وعي الذات النسائية احتواءً وإقصاءً في رواية "صخب" لقاسم توفيق
24 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

د. نادية هناوي سعدون *

مدخل

الاحتواء والإقصاء ظاهرتان فكريتان وسمتان ثقافيتان تخترقان الوعي البنائي للهوية النسائية في السرد، لتجعلا من المرأة، إما هوية محتوية داخل الآخر متماثلة معه ومتجانسة فيه ومنتمية إليه مانحة إياه كينونتها بشكل طوعي وبطاقة إيجابية قابلة للتماهي والإنماء، وإما هوية مقصية خارج الآخر متباينة عنه وغير متفاعلة معه بسبب تضادها العاطفي معه أو نفورها العدواني منه أو ازدواجها الحدي فيه واقعا وخيالا بما يؤدي إلى امتلاكها طاقة سلبية تسهم في التباس الوعي واستلابه إقصاءً وتهميشاً..

إذا كان فعل الإقصاء للشخصية النسائية يجعلها واقعة ضمن خط أفقي، فإن الاحتواء يسلك بها مسارا عموديا، جاعلا منها ظاهرة قابلة للتجدد والعطاء

والمرأة كذات احتوائية غالبا ما تكون جزءا غائرا في الآخر ليس لها حضور على المستوى السطحي، ولكنها فاعلة على المستوى العميق، في حين تغدو المرأة كذات إقصائية للآخر متمردة بسلبية تجاه نفسها وما حولها، ومتماهية في المستوى السطحي بفوضوية تغرِّب لها كينونتها وتتركها نهبا للضياع التام، وهي في كل أفعالها تغدو مقوِّضة لحالها ومسحوبة في خانة الآخر الذي يصادرها فعلا ولفظا سطحا وعمقا.

وإذا كان فعل الإقصاء للشخصية النسائية يجعلها واقعة ضمن خط أفقي، فإن الاحتواء يسلك بها مسارا عموديا، جاعلا منها ظاهرة قابلة للتجدد والعطاء بسبب إمكانية إضفاء التغيير على الدور المرسوم لها.

وهذا البناء السردي للشخصية النسائية ذات الهوية الاحتوائية، إنما يدخل في خانة الأدب النسائي، كونه يتأطر ضمن الكتابة ما بعد الحداثية. أما البناء السردي للشخصية النسائية ذات الهوية الإقصائية، فإنه سيكون منضويا في خانة الأدب الفحولي الذي يمتاز بكتاباته الضاربة في التاريخ اعتدادا والسائرة بمركزية التقليد التي لا ترى المرأة إلا ذاتا تابعة وموضوعا أدبيا مؤنثا..

وهذا النمط من البناء، إنما هو النسق المعتاد الذي داومت كتابات الرجال والنساء على تقديمه سرديا، لتظهر المرأة دوما بالقدر الذي يسمح به النسق المعلن.. ولو أراد هذا النسق أن يجعلها متمارية فيه؛ فإنه سيكفل لها ذلك أيضا، بالشكل الذي يبقيها قابعة في الذاكرة غيابا وإضمارا.

ولعل أهم الأدوار التي أوكل للمرأة أن تكون فيها موضوعا للفحولة وجسرا تشهر عبره بطولاتها، وتتمكن من أداء مركزيتها، هو دور الإغواء، إذ تبقى المرأة نسقا مضمرا ضمن متن قرائي فيه الرجل هو العامل. أما المرأة، فمجرد موضوع وظيفي لا غير.

وأهم سمات هذا الدور النسائي الإغوائي الذي هو موضوع سردي مضمر ومتمار في المرأة، إنما يتمثل في الاستلاب والقمع والمصادرة والتهميش والاتباع. وما بين الإعلان والإضمار يزداد حضور الشخصية النسائية (طفلة، فتاة، امرأة، عجوزا) بمراوغة النسقين المعلن والمضمر والتماري عليهما.

حتى إذا خرج الخطاب الروائي عن السياقات الثقافية المعتادة التي كانت قد رسمتها المسرودات عبر تاريخها الإنساني الطويل من حيث قمع المرأة والهيمنة عليها، فإن سياقات جديدة ستظهر، لتصبح المرأة ممارسة لعلاقات غيابية وحاضرة بشكل عمودي، مغادرة لأنساق الإضمار ومشهرة المغيب للعيان، ليتكلم بلغة تترجم ولا توحي، وتعبر ولا تصمت، وتستعرض ولا توهم وبرؤية واقعية لا استيهامية، وبقارئ جديد يدرك أن التضاد أساس التوتر، وأن كسر الاستيهام بالواقع هو أساس الفعل الدراماتيكي.

وبذلك تغدو الهوية النسائية الاحتوائية نسقا معلنا في سياق كتابي جديد لا يتموضع في خانة ما اعتيد على اعتباره موضوعا أدبيا أثيرا أو متنا قرائيا مستهلكا، كون الهوية النسائية ستغادر دروب المسرودات بتاريخها الطويل من خلال وعيها الديالكتيكي بالتغيير، وبأنها نسق معلن بقوة وثبات.

ولن يغدو حضورها في السرد إلا مخالفة لبنات جنسها اللائي جعلهن الحكي مجرد أدوات لكسر الصمت لا غير، من دون أن يرفضن الرضوخ والانقياد للآخر، فكن معابر مجانية تمر عليها الفحولة التي تمكنت بفضلهن من ارتقاء عروش السرد ردحا طويلا من الزمن، حتى ظلت المرأة مسرودا مؤنثا يضمن للفحولة الارتقاء والتربع والسمو والبطولة، وهو ما اضطلعت بأدائه حفيدات سيدوري صاحبة الحانة في ملحمة كلكامش وزليخة بإغوائها وشهرزاد بقدرتها على الترويض وكليوباترا بجمالها، وهكذا ..

أما المرأة في السرد النسوي ما بعد الحداثي، فإنها تخرق هذه النسقية التي داومت عليها السرديات التقليدية مفككة ثوابت الروي التقليدي ومسلماته وأهمها نسقية الإضمار قالبة إياها نسقا إعلانيا وإشهاريا، لتصنع المرأة سردها بنفسها ذاتا وموضوعا معا متخذة الحكي هدفا صميما لا مجرد وسيلة حسب.

وهي الآن ليست مجرد وسيلة لتفعيل السرد وتحريكه، بل هي مصدر السرد وأساسه، وهي ظاهرة غالبة ومهيمنة تحتل المتن الروائي سطحا وعمقا. وهذا الفعل التفكيكي لنسقية المتون السردية، إنما هو انعكاس دراماتيكي لمتوالية الوعي الإبداعي حيث الكلام سابق للكتابة لتغدو الكتابة سابقة للكلام ومتقدمة عليه، إنها "تقف ضد النطق وتمثل عدمية للصوت".

وهذا النوع من الوعي الكتابي الجديد يتطلب أسئلة تثويرية تمكن الكتابة النسائية من إثبات رؤاها الجمالية الظاهرة، كما يشترط أيضا أهمية انقسام مفهوم الكتابة بين وعيين ذكوري ونسائي يتجاوز حدود الرؤية العلائقية من مجرد ثنائية (كتابة/ قراءة) إلى سلسلة توالدية ومنظومة إبداعية تتأطر في داخلها ثنائية كتابة / كلام كوعيين إنسانيين ضمن سياقات ثقافية واجتماعية محددة.

ولما كان الإغواء أحد الأدوار التي اعتادت الفحولة إلصاقها بالمرأة؛ فإن هذا سيتغير مع المفهوم التفكيكي الجديد للنسوية، لأن الإغواء لن يشتغل هذه المرة كموضوع لصيق بالمرأة، بل سيكون رهنا بالرجل الذي لن يكون دوره أكثر من موضوع مطروح ضمن مستوى مسطح يؤديه بإرادته أفقيا سائرا بمعية النسوية لا الذكورية. وسيغدو الوعي الكتابي الجديد وبالمفهوم التفكيكي عبارة عن تراكمية كمية للفواعل والمفعولات وتعادلية نوعية للسائد والمسود معا ذاتا وموضوعا لتتم من ثم عملية إعادة البناء على أرض سردية تفجر ما ظل مهيمنا حد التخمة والإشباع، وتقلب ما هو غير واعٍ، ليكون واعيا مجسدا يستلهم من الهوامش متونه الكتابية.

إن هذا النوع من الوعي الكتابي الجديد يتطلب أسئلة تثويرية تمكن الكتابة النسائية من إثبات رؤاها الجمالية الظاهرة

ولا غرو أن الدخول إلى العوالم السردية التي تتكشف علنا من خلال المرأة إنما هو تفكيك لعلائقية التاريخ بالسرد، وهو ما كان النص السيري الشعبي قد أسس بعضا من قيمه حين كانت تتهاوى الفحولة أمام النسوية، بعكس الأدب الرسمي الذي طالما سخر من هذا النوع من النسقية السردية وعدّه اشتغالا لا إبداعيا، كونه لا يستند على مقصدية واعية ولا يسير في ظل مسار عمودي لا يهشم أفقية الخط السردي المعتاد ولا يناقض مسلماته..وفي هذا الاشتغال التفكيكي لتراتبية الفعل النسقي ذاتا وموضوعا، تتحقق المقصدية في ضرورة الامتثال للمرأة وأحقيتها في الحرية والمساواة، لتكون دوما في دائرة الاهتمام بوعي شعوري لا يداريه الآخر ولا يهمشه. وفي رواية "صخب" للروائي الفلسطيني قاسم توفيق تتحقق إجرائية هذا الفهم التفكيكي لوعي الذات بهويتها وبالآخر على صعيدي الاحتواء والإقصاء من خلال:

- أولا: تفكيك الهوية النسائية عبر البوح صخبا

تقوم رواية "صخب"[1] على إثنية جنسانية ثقافية مرتكزة بين نسقين هما الإقصاء والاحتواء هامشا ومتنا وعبر جزئين: أول بأربعة عشر فصلا، وثانٍ بسبعة فصول، وأول بوادر التفكيك خروج "هند" بطلة الرواية على النسقية الحياتية المعتادة مخالفة ما تعارفت عليه بنات القرية وأولادها من ناحية إكمال المدرسة الابتدائية والانتقال منها إلى الحياة؛ فطموح "هند" إنما تجسد في رفض ما هو سائد، متمردة على ما سار عليه الآخرون، لاسيما أمها كنوع من التوكيد العلني لنفسها واختيارا قصديا من قبلها لأن تنزاح عن النسق المعتاد، وذلك بإكمال الدراسة أولا ثم بالثورة على الحجاب ثانيا، ثم بولوج المدينة والدخول في متاهاتها ثالثا .. مخالفة كل تعليمات الأم وثائرة على كل ما هو عرفي وتقليدي، متجاوزة وصاياها، وما ذلك إلا لأن المحذور نفسه كان مقوضا في الأصل، وهذا ما تمثل في السر الذي أفشته الأم "كريمة" لابنتها "هند" فكان سبب تعاستها.[2]

ومن مظاهر التفكيك أيضا تقويض مفهوم السيطرة الذي ظل لصيقا بالرجل بوصفه صاحب السلطة والتفويض والحتمية، وذلك عندما تخلى الرجل عن أن يكون هو سيد الكون وكبير القرية وعبيده الفلاحون، والعمال أسياد بيوتهم ونسائهم وبناتهم.[3]

وقد تجلى الاحتواء الذكوري والإقصاء الأنثوي ـ في الرواية موضع الرصد ـ من الاستهلال والإهداء اللذين تم بناؤهما على أساس مؤنث (فينوس، هند) ومن ثم سيق الفصل الأول بلسان أنثوي، أعلن تمرديته عبر إقصائه لتاء التأنيث(هند) والذي حمل مرجعيتين قديمة وحديثة؛ الأولى تتمثل في "هند بنت عتبة"، والثانية تتمثل بالممثلة "هند رستم"، وكلا الهندتين قد عرفت بقدرتها على احتواء الآخر تأثيرا وسيطرة ..

فالعظمة ليست لصيقة دوما بالذكورة ولا الشهرة رهن بالفحولة ولا السيادة حكر على الأبوية، بل هذه السمات جميعها غدت ثابتة قارة متحجرة أمام الأنثوية التي يتقاطع خط سيرها مع كل ما هو معتاد، لتكون المرأة فعلية مغامرة وكينونة حرة وذاتا متقلبة بمركزية.

تقوم رواية "صخب" على إثنية جنسانية ثقافية مرتكزة بين نسقين هما الإقصاء والاحتواء هامشا ومتنا

وقد تمثل هذا التسيد أيضا، على صعيد الأمكنة المؤنثة التي بدت فضاءات غير معادية كالمدرسة والقرية والغرفة والصورة والرسومات والكلمات والساحة والأرض والمدينة والشقة، وبالمقابل فإن الأمكنة التي ترد مذكرة غالبا ما كانت معادية وفوضوية كالمخفر والجامع والدكان والباص والبيت والصف، لتغدو في نظر الشخصيات أماكن غير مرحب بها.

والصمت بالنسبة إلى الشخصيات رهن بما هو ضده أو خلافه؛ فالبوح هو وسيلة التهديم التي بها تقوِّض الشخصيات النسائية استلابها، وتقلب كيانها من مجرد توابع سردية إلى متبوعات مركزية. ولما كان الصمت والعزوف عن البوح هو سبب مأساة "كريمة" لذلك قررت البوح تحقيقا لراحتها، وسيقود هذا البوح هندا إلى أن تتخذ منه وسيلة للانتقام من الآخر، وأولهم فرج ولكنها ستصطدم بما هو عكسي، لتجد أن في الصمت راحة لها، وفي البوح تعاسة وندامة، وهو ما لمسته حين قررت أن تصارح الباشا بأسرارها في خاتمة الرواية..

والأبوة في ظل صفات الفحولة تلك غدت متخلية عن أبوتها بسبب تعجرفها وعدم إيثارها، وهذا ما عكسته شخصية الجد "فرج" الذي عرف بصفات سلبية كالهوس والسادية والأنانية والتجبر. وإذا كانت هذه هي سمات الأبوة، فإن الأمومة لم تتنازل عن وظيفتها التي هي محتواة فيها؛ فحين أُقصي "فرج" عن أداء دور الأب الفاضل والجد المثالي بسبب عجرفته وسلطويته على الآخر ابنا أو حفيدا، فإن الأم ممثلة بـ"كريمة" ظلت مساندة لأبنائها، صديقة لهم، ورفيقة بهم محتوية إياهم في داخلها، وهي تنصحهم وتعلمهم وتؤهلهم للحياة.

وتتوكد في هذه المقابلة بين وداعة الأمومة ودناءة الأبوية، احتوائية الذات النسائية لهويتها وإقصائيتها للآخرالذي يتلخص خطره في الانحياز بالسرد لنفسه، فعندما مارس الجد إغواء التلميذة "كريمة" خارقا المسلمات والثوابت، منتهكا الأعراف، فإن ذلك كان مدعاة للذات لأن تزيح عنها صمتها، وتكون هي الساردة بصوتها.

ولا يعدو أن يشكل الجد مجرد مسرود أتاح له موت ابنه أن يتمادى في فعل الإغواء مستلبا ومستحوذا وممتلكا ما ليس له مبررا خطيئته بطرد شيطان "كريمة" من داخلها غير معترف أنه بفعلته هذه في ممارسة الإغواء واقتراف الخطيئة، إنما يقوَّض دوره المركزي في صالح المرأة، لتكون هي ضحية الإغواء لا مصدره. أما هو، فسيكون مرتكب الخطيئة ومتعاطيها !!

ويعضد ازدواج الآخر بين تقديس الثوابت والرغبة في انتهاكها البوح العلني الذي اختارته الهوية النسائية على شكل صخب بيولوجي مرة يتأرجح بين الغريزة المتمادية والخلق المحتشم، ومرة في شكل صخب فكري تحاول فيه "هند" فرض سطوتها متصارعة في داخلها، ليقودها ذلك إلى مغادرة عالم البراءة والنقاء ملقيا بها في قاع الدناسة والانحطاط، لتعيش صخبا جسديا يستقطبه الرجل لصالحه موقعا إياها في الحضيض كمصير محتوم وقدر مرسوم لا مجال فيه لهند أن تحيد عنه أو تبدله.

وقد تعددت صور البوح، فمرة كان أنثويا خالصا من المؤنث إلى المؤنث (كريمة لهند) ومرات عدة جاء متداخلا كأن يكون من المؤنث إلى المذكر (هند للباشا) ومن المذكر للمذكر (قحيطر وفرج).

وتبقى صورة البوح الأنثوي الخالص متقدمة على صور البوح الأخرى كونها تجعل الصمت موتا يدمر الحياة، ولذلك لم تنفك كريمة عن الشعور بأن تعاستها تكمن في عدم قدرتها على البوح، وكأن الكلمات قد حشرت في داخل جوفها، وكادت أن تقتلها ولم تنفعها التلميحات والإشارات في تفريغ حنقها ومرارتها.[4]

ولعل السبب الرئيس وراء هذه الرغبة في البوح هو التوق إلى الحرية ورفض الاستلاب؛ ففي البوح تغيير ديالكتيكي لمجرى الحياة تأزما وتعقدا، وهذه الرغبة ستتناسل، لتغدو الابنة امتدادا للأم في امتلاكها أسرارا صمتت عن البوح بها حين قررت سلوك درب الرذيلة والرضوخ للاستلاب الجسدي.

وبعبارة أدق، لم يفد البوح في الوصول بهند إلى بناء مستقبل أفضل، بل كان سببا في هدم آمالها وبعثرة أحلامها من دون أن تصحح مسار حياتها، ليغدو وعيها بحالها مجرد تفكك وتشظٍ وهرب من الواقع المشؤوم.[5]

وهذا ما جعل الهوية النسائية مستلبة ولكنها في الآن نفسه محتواة. إنه استلاب الأنثى للأنثى عبر الاحتواء بينهما، وقد أتاح البوح الجريء مساحة من الحرية والتمرد في معادلة حياتية، طرفها الأول البوح الذي هو الحياة، وطرفها الثاني الصمت الذي هو الموت، ولا بد من أن يتسيد أحدهما على الآخر.

ولعل من أهم مظاهر سيادة البوح على الهوية النسائية هو الصخب في السلوك والتضاد في القيم، فـ "هند" قد تمردت وأعلنت هويتها صوتا معلنا وصاخبا ومزمجرا نافرة من الاستكانة التي جعلت "كريمة" تعيش في حالة من الاستلاب والكبت والحرمان، ومتحولة إلى مخلوق جديد مفكك لا يعرف الوداعة ووحش قاس بلا رحمة، حاملة في وعيها كرها مبيتا للرجال وحقداً دفينا عليهم.

لعل من أهم مظاهر سيادة البوح على الهوية النسائية هو الصخب في السلوك والتضاد في القيم

وإذ نجحت "هند" في إثبات حضورها كعامل سردي، فإنها قد ضمنت لنفسها احتلال المركز والتمدد في كنف نسقية معلنة تخترق الإضمار الذي داومت كريمة على الاقتناع به حين كانت طالبة مدرسة وبنتا جميلة أرادها فرج الذي كان معلمها لنفسه لا لابنه، ولولا أن رجال القرية أنكروا عليه فارق السن لطلبها لنفسه. [6]

ولا غرو أن يكون تقسيم السرد إلى جزئين مقصودا؛ ففي الجزء الثاني مفارقة نوعية للجزء الأول، إذ تحول من سرد ذاتي إلى سرد موضوعي، ومن متكلم أنثى إلى سارد مذكر، ومن رؤية أنثوية داخلية إلى رؤية فحولية خارجية، ومن مباشرة قولية إلى تقويل غير مباشر من خلال راو خارجي وموضوعي في مقصدية علنية تداري بها "هند" كشخصية رئيسة مرارة روحها المهشمة بالصمت والعزوف عن البوح، كونها لم تستطع أن تفلت من أسر الواقع المرّ الذي جعلها تسقط في قبضة الآخر، وذلك ما منعها من أن تستمر في أداء دورها كساردة بعد أن دنست براءتها بلعبها لدور الإغواء.

وتقود إقصائية "فرج" لهوية الآخر (كريمة وابنتها وولدها وأهل القرية) إلى أن يرى نفسه إلها عالما بخير البشر وشرهم، منقادا لهواجس نفسه المهوسة التي لم تعد تفرق بين الواقع والخيال.

ومن ثم يفضي به هذا الإقصاء إلى التماهي التخييلي في صورة مخلوق ممسوخ اسمه "قحيطر" يتشكل أمامه في هيأة فانتازية، فيصاب "فرج" برعب شديد، ويصرخ بصوت لم يسمعه أحد إلا المسخ الذي نطق بصوت دافئ وحزين، مبينا أنه بشر لكن السبل تقطعت به ولم تعد كريمة تلك المرأة الضعيفة المنقادة لـ "فرج" كصنيعة وخادمة، والسبب أن العادات والأعراف ما عادت لصالحه لكي تشبع غرائزه ورغباته، ولذلك صار عاجزا عن يؤدي دوره المركزي في صنع التاريخ بالطريقة التي يريدها تاريخ الفحولة الذي بدوره صار مترقبا نهاية محتومة تحسمها النسوية.

- ثانيا: تفكيك الآخر بالتعالق الميثولوجي قصدا

تراهن رواية "صخب" على استحضار الميثولوجيات المترسبة في اللاوعي الجمعي لغرض تفكيكها قلبا أو تماهيا، رغبة في توكيد حضور الهوية النسائية سلبا أو إيجابا. وعملية التعالق بين الرواية والميثولوجيا، إنما هي جزء مما يصطلح عليه في المفهوم التفكيكي بالتكرارية التي تتلاقى مع مصطلح التناص، وقد تعالقت في رواية "صخب" أكثر من أسطورة، ومنها أسطورة بجماليون، مراهنة على تفكيك نموذج الفنان الهائم بجمال تمثال صنعه من خلال الشاب "حمزة"، وكذلك تقويض صورة المرأة كرمز للخلق الفني الذي يهيم به الفنان بصورته المثالية لا الواقعية من خلال "هند"؛ فـ "حمزة" الخزاف قد وقع في حب "هند" من دون أن يعرف اسمها منقطعا عن كل المحيطين به، مستسلما لخيالات أدت به إلى أن يتماهى في أحلام متوارثة وأوهام عابثة، منتظرا الفرصة التي بها يواجهها بطوله الفارع وجسده الممشوق، وتكون نظرته لها ليست كنظرة الرجال الآخرين، هذه النظرة هي نظرة الفنان الهائم بفنه ليصنع معبودته، وهو يشعر بأنه إن لم يفعل ذلك فستظل هذه المرأة جاثمة عليه حتى تقتله[7]، وجلّ ما يأمله هو أن تكون المرأة نجمته الأخيرة وقد مرت الأيام والشهور، وهو يحاول.. لكن اللحظة التي يشعر فيها أنه لوحده لا يفاجئه أحد تجعله قادرا على صنع ما لم يصنعه في تلك الشهور، وهكذا صنع الجسد والرأس وتفاصيلهما بأناة وصبر عجيبين.

تراهن رواية "صخب" على استحضار الميثولوجيات المترسبة في اللاوعي الجمعي لغرض تفكيكها قلبا أو تماهيا، رغبة في توكيد حضور الهوية النسائية سلبا أو إيجابا

ويحصل التماهي عندما يبادره التمثال بابتسامة صافية لتنبعث من الطين امرأة حية ترى وتسمع، فيحملها إلى ركن منزو على سطح الدار وتتداعى في دواخله المونولوجات "أين كنت طيلة عمري همس، وهو يضمها إلى صدره بقوة".[8]

وتقويضا لنموذج بجماليون وتفكيكا له، فإن "حمزة" وبعد أن تأججت في داخله مشاعر الحب العفيف والمثالي، فإنه لا يحطم تمثاله بل هو الذي سيتحطم داخليا؛ فهذا الولد الذي ترك المدرسة من أجل أبيه سيترك الدنيا من أجل "هند"[9]، وقد تمادى في خياله حتى غدا في نظر من حوله مجنونا، وصار ينادي على اسم حبيبته، وهو لا يعرفه وهذا ما جعله يغمى عليه. [10]

ويبحث في تمثاله الذي علاه الغبار، وتكسرت أطرافه عن روح حبيبته وعن قلبها الذي قسا عليه وصار حجرا، آخذا في الدنو من نهايته راضيا مسلما بلا مقاومة، وهو لا يرى محبوبته إلا رؤية مثالية لا ترقى إليها أية نقائص، محاولا فهم بعض تصرفاتها على أساس أن البشر كلهم مسجونون محاصرون، وإذا كانت "جالاثيا" التي تمردت على صانعها لأجل أن تصنع حياتها بنفسها حتى كانت نهايتها التلاشي على يد صانعها بجماليون، فإن المرأة/ التمثال ـ التي هي هند ـ ستقوض هذه الصورة وتفككها لتكون "جالاثيا" جديدة لا تتمرد بل تهادن معلنة هويتها مذيبة "حمزة" صانعها فيها، ماحية هويته مسخرة دلالها وتمنعها في القضاء عليه.

إن تفكيك نموذج بجماليون قد أسهم في تعضيد فعل الاحتواء الذي مارسه "حمزة" تجاه "هند"، كما عزز فعل الإقصاء الذي مارسته "هند" ضد "حمزة" متقاطعة معه إلى درجة أنها لم تعرف له مكانا في نفسها، ولم تعترف بما كان يبذله من تفان في سبيل حبهما الذي قابلته باللامبالاة !!

وما ذلك إلا بسبب الصخب الذي كانت تراه "هند" في جسدها منذ أول يوم لها في المدرسة الثانوية، ومنذ أن سحرتها المدينة بشوارعها التي رأتها من نافذة الباص الصغير بنايات عالية وطرقات معبدة واسعة وسيارات فارهة وبشرا يرتدون ملابس نظيفة أنيقة.[11]

وهذا الصخب هو نفسه الذي شوش عقل "حمزة"، وجعله غير قادر على معرفة "هند" التي ظلت مجرد خيال غامض، ولم تنفعه الأدوية التي كان يتعاطاها في أن تعيد له وعيه وتنسيه طيف امرأة تلبسته بجمالها وسحرها، فلم يعد قادرا على تذكرها عندما رحلت آخر مرة.[12]

وتتعالق الرواية ـ بمقصدية توكيد ثيمة الإقصاء للآخر ـ مع نموذج شهرزاد فمثلما تغلبت شهرزاد بالسرد على شهريار، واستطاعت النجاة من بطشه، كذلك تغلبت "كريمة" على سيدها "فرج" بالكلام الذي به موهت الواقع وغربته محولة حنق الرجل وقسوته عليها إلى توسل وانكسار، ليصير كائنا مخدوعا داخلا في اللعبة من دون أن يدري. وإذا كانت شهرزاد بصبرها وذكائها قد أفلتت من النهاية المحتمة واستطاعت أن تطيل مصيرها ونهايتها بالحكي، فإن "كريمة" قد أحست أن وراء صمتها صخبا عاليا منذ أن تحولت في عين "فرج" من طفلة إلى امرأة حتى غدت السيدة التي تتقن بوساطة البوح والتخييل تدجين الآخر إذلالا واستغلالا، مستعملة مهارة اصطياد الشهوة ومطاردة اللذة بالتربص والنكوص.

وهي الوظائفية نفسها التي راهنت "هند" أيضا على فاعليتها حين قررت أن تتكلم بضمير الأنا، ممارسة دور السارد في الجزء الأول من الرواية مستبطنة دواخل أمها، وهذا السر هو ما جعلها في الجزء الثاني تفتقد شجاعة التكلم إذ لم تعد قادرة على فعل الحكي وسرده لكونها قد حطمت مرآة ذاتها وانتهكت كرامتها مسطحة دورها، وهو ما تطلب وجود راو خارجي موضوعي يتكلم بدلا عنها ويبوح بخفايا روحها بشكل غير مباشر وبحيادية.

عكس تعدد الضمائر السردية ثيمة التشظي في بناء صورة الذات إغرائيا وتفكيكها للآخر، انتقاما وتفتيتا

ومن الاستدعاءات الميثولوجية الأخرى التي وظفت في الرواية استحضار نموذج "فاوست" ممثلا في "فرج" كرمز للإنسان الذي استعبده الشر فانقاد لصوته؛ فمثلما كان "فاوست" قد انقاد للشرور ووقع عقدا مع الشيطان "مفيستوفيليس"، فإن فرجا عقد صداقة مع المسخ "قحيطر" ليكون في خدمته على أمل أن يحقق له رغباته الشريرة.

وقد عكس تعدد الضمائر السردية ثيمة التشظي في بناء صورة الذات إغرائيا وتفكيكها للآخر، انتقاما وتفتيتا، وعلى الرغم من قفزات الراوي الزمانية استرجاعا واستباقا؛ إلا أن ذلك لم يكن مبعثرا أو عشوائيا، بل كان اشتغالا محسوبا بدقة موظفا تقانة الكولاج في إعادة تنظيم وحدات السرد القصصي.

* كاتبة وناقدة من العراق

[1] صخب رواية، قاسم توفيق، دار الفارابي، بيروت ـ لبنان، طبعة أولى، 2015

[2]م.ن/13

[3]ينظر: م.ن /14

 [4]ينظر: م.ن /13

[5] ينظر: م.ن /16

 [6]ينظر: م.ن /17

[7]ينظر: م.ن / 40

[8]م.ن /42

[9]ينظر: م.ن /36

[10]ينظر: م.ن /92

[11]ينظر: م.ن /102

[12]ينظر: م.ن /106

 

* مقال منشور ضمن العدد السابع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " التراث الإنساني وخطر الخطاب الجهادي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/DH6mih

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق