هيدجر: فيلسوف الوجود وماهيته
23 سبتمبر 2014 | 0 تعليق

ذوات - نزهة صادق

برز اسمه في سماء الفلسفة المعاصرة عموماً والفلسفة الوجودية خصوصاً، حيث أسس المذهب الوجودي وجعله من أكبر المذاهب الفلسفية المعاصرة، وضع مجموعة من الأطروحات والمفاهيم التي عرفت بها الفلسفة الوجودية بمختلف تياراتها، إنه مارتن هيدجر الفيلسوف الذي أقام البنيان العام للمذهب الوجودي، والقطب الذي بحث عن مفهوم الوجود من خلال إعادة تأسيس الميتافيزيقيا، ليكشف عن فلسفة الوجود، وليبحث عن الأنطولوجيا الكامنة المستترة بالطريقة الهيديجيرية التي بنى بها تصوراته للجود، ليصبح بذلك فيلسوف الوجود وماهيته.

وجه الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر (1889 - 1976)، الذي درس في جامعة "فرايبورغ" تحت إشراف إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، ثم أصبح أستاذاً فيها، اهتمامه الفلسفي إلى مشكلات الوجود والتقنية والحرية والحقيقة وغيرها من المواضيع التي تهم الإنسان في وجوده.

وكانت تجربة مارتن في القلق، تجربة متميزة وأساسية، حيث كشف عن معنى الوجود (L’être) انطلاقاً من العدم، ويرجع ذلك إلى تجربته الخاصة مع القلق الذي عايشه في علاقته بفكرة العدم؛ فالإنسان يقلق وذلك لإدراكه بأنه محكوم في النهاية بالموت الذي هو العدم نفسه، والقلق ليس الخوف؛ فالقلق الذي عايشه مارتن ومنحه الإلهام لبناء نظريته ومفاهيمه، والذي تميز بكونه موضوعاُ غير مفهوم ومبهم، لم يكن مرتبطاً بالشعور بالذنب بعد ارتكاب خطيئةٍ ما كما عند الفيلسوف سيرين كيركغور، وإنما نشأ من الخوف من العدم، وكان مصدره الوجود. "وما القلق إلا حالة الخوف المطلق أمام العراء المطلق" كما قال.

كشف مارتن هيدجر عن معنى الوجود (L’être) انطلاقاً من العدم، وبناء على تجربته الخاصة مع القلق وسؤال الموت.

في دراسته للوجود والعدم، انطلق هيدجر من دراسة الموجود (الذي هو الإنسان) لدراسة ماهية الموجود، حيث يرى بأن هذا الأخير هو كائن موجود في العالم، ومعنى ذلك أنه يتواجد ضمن الوجود المادي لأشياء العالم، لكنه يختلف عن هذه الأشياء بتميزه بخصوصيات ومنها ذاتيته وفرديته، كما أنه يتواجد مع ذوات آخرى تشبهه وتختلف عنه؛ أي أن الذات ليست ذاتاً مستقلة تمام الاستقلال، بل على العكس من ذلك هي تتواجد مع ذوات آخرى؛ فالإنسان حسب هيدجر يتميز بوجودين: وجود في العالم ووجود مع الآخرين، إذ قسم هاذين الوجودين إلى الوجود الحقيقي، والوجود الزائف.

وقد أوضح هيدجر فيما يخص تصنيفه للوجود بأن الوجود مع الآخرين يتجلى في كون الأنا الموجود في العالم يعيش بين الأشياء والآخرين، ويمتلك من الإمكانات والطاقات ما يمكنه من ربط علاقات إيجابية مع العالم الخارجي، ومن تقاسم وجوده مع غيره من الذوات الأخرى، موضحاً أنه على الرغم من هذه القدرات التواصلية التي يمتلكها الفرد في علاقته الوجودية مع الآخر، إلا أن هذا الوجود يحمل وجهان متناقضان، واحد سلبي والآخر إيجابي، وذلك تبعاً للأساليب التي ينهجها الفرد في حياته، حيث يعتبر الجانب الإيجابي أسلوباً أصيلا ويشكل نقيضه الأسلوب الزائف، إذن فالوجود الحقيقي، على حد قول هيدجر، ينطلق من تحمل الإنسان لمسؤولياته واختياراته وقدرته على اتخاذ القرارات بوعي كامل بالأوضاع والظروف التي تحيط به.

أما الوجود الزائف، فيرى هيدجر أنه الوجود النمطي الغارق في الحاضر، حيث ينفصل الشخص عن اختياراته الذاتية وإمكانياته الخاصة، ويصبح تابعاً لإرادات الآخرين، فيسقط في حالة الاغتراب التي ينعزل فيها عن ذاته ويتحول وجوده إلى شيء غريب عنه؛ فالحياة اليومية على سبيل المثال تفرغ الذات من وجودها الحقيقي، وتصبح مهددة من طرف الآخرين ولا تشعر بوجودها الحقيقي.

أجاب مارتن عن سؤال كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من هذا الوجود الزائف ليحقق وجوده الأصيل؟ معتبراً أن عملية التجاوز تتم عن طريق القلق وليس الخوف، مميزاً بينهما، فإذا كان الخوف من العدم، وهو الذي يدفع الإنسان إلى متاهات الثرثرة والفضول والغموض من أجل إخفاء ذاتيته والاطمئنان إلى الوهم، فإن القلق يساعده على معرفة العدم؛ أي التعرف على جدلية الوجود والموت؛ أي أنه موجود من أجل الموت، وأنه سيموت وحده ولن يشاركه أحد في تلك التجربة الرهيبة؛ من هنا يوضح مارتن أن القلق هو الوسيلة التي يتعرف الإنسان من خلالها على حقيقته، والأكثر من ذلك على عبثية الوجود برمته.

 أجاب مارتن عن سؤال كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من هذا الوجود الزائف ليحقق وجوده الأصيل؟

فالإنسان عندما يهرب من وجوده الزائف مع الآخرين يجد نفسه أمام حقيقة الموت الذي يضعه أمام اختيارين لا ثالث لهما، إما أن يفر إلى الآخرين ويحتمي بهم فيعود بالتالي إلى عالم الزيف والسطحية، وإما أن ينعزل لوحده، لينتظر مواجهة مصيره المحتوم.

أعاد هيدجر توجيه الفلسفة الغربية بعيداً عن الأسئلة الميتافيزيقية واللاهوتية والأسئلة الإبستمولوجية، ليطرح عوضاً عنها أسئلة نظرية الوجود (الأنطولوجيا)، وهي أسئلة تتركز أساساً على معنى الكينونة (Dasein)، ولقد اتهم من قبل الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين بمعاداة السامية، وتم لومه على انتمائه خلال فترة معينة للحزب النازي الألماني، وعلى الرغم من ذلك يبقى مارتن من الأقطاب التي أثرت بشكل كبير على أهم المدارس الفلسفية في القرن العشرين وخاصة الوجودية، التأويليات، فلسفة النقض أو التفكيكية، ما بعد الحداثة.

ويعد كتاب "الكينونة والزمان" الذي صدر عام 1927 من أهم ما كتب هيدجر في الفلسفة، حيث يعتبر المدخل الأفضل لقراءة الفلسفة الهيدجرية، إذ وضع فيه الأساسات والمنطلقات العامة لفلسفته الخاصة، وسعى من خلاله إلى التخلص من مرحلة التوظيف الأيديولوجي - السياسوي لاهتمامات الإنسان وهمومه، والقطع مع مرحلة تطويق أفقه بأنساق شمولية مسيطرة، وذلك بهدف إقامة نظرية متكاملة حول "الكينونة" من خلال وصف مادتها الأولية ألا وهي الكائن.

بعد أن خلق فلسفة جديدة، غادر هيدجر الحياة في 26 مايو(أيار) عام 1976، تاركاً وراءه إرثاً فكرياً، إذ أنه كوّن نسقاً فلسفياً مترابطا يغوص في الوجود والحياة، الشيء الذي لم يتكرر كثيراً في القرن العشرين عندما سيطرت الفلسفات الوضعية التي حاربت المذاهب الشمولية التأملية واعتبرتها مذاهب فارغة لا تؤدي ألفاظها إلى نتائج عملية؛ كما أن إنتاجاته المتفردة في مجال المفاهيم الفلسفية جعلت من مارتن أحد أقطاب الفكر الفلسفي الوجودي التي صاغت مذهباً يبحث في المعنى قبل أي شيء، ويماهي الوجود بما هو وجود، متبعاً منهجاً شديد الصرامة وأحياناً شديد الصعوبة، ما جاء بفلسفة جديدة مخالفة لسياق شيوع الفلسفات الوضعية، والقفزات العلمية الهائلة، خصوصاً في مجال الفيزياء الرياضية (النظرية النسبية، نظرية الكوانتم).

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق