نزار قباني.. شاعر الإنسان
18 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

كان يتنفّس الشّعر. يتحدّث الشّعر. يأكل الشّعر. يمشيه. يوقّعه. ينفثه كساحر. يخيط به أردية للصبايا والعجائز والشّيوخ والرجال والنساء. يصنع منه الأمصال المثلى ضد الحقد والكراهية والتخلف والتحجر والجاهلية. فطارت قصائده في الأرجاء على الألسنة تقال في المقاهي والنوادي وفي محطات الحافلات، وترسم مقاطع شعره على جدران المدن وعلى الأرصفة مثل تمائم قديمة. إنه "نجم" من أبرز نجوم الشعر في القرن العشرين: نزار قباني، الشاعر السوري الذي حول الشعر من درس عسير في البلاغة إلى كلمات يتأتئ بها الأطفال في المدارس ويتناقلها الفلاحون والبسطاء دون أن تفقد قيمتها الفنية أو أن تدخل دائرة السذاجة والابتذال.

في البيت الدّمشقيّ

رسم نزار لحظة ولادته رسماً شعرياً استعارياً قرن فيه بين أمه والأرض. يقول في كتابه "قصتي مع الشعر": "يوم ولدت في 21 مارس (آذار) 1923، في بيت من بيوت دمشق القديمة، كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة.. وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء. الأرض وأمّي حملتا في وقت واحد.. ووضعتا في وقت واحد. هل كان مصادفة يا ترى أن تكون ولادتي في الفصل الذي تثور فيه الأرض على نفسها، وترمي فيه الأشجار كل أثوابها القديمة؟ أم كان مكتوبا عليّ كشهر آذار، شهر التغير والتحولات؟".

حول الشاعر السوري نزار قباني الشعر من درس عسير في البلاغة إلى كلمات يتأتئ بها الأطفال في المدارس ويتناقلها الفلاحون والبسطاء 

جعل نزار من البيت الذي ولد فيه سرا من أسرار شعره ومدخلا من أهم مداخله. إنه "قارورة العطر" التي أقام فيها ونشأ نشأته الأولى: "بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر والأحمر والليلكيّ، وتبدأ سمفونية الضوء والظل والرخام. شجرة النارنج تحتضن ثمرها والدالية حامل والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ، وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا. أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء، وتنفخه، وتستمر اللعبة المائية ليلا نهارا، لا النوافير تتعب ولا ماء دمشق ينتهي".

في هذه القطعة المكانية الجميلة، حبا نزار الطفل وفتح عينيه على الجمال وتشرّبه بحواسه جميعا، فكان شعره طافحا بعناصر بيت نشأته، يعبق برائحة الياسمين. يقول:

أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي                لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ

و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم                 سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا

زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا        وما لقلـبي - إذا أحببـتُ - جـرّاحُ

ألا تزال بخير دار فاطمة                         فالنهد مستنفر والكحل صبّاح

إن النبيذ هنا نار معطرة                         فهل عيون نساء الشام أقداح

مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني                  وللمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ

للياسمـينِ حقـولٌ في منازلنـا          وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ

طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا                فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ

لم يكن أمام الفتى الدّمشقيّ الّذي نشأ هذه النّشأة سوى أن يكون فنانا مختلفا. جرب في صباه الموسيقى وولع بها ولعا شديدا، غير أن ثقل دروسها صرفه عنها، فولع بالرسم، وظهر ذلك فيما بعد في شعره الحافل بالألوان والأوتار:

يُسمعني حـينَ يراقصُني

كلماتٍ ليست كالكلمات

يأخذني من تحـتِ ذراعي

يزرعني في إحدى الغيمات

والمطـرُ الأسـودُ في عيني

يتساقـطُ زخاتٍ زخات

يحملـني معـهُ يحملـني

لمسـاءٍ ورديّ الشُـرفـات

وأنا كالطفلـةِ في يـدهِ

كالريشةِ تحملها النسمـات

يحمـل لي سبعـة أقمـــــــــارٍ

بيديـه وحزمـة أغنيـــــــــات

ويبدو تأثره بالرسم واضحا في بعض قصائده منها قصيدة "أرسم الوطن" التي يقول فيها:

جرب في صباه الموسيقى وولع بها ولعا شديدا، غير أن ثقل دروسها صرفه عنها، فولع بالرسم

كأس 1

عندما أشرب الكأس الأولى

أرسم الوطن دمعةً خضراء

وأقلع ثيابي..

وأستحم فيها...

كأس 2

عندما أشرب الكأس الثانية

أرسم الوطن على شكل امرأةٍ جميلة..

وأشنق نفسي بين نهديها...

كأس 3

عندما أشرب الكأس الثالثة

أرسم الوطن على شكل سجنٍ..

أقضي به عقوبة (الأشعار) الشاقة المؤبدة..

كأس 4

عندما تفقد الزجاجة ذاكرتها

أرسم الوطن على شكل مشنقة

تتدلى منها قصائد في احتفالٍ مهيب

يحضره الباب العالي...

وكلبه السلوقي

ومستشاره السلوقي

ورئيس مصلحة دفن الموتى

ووزير التعليم العالي

ورئيس اتحاد الكتاب

ورئيس الكهنة.. وقاضي القضاة..

وجميع وزراء الدولة الذين عينوا بمراسيم مستعجلة

ليقتلوا الشاعر.. ويمشوا في جنازته..

يقول نزار في كتابه "قصتي مع الشعر" متحدثا عن غرامه بالرسم في سن العاشرة: "الرسم! ربما كان هو قدري.. وغرقت سنتين أو ثلاثا في قوارير اللون والصباغات والأقمشة. رسمت بالماء وبالفحم وبالزيت، رسمت أزهارا وثمارا وبحارا ومراكب وغابات وشواطئ ونساء عاريات. لم أكن رساما رديئا، ولكنني لم أكن أيضا رساما جيدا". وقد جعله هذا الموقف المتواضع من قدراته في الرسم، ينتقل إلى عالم الأوتار: "اتفقت مع معلم للموسيقى. وبدأت أتعلم الصولفيج. وفي الدرس الثاني، شعرت أن الصولفيج كجدول الجمع والطرح علم أبله، يستند إلى المعادلات والأرقام الحسابية. ولما كان علم الحساب يروعني، فقد قررت أن أوقف الرحلة من بدايتها. ورميت آلتي وقطعت أوتاري وسقطت في حيرتي من جديد".

نزار أشد الشعراء جرأة في حديثه عن المرأة، خصوصا في البيئة العربية المنشدة إلى قيم الفحولة والرجولة والأخلاق وأعراف القبيلة

ولكن هذا الولع المبكر بالرسم والموسيقى لم يمت، إذ ظلت الأجراس تتقارع في شعر نزار وتختصم الألوان لتكتمل القصيدة قطعة فنية بديعة التكوين تخاطب في المتلقي حواسه الخمس، تدغدغه فإذا هو منصاع إليها واقع تحت سلطانها لا يستطيع لها رداً.

شاعر المرأة أم شاعر الإنسان؟

أطلق على نزار لقب "شاعر المرأة" لا لكثرة تناوله قضايا المرأة في شعره بالنقد، بل لأنه جعل منها موضوعا رئيسا ورمزا ناقش من خلاله كل القضايا المتعلقة بالمرأة العربية في القرن العشرين، بل إنه كان، علاوة على هذا، أشد الشعراء جرأة في حديثه عنها، خصوصا في البيئة العربية المنشدة إلى قيم الفحولة والرجولة والأخلاق وأعراف القبيلة. خرق نزار القيود وحفلت قصائده بنهود الصبايا والحلمات، وشكلت قصائده معارض للفساتين والأقراط والتسريحات والأساور. نفض عن المرأة غبار الأزمنة، وأطلقها في الريح أيقونة معاصرة تخنق الأفئدة عطورها وتفتن العيون حقائب يدها. ربما لهذه الأسباب رمته بالكفر والزندقة قلوب لم تتعود سماع قهقهة نسوية منطلقة في قصيدة، ولا رأت ارتجاج نهد في الشارع الرئيس، ولا أغشى عيونها بريق أساور وأقراط، فشنت عليه حملات عنيفة منذ ديوانه الأول "قالت لي السمراء". وصف نزار هؤلاء وصفا دقيقا: "إنهم التاريخيون الذين يخافون من سقوط امتيازاتهم الزمنية، ويخافون أن تحدث ثورة في سجن النساء.. ويخافون أن تطلبهم المرأة إلى "بيت الطاعة".. ويخافون أن تتزوج عليهم أربعة رجال، كما يتزوجون عليها.. ويخافون أن تطبق المرأة العربية عليهم قانون "السن بالسن والعين بالعين" فيبقون بلا عيون ولا أسنان".

هو المدرك أن "اختيار المرأة كموضوع رئيس للكتابة هو اختيار صعب، وأن الحديث عنها هو حديث في المحرمات، وأن من يمسك يد امرأة، كالذي يمسك جمرة مشتعلة". وقد بين نزار موقفه من لقب "شاعر المرأة" الذي اعتبره مجرد "لصقة طبية" وضعتها الصحافة على جلده ذات يوم، يقول: "كانوا يسمونني إذن "شاعر المرأة". وفي الماضي كان اللقب يسليني، ثم أصبح لا يعنيني، وفي الفترة الأخيرة أصبح يؤذيني. تحول من نعمة إلى تهمة، ومن وردة إلى رمح مزروع في خاصرتي". ولتضايق نزار من اللقب أكثر من سبب أهمها أن المرأة والحب ليسا موضوعين حصريين في شعره: "إنني لا أنكر وفرة ما كتبت من شعر الحب، ولا أنكر همومي النسائية، ولكنني لا أريد أن يعتقد الناس أن همومي النسائية هي كل همومي". إنه لقب يأسره في زاوية من زوايا الإنسانية، والحال أن شعر نزار أكثر إلماما بالإنسان وقضاياه وهمومه وعواطفه وآماله وهزائمه. وليست المرأة سوى بعد واحد من هذه الأبعاد جميعا.

وأما قصائده في الحب والمرأة نفسها، فإنها طافحة بأسمى معاني الإنسانية بعيدا عن كل تصنيف جندري، يقول في "قصيدة الحزن" الشهيرة:

أدخلني حبكِ.. سيدتي

مدن الأحزانْ..

و أنا من قبلكِ لم أدخلْ

مدنَ الأحزان..

لم أعرف أبداً..

أن الدمع هو الإنسان

أن الإنسان بلا حزنٍ

ذكرى إنسانْ

السياسي في شعر نزار

لم يكن نزار معزولا عن واقعه بأبعاده الاجتماعية والسياسية، وجه نقدا لاذعا لمسائل عديدة كان الشرق يعانيها، وما تزال لقصائد كثيرة من شعره راهنية وارتباطا بواقعنا الراهن. لنتذكر مثلا قصيدة "خبز وحشيش وقمر" المنشورة في الخمسينيات من القرن العشرين التي أثارت ضجة كبرى لقوة نقدها للواقع العربي المقهور الذي يتخبط في التمزق والتيه والضياع تحت نير الاستعمار والجهل. يقول منتقدا الشرق المغيّب في الخدر:

لم يكن نزار معزولا عن واقعه بأبعاده الاجتماعية والسياسية، وجه نقدا لاذعا لمسائل عديدة كان الشرق يعانيها

عندما يولدُ في الشرق القمرْ..

فالسطوحُ البيضُ تغفو

تحت أكداس الزَهَرْ..

يترك الناسُ الحوانيت ويمضون زُمَرْ

لملاقاةِ القَمَرْ..

يحملون الخبزَ.. والحاكي.. إلى رأس الجبالْ

ومعدات الخدَرْ..

ويبيعونَ.. ويشرونَ.. خيالْ

وصُوَرْ..

ويموتونَ إذا عاش القمر..

***

ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ؟

ببلادي..

ببلاد الأنبياءْ..

وبلاد البسطاءْ..

ماضغي التبغ وتجَّار الخدَرْ..

ما الذي يفعله فينا القمرْ؟

فنضيع الكبرياء..

ونعيش لنستجدي السماءْ..

ما الذي عند السماءْ؟

لكسالى..ضعفاءْ..

يستحيلون إلى موتى إذا عاش القمرْ..

ويهزّون قبور الأولياءْ..

علَّها ترزقهم رزّاً.. وأطفالاً..قبورُ الأولياءْ

ويمدّون السجاجيدَ الأنيقات الطُرَرْ..

يتسلون بأفيونٍ نسميه قَدَرْ..

وقضاءْ..

في بلادي.. في بلاد البسطاءْ..

ويعرف نزار بقصيدته الشهيرة "هوامش على دفتر النكسة" التي كانت تعقيبا على نكسة 1967، ونقدا لاذعا "للفكر الذي قاد إلى الهزيمة" كما يقول. وقف فيها نزار وقفة حازمة لجلد الذات دون أقنعة ولا تجميل، ودفع ثمنها غاليا، إذ منعت قصائده في الإعلام المصري زمناً، وصدر في الخفاء في شأنه قرار يمنعه من دخول مصر.

كان يؤمن بأن طبيعة الإبداع هي طبيعة انقلابية، والعمل الإبداعييسعى لإلغاء الأشكال والأفكار والقناعات القديمة 

يقول ف القصيدة:

أنعي لكم، يا أصدقائي، اللغةَ القديمه

والكتبَ القديمه

أنعي لكم..

كلامَنا المثقوبَ، كالأحذيةِ القديمه..

ومفرداتِ العهرِ، والهجاءِ، والشتيمه

أنعي لكم.. أنعي لكم

نهايةَ الفكرِ الذي قادَ إلى الهزيمه

2

مالحةٌ في فمِنا القصائد

مالحةٌ ضفائرُ النساء

والليلُ، والأستارُ، والمقاعد

مالحةٌ أمامنا الأشياء

3

يا وطني الحزين

حوّلتَني بلحظةٍ

من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين

لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

4

لأنَّ ما نحسّهُ أكبرُ من أوراقنا

لا بدَّ أن نخجلَ من أشعارنا

5

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ

لأننا ندخُلها..

بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ

بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ

لأننا ندخلها..

بمنطقِ الطبلةِ والربابهْ

6

السرُّ في مأساتنا

صراخنا أضخمُ من أصواتنا

وسيفُنا أطولُ من قاماتنا

7

خلاصةُ القضيّهْ

توجزُ في عبارهْ

لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ

والروحُ جاهليّهْ...

لقد كان نزار منخرطا في القضايا العربية والإنسانية. يقول في قصيدة "أطفال الحجارة":

بهروا الدنيا..

وما في يدهم إلا الحجاره..

وأضاؤوا كالقناديلِ، وجاؤوا كالبشاره

قاوموا.. وانفجروا.. واستشهدوا..

وبقينا دبباً قطبيةً

صُفِّحت أجسادُها ضدَّ الحراره..

قاتَلوا عنّا إلى أن قُتلوا..

وجلسنا في مقاهينا.. كبصَّاق المحارة

واحدٌ يبحثُ منّا عن تجارة..

واحدٌ.. يطلبُ ملياراً جديداً..

وزواجاً رابعاً..

ونهوداً صقلتهنَّ الحضارة..

واحدٌ.. يبحثُ في لندنَ عن قصرٍ منيفٍ

واحدٌ.. يعملُ سمسارَ سلاح..

واحدٌ.. يطلبُ في الباراتِ ثاره..

واحدٌ.. بيحثُ عن عرشٍ وجيشٍ وإمارة..

آهِ.. يا جيلَ الخياناتِ..

ويا جيلَ العمولات..

ويا جيلَ النفاياتِ

ويا جيلَ الدعارة..

سوفَ يجتاحُكَ - مهما أبطأَ التاريخُ -

أطفالُ الحجاره..

شاعر المحن

كان نزار على علم بأنه إنما يقرع طبلا مزعجا في آذان النائمين المنشدّين إلى قوانين العشيرة والقبيلة، وكان على دراية بأن قدره أن يكون مطارداً حيثما حلّ، فمروّج شعر جريء هو أشبه بمروّج تميمة ضد الموت، مطلوب رأسه حيا أو ميتا. فللعرب بلاغتها الصارمة ونحوها الدقيق وأخلاقها وضوابطها الدينية وتجربتها الشعرية التي لا ترى شعراً سوى في العمود التقليدي الذي تربت عليه أذنها آلاف السنوات، فكيف يجرؤ شاعر شاب لمّا يتجاوز العشرين من العمر على "النظام" بديوان "قالت لي السمراء" بما فيه من جرأة على عمود الشعر، وعلى المنظومة الأخلاقية الصارمة. إيمانا منه بأن "طبيعة الإبداع هي طبيعة انقلابية، والعمل الإبداعي، شعراً أم رواية أم مسرحاً أم فنوناً تشكيلية يسعى لإلغاء الأشكال والأفكار والقناعات القديمة وتأسيس أشكال وأفكار وقناعات جديدة". ولما كان الأمر كذلك، فلا بد من أن نسمع صوت علي الطنطاوي قائلاً بعد نشر مجموعة "قالت لي السمراء" عام 1944: "يشتمل على وصف ما يكون بين الفاسق والقارح والبغيّ المتمرّسة الوقحة وصفا واقعياً، لا خيال فيه، لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل غني، عزيز على أبويه، وهو طالب في مدرسة".

ترك نزار عشرات المجموعات الشعرية والكتب النثرية الماتعة التي رفعته، ليكون تجربة من أهم التجارب الشعرية في القرن العشرين

ويواصل الطنطاوي سخريته اللاذعة من الكتاب قائلاً: "وفي الكتاب تجديد في بحور العروض، يختلط فيه البحر البسيط والبحر الأبيض المتوسط، وتجديد في قواعد النحو لأن الناس ملوا رفع الفاعل ونصب المفعول، ومضى عليهم ثلاثة آلاف سنة وهو يقيمون عليه، فلم يكن بد عن هذا التجديد"، غير أن نزاراً، على صغر سنه حينها، لم ينثن عن مواصلة الكتابة متيقناً من أن الصياح دأب من انكسر من أضلاعه ضلع، وهو بكتابه أخذ يكسر أضلاع التاريخ والتراث وعمود الشعر ونظرة القبيلة إلى المرأة. وتواصلت الحملات الشرسة ضده فيما بعد، لما نشر عام 1954 قصيدته اللاذعة "خبز وحشيش وقمر". ولكن أعظم محنة عاشها نزار أنه فقد زوجته التي أحب، بلقيس الراوي، بعد اثني عشر عاما من الحب الصادق، بلقيس التي توفيت في 15 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1981، في حادثة تفجير السفارة العراقية في بيروت، فقال نزار "عن العرب العجب" في قصيدة حملت اسمها واعتبرها نقاد كثيرون أفضل مرثية في التاريخ:

شُكْرَاً لَكُمْ

شُكْرَاً لَكُمْ

فحبيبتي قُتِلَتْ وصارَ بوسْعِكُم

أن تشربوا كأساً على قبرِ الشهيدة

وقصيدتي اغتيلت..

وهَلْ من أُمَّةٍ في الأرضِ..

- إلاَّ نحنُ - تغتالُ القصيدة؟

 

أما اليوم، فماذا لو كان نزار حياً؟ هل سيجد مكاناً لجرح بلقيس أو هند أو دعدٍ، أو حتى لجراحه الشخصية، لما يرى سوريا، وشتات سوريا؟ هل سيحتمل الشاعر ضياع "البيت الدمشقي"؟ هل سيحتمل رؤية الوطن، وهو يمّحي ويزول يوما بعد يوم، في حرب استنزاف لم يسهد لها التاريخ مثيل: لا تعرف فيها أطراف النزاع ولكنك ترى شتات الأطفال والأرامل والصبايا في كل مكان؟

لا أتصور أن نزاراً يمكن أن يحتمل المشهد لحظة، لذلك غادرنا في 30 أبريل (نيسان) 1998، تاركاً لنا فرصة "الاستمتاع" بصورة أيلان السوري ملقى على حافة شاطئ من شواطئ العبور من الجحيم إلى الجحيم.

تجربة استثنائية

انخرط نزار في قضايا الإنسانية شاعراً فذاً متمرداً على طابوهات القبيلة والعشيرة ينثر الأحلام على أفواه الفنانين العمالقة الذين تغنوا بقصائده ونشروها في كل شبر: عبد الحليم حافظ وماجدة الرومي وأم كلثوم ونجاة الصغيرة وكاظم الساهر والقائمة طويلة.. وكان نزار أول من حول الشعر إلى مادة سهلة التداول، تسمع قصائده فتقول: بإمكاني أن أقول مثلها، إنها السهل الممتنع، ولكنك إذ تحاول، تسخر من عجزك وتبهت أمام سلطان موسيقى العبارات وتذهلك الألوان والخطوات على سطح القصيدة. تلحظ هذا في شعر نزار كما في نثره، ذلك أنه كان شاعرا حتى في نثره وفي حواراته وفي لقاءاته التلفزيونية وفي مقابلاته وفي إلقائه لشعره في المنابر.

ترك نزار عشرات المجموعات الشعرية والكتب النثرية الماتعة التي رفعته، ليكون تجربة من أهم التجارب الشعرية في القرن العشرين إلى جانب أسماء لامعة أخرى انتقلت بالشعر العربي من العمود المتحجر إلى السلس الأنيق المكثف المتلاشي في المعنى وثراء التصوير.

* كاتب وإعلامي تونسي

* مقال منشور ضمن العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Ek88zF

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق