ميتران عاشقاً سريّاً: الحب ألمٌ بين اثنيْن
01 يناير 2017 | 0 تعليق

الأردن - موسى برهومة

قدّم لنا التاريخ القديم والمعاصر الزعماء والقادة والرؤساء باعتبارهم، في الأغلب الأعم، قتلة ومجرمين وطغاة ساموا شعوبهم العذاب، وقادوا بلدانهم إلى التهلكة وأتون الحروب والخراب.

ولم يسعفنا التاريخ إلا بقلة من القادة والزعماء الذين تنكّبوا درب المعرفة والحق والعلم والابتكار، أو ممن ذهبوا إلى أبعد شوط في المشاعر، فتركوا لحواسهم أن تشتعل في نار الحب التي تكوي أضلاعهم.

ومن بين هؤلاء القلة، كان الزعيم الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران الذي كان خبيراً وداهية في السياسة، لكنّ ذلك ربما كان بسبب العلاقة الحميمية السرية التي جمعته بتلك الفتاة ذات التاسعة عشر عاماً التي وهبته لذة الحياة، رغم أنه كان متزوجاً وله ولدان وعمره ستة وأربعون عاماً.

أول رسالة كتبها ميتران إلى آن، كانت في عام 1962، أي بعد فترة قصيرة من اللقاء الذي جمع بينهما في هوسيغور في منطقة لاند، حيث كان ميتران يقضي إجازته مع عائلة بينجو الذي كان والدها صديقه.

وأما آخر رسالة، فيعود تاريخها إلى سبتمبر (أيلول) 1995، أي قبل بضعة أشهر فقط من وفاته، بعد أن فتك به السرطان، وكتب فيها ميتران الذي كان مريضاً جداً وغادر إلى منطقة بريتاني للراحة "آن، لقد كنتِ فرصة العمر بالنسبة إلي".

ونشرت هذه الرسائل دار غاليمار في باريس، متزامنة مع يوميات آن ما بين عامي 1964 و1970. إنها ست سنوات خط خلالها ميتران رسائل لعشيقته في 22 دفتراً من القطع الكبير، حيث كان يقص ويلصق المقالات السياسية والبورتريهات التي تكتب في الصحافة عنه والرسومات الكاريكاتورية وحتى الإعلانات، ويكتب ملاحظات عليها، وحين ينتهي الدفتر يسلمه لها، كدليل على عشقه وولهه بها.

اخترق ميتران كل الحدود، وأصغى كما لو أنه شاعر أو نحات، لإيقاع قلبه الذي تاه في حب آن بينجو منذ خطفت لبّه في أول لقاء تعانقت فيه النظرات والهواجس، وكان حينها عضواً في مجلس الشيوخ ووزيراً سابقاً. أما بينجو، فكانت شابة مولعة بالفنون وسليلة عائلة مرموقة.

أكثر من ألف رسالة مؤثرة جداً كتبها ميتران العاشق إلى حبيبته ووالدة ابنته الوحيدة "مازارين"، وهي رسائل تكشف مقدار الظمأ الروحي والعاطفي الذي كان يستشعره تجاه هذه الأنثى التي خلخلت كيانه. فللمرة الأولى كما يقول: "أخرج من ذاتي" ويدخل في حريق علاقة ملتبسة وسرية صاخبة مع فتاة رأى في "ملامسة ثغرها طعم ماء من السماء".

يقول ميتران لآن في رسالة بتاريخ 12 كانون الثاني (يناير) 1966: "عليك أن تعلمي أنني آخذ في الحُسبان إلى أي حدّ يصعب عليك أن تعيشي كلّ يومٍ في توافُق مع جميع تطلعاتِ كينونتك. أنا أيضاً أغضب من نفسي لأنني لا أساعدكِ جيداً، ولأنني أزيد الأمور تعقيداً، ولا أقدّم إليكِ، إذا ما قدمتُ، طمأنينة مُساوقة للحبّ الذي يجمعنا. أنتِ تعلمين أنّ الحب ألمٌ بين اثنيْن".

ألا يدقق أحدهم في حكمة اللغة هنا: الحب ألمٌ بين اثنين. إنه يلخص المعاناة الأبدية للعشاق، وهذا لا يصدر عن سياسي ورئيس لاحق، وإنما عن شاعر مرهف وفنان مترف وإنسان رومانسي ظل يحتفظ بصهيل الخيول في دمه على مدى ثلاثة وثلاثين عاماً.
ولم تكن تلك العلاقة التي نبتت كألم ممض ولكنه لذيذ، لتأخذ هذه الطبيعة التراجيدية لو لم يكن الشغف عمادها. لهذا تدهم العاشق الحيرة وهو يرى حبيبته السرية وحيدة، أو وهو يرى ذاته مقتلَعاً من الواقع، ومنقذِفاً نحو امرأة لا يستطيع، لحساسية موقعه، أن يفصح عنها، أو يبوح بأسراره معها. إنها الدرب المسيّجة بالأشواك، ولهذا راح يخاطبها ذات رسالة ملتهبة، كما كتب الناقد المغربي محمد برادة: "يقول أراغون: من أين يأتيني هذا الحزن الكبير؟ لا الصعتر ولا إكليل الجبل، احتفظا بِعِطر الدموع.... يا حُبي، يا آني، قبل أن أنام أكتب إليكِ هذه السطور. ما زلت أحتفظ في أذني بكلماتكِ، بخاصة كلمة: الوحدة. أنتِ إذاً وحيدة. كان لديّ شعور قويّ بأنني أمنحكِ حضوراً، هو حضور حبي المستمر، الحيّ، الشغوف إلى درجة تجعلني مضطرباً في شكل فظيع. أكاد أسقط من التعب، ولن أقول لكِ هذا المساء سوى العبارات القديمة: أحبكِ، أنا لك، أنا حزين، شقيّ بسببك، أقبّلك (...) أحلم بخطواتنا المتناسقة، وقلبي الخافق هو نفسه الذي كان يتوغّل منذ سنتيْن، في يأس الانتظار يوماً بيوْم. أحبكِ...".

وكان ميتران، الذي خاطب حبيبته في المراسلات الأولى بـ "الآنسة آن بينجو" وعدها بتزويدها بنسخته من كتاب "سقراط" لأفلاطون، لأنّ "هذا الكتاب البسيط سيكون الرسول الذي سينقل لك الذكرى المخلصة التي أحفظها من بضع ساعات قضيتها ذات صيف جميل"، فـ "معك، أقيم تبادلاً فكرياً وتواصلاً واتحاداً.. أشعر كأني نلت الخلاص، والقلب يطير فرحاً معك تستيقظ مشاعر لم أخبرها يوماً".

وقد لاحظ متابعون أنّ آن بينجو لم تفصح عن رسائلها إلى ميتران، فظلت صورة العاشق وحده هي التي في الضوء، أما رسائل المعشوقة فظلت طيّ الكتمان، ولا ندري إن كانت بينجو ذات الثالثة والسبعين عاماً تفكر في إشهار رسائلها إلى "السيد الرئيس" أو إن كان ثمة رسائل لتنشر في الأصل.

رغبت هذه السيدة الكتومة، كما تذكر صحيفة "القبس" من خلال نشر هذه الرسائل الحميمة أن ينشر كل شيء، وألا تخضع هذه الرسائل لأي رقابة. ويرجع عدد من المقربين من عشيقة ميتران هذا الخيار إلى أسباب عدة، أبرزها أنّ الكتاب سيكون شهادة تاريخية تكشف الوجه الآخر للرئيس، الأديب من خلال رسائله الرومانسية، وأيضاً لأنّ الوقت يبدو مناسباً لنشر هذه الرسائل، خاصة بعد مرور 20 عاماً على وفاة ميتران".

ولعل الأمر يشبه بشكل أو بآخر ما فعلته الأديبة السورية غادة السمّان من إطلاقها كتابين؛ هما بمثابة رسائل تلقتها من أديبين بارزين: غسان كنفاني وأنسي الحاج. وفيهما يعبر الأديبان عن حرائقهما الداخلية تجاه المعشوقة التي خبأت، بذرائع عديدة، رسائلها إليهما، وقد كنا أشرنا إلى ذلك بإسهاب في مقالتنا في "ذوات" المنشورة بتاريخ 11 دسيمبر 2016 تحت عنوان "غادة السمان ومصارع العشاق".

ولم تكن السمان غائبة عن رسائل ميتران إلى عشيقته، فقد كتبت مقالة في "القدس العربي" استحضرت فيها ذاتها، ودافعت عن حق الإنسان في عدم الإفصاح عن رسائله، وعن حق المعشوقة في ألا تنشر رسائلها. تقول السمان في هذا السياق "صدرت هذه الرسائل في باريس ولم يرتفع صوت واحد يكتب أو يقول إن بانجو بنشرها (شوّهت صورة ميتران) أو ليتهمها بأنها عميلة أجنبية ضد الاشتراكيين أو أنّ الرسائل مزورة، أو أنّ التخطيط لنشرها تم في البنتاغون كما كان سيحدث عندنا. أي أنّ ردة الفعل الفرنسية على صدور الرسائل كانت حارة وجميلة ورسائل الحب الرائعة المتبادلة بين مبدعين تلقى إقبالاً وترحاباً في الغرب. أما نحن فما زلنا نصر على الازدواجية، ونعتبر قول الحقيقة البشرية مؤامرة ضد القبيلة، والحب عندنا (فضيحة).

واستعانت السمّان بعبارة للشاعر اللبناني عباس بيضون "حين قال معلقاً على مطالبة البعض لكاتبة بنشر رسائلها إلى الحبيب مع رسائله (وهي ليست بحوزتها طبعاً) قائلاً: كأنهم يقولون هاتي فضيحتك. أيضاً (وضعوا فضيحة مقابل فضيحة)".

وقالت إننا "كعرب شعب (طاعن) في الحب وعريق، أما اليوم فرسائل الحب عندنا مصيرها التمزيق أو الفضيحة".

وكيلة أرشيف الرئاسة الفرنسية دومينيك بارتينوتي أعربت عن أسفها لما وصفته خرقاً للحياة الخاصة والحميمية للرئيس السابق. وقالت في تصريحات صحفية: "يمكن أن نكتشف، لاحقاً، بأنّ ميتران كان موافقاً على نشر رسائله، لكن إن لم يكن الأمر كذلك فنشرها يدلّ على أننا تحولنا إلى مجتمع قلق ومخيف لن يستطيع فيه المسؤولون التمتّع بحياة خاصة".

آن المعشوقة الغامضة، التي عاشت أكثر من ثلاثين عاماً في الظل والعتمة، احتفظت بأسرار علاقتها بميتران، وأفصحت عما تستطيع الكشف عنه. وقد صمتت طيلة هذه الفترة، ولم تخرق الصمت سوى مرة واحدة، حين تحدثت لفيليب شورت الصحافي السابق في "بي بي سي" وكاتب سيرة الرئيس السابق، تنفيذاً لنصيحة أندريه روسيلي (صديق العاشقين) الذي قال لها بأنها لن تستطيع البقاء في الظل أبد الدهر، فتحدثت آن عن 30 سنة من السعادة والتعاسة عاشتها مع ميتران.

وقالت آن أيضاً، إن ولادة مازارين في عام 1974 هي الهدية الحقيقية الوحيدة التي تلقتها من ميتران الذي لم تعرف أحداً غيره، ولكنها تحدثت أيضاً عن خيبة أملها حين أدركت أنّ منزل لاتش لن يخصص لهما، وأضافت: "كانت رسائله تحمل الكثير من الحب وكنت أصدقها، كنت آمل أن يكون لي بيت معه، مثلما كان يكتب لي. كم كنت غبية، لكن الأصعب بالنسبة لي كان اكتشاف أني لم أكن المفضلة بالنسبة إليه".

ميتران العاشق، الذي أدرك مبكّراً أنّ الحب ألمٌ بين اثنيْن، قال لآن في رسالة أخيرة وهو يصارع الموت: "فقدك يعني لي الدمار، الوحشة، اليأس!".

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق