحاضرات، وأطلع نفسه وفي عين الأماكن على العراقيل والصعوبات التي يضعها أعداء التعريب في طريقه، وعلى المؤامرات التي يحيكونها ويدبرونها كل مرة. وتحمل عبء تأسيس أكاديمية 19 جوان للغة العربية، وتكلف بإعداد مجمع اللغة العربية بالجزائر على غرار المجتمعات العربية".

كان مولود قاسم واحداً من المثقفين الجزائريين الذين تركوا بصماتهم في الجزائر الثقافة والوطن على امتداد قرن من الزمن تقريباً مثقفاً وفاعلاً في أجهزة الدولة من خلال المناصب التي تقلدها.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق