وفاة الطالبي وتأصيل الفرح الشرعي الحلال!
10 مايو 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

للمفكرين والفلاسفة قدرة عجيبة على إثارة الزوابع أحياء وأمواتاً، بل إن ذلك قدر من أقدار المفكر الحق، لأنه وظيفته أبعد من أن تكون سيراً خلف القطيع، أو عواء لا طائل من ورائه. إن قدره أن يخالف الجموع والشعوب والفرق والطوائف وكل ما يدل على الكثرة ضمن دائرة الاتفاق والطاعة والتسليم، لأن وظيفة من أبرز وظائفه أن يهزّ يقيننا ويحرّك عاداتنا ويخربش على أوراقنا البيضاء، وينحرف بخطوطنا المستقيمة، ويزعزع ثوابتنا الراكدة. ربما لهذه الأسباب سقي سقراط السم وتجرعه أمام الجموع، وصلب المسيح ولسانه يقول: "إلهي لماذا تركتني؟"، وهي في معنى من معانيها: لماذا تركتني وحيدا بين كل هذه الجموع الغفيرة تتربص بي؟، وللسبب نفسه طرد/هاجر محمد من مكة، وقطّعت أطراف ابن المقفع، وقطع رأس الجعد بن درهم تحت منبر الجموع صبيحة عيد، وأحرق "جوردانو برونو" في ساحة عامة، قبل أن يتحول الرصاص إلى لسان جارف يصطاد كل لسان يخالف رأي الجماعة وأقوالها، أو يتجرأ على رمي حجر في بركهم النائمة المستكينة القانعة.

أما التهمة التي توجه إلى كل هؤلاء الخارجين عن نظام الجماعة، فإنها كثيراً - إن لم نقل دائماً - ما تتزيا بطابع ديني. وهي تهمة جاهزة سهلة الصياغة لا تحتاج إلى مجهود كبير أو تفكير أو إعمال عقل وتروّ، بما أنها لحظة لا عقل ولحظة لا تفكير، والتهمة الأكثر استهلاكاً في تاريخ البشرية قاطبة التكفير الذي يبدو في الظاهر تكفيراً يتكئ على الدين ويجتهد في حشد الأدلة على الزندقة والهرطقة والشرك والخروج عن الملة، غير أنه في الحقيقة أبعد من ذلك: إن أعظم تهمة قد يقترفها الإنسان في نظري هي الكفر بالجماعة! ولو لم يكن الكفر بالدين كفراً بالجماعة ما كان ليحرّك الجموع المستغفرة المُحَوقِلة أمام كل خروج عن الخط! وما قطع رأس الجعد بن درهم سوى دليل قوي في رمزيته على الجموع إذ تتخلص من كل من يتجرأ على الخروج منها أياً كانت الأسباب فإن النتيجة واحدة، وهي أن تظل الجماعة نقية صافية محافظة على تجانسها ضامنة أقصى حد من التشابه كي تشعر بميمية الانتماء، أما المختلف فإنه يشكل عليها عبئاً ثقيلا لعبت النار والسيوف والسكاكين والبنادق أدوراها الحاسمة في التخلص منه.

ويضحي التكفير بهذه الطريقة إعلاناً على أن أحدهم قد غادر الجماعة ولم يعيد منضبطاً لنواميسها ولا يشاركها أفكارها وتصوراتها، بل إنه أكثر من ذلك أخذ يقدم بدائل وأطروحات جديدة مخالفة للسائد متمردة على العادة المكرسة والعرف المعلوم من الحياة/الدين بالضرورة. ويا لها من جريمة نكراء يرتكبها في حق الانتماء الصافي.

أثارت هواجسي السالفةَ وفاة المفكر التونسي محمد الطالبي، وما أثارته من ردود أفعال بين التونسيين. وإذا كان الطالبي في حياته عبئا ثقيلاً على أولئك الذين لا يشاطرونه أفكاره ونظرته إلى الدين، فإن وفاته شكلت فرصة للانتقام والازدراء أخذت أشكالا متعددة. فمنها ما دعا له بالرحمة والغفران، ومنها ما ترجم في الاستدلال على أفكاره ببعض أقواله من قبيل "ديني هو الحرية"، ومنها ما ذكر بتجربته الفكرية والأكاديمية والبحثية الثرية، غير أن الشق الذي لفت انتباهي بغزارته على شبكة التواصل الاجتماعي الفايسبوك، هو ذاك الذي راح يؤصّل للفرحة بموت الطالبي، إذ أصدرت إحدى الصفحات الفايسبوكية التونسية بياناً اعتبرت فيه أن الفرحة بموته وأشباهه إنما يجد مبرره في "هدي السلف الصالح": "الحمد لله... الحمد لله... بشرى للمسلمين عامة ولأهل السنة خاصة.. اعلم أخي المسلم، أختي المسلمة أن الفرح والسرور بموت الكفرة أو أحد  رؤوس أهل البدع ليس من الشماتة، وإنما هو من هدي السلف الصالح رضي الله عنهم"، ويستدل البيان على ذلك بحديث "وأما العبد الفاجر فيستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب"، ويتابع: "فنحن نفرح ونسعد إذا مات هؤلاء المجرمون"، قبل أن يستدل بوقائع تاريخية تسحب لحظة من زمن علي بن أبي طالب لتسقطها على محمد الطالبي: "سجد علي بن أبي طالب رضي الله عنه شكراً لله لما رأى ذا الثدية مقتولاً في الخوارج. وفرح إبراهيم النخعي رحمه الله لما بلغه موت الحجاج بن يوسف الثقفي حتى بكى من شدة الفرح. وفرح بشر بن الحارث رحمه الله، وكان في السوق وجاءه خير موت بشر المريسي، فقال لولا أن هذا المكان موضع شهرة (السوق ) وإلا لسجدت شكراً لله فالحمد لله الذي أراح الإسلام منه أي من بشر المريسي الضال، وهو رأس من رؤوس الجهمية"، ويخلص البيان إلى نتيجة هامة بناء على ما قدم من حجج: "فنفرح إذا بلغنا موت المبتدع وليس ذلك من الشماتة؛ فنحن نفرح بموت هذا الضال المضل محمد الطالبي التونسي، نفرح بموته وليس ذلك من الشماتة".

وأول ما يلفت انتباهنا في هذا البيان أن الأعلام المذكورين فيه ينقسمون إلى فئتين: الأولى تضم عليا بن أبي طالب وإبراهيم النخعي وبشراً بن الحارث، وتضم الثانية ذا الثدية والحجاج بن يوسف وبشراً المريسي. والتقسيم خاضع خضوعاً بينا لقانون الانتماء إلى الجماعة لا إلى الجماعة المقابلة؛ أي بعبارة أخرى، تمثل الفئة الأولى الفرقة/الجماعة الناجية وتمثل الثانية حطباً لجهنم، وأما كاتب البيان، فإنه بإقامة هذه المفاضلة يؤسس للفرح بما أنه يفصح عن انتمائه إلى الجماعة والانضباط إلى هديها ونواميسها، خلافاً للطالبي الذي تمرد على قانونها ومرق على أصولها، وعلا صوته منفرداً خاصاً "واقفاً في حذائه" على حد عبارة الشاعر التونسي أولاد أحمد، ولهذا استحق – الطالبي كما استحق أولاد أحمد نفسه- الفرح لوفاته، وهو فرح أبعد ما يكون عن الشماتة ولا التكفير!

غير أن صاحب الصفحة أو محرر البيان لم يطلع على حرف مما كتبه الطالبي منذ ستينيات القرن العشرين بالعربية ولا بالفرنسية ولا بالإنجليزية ولا بالألمانية، لأنه خاضع لأوامر شيوخه منضبط لوصاياهم، إذ نشر بعد ذلك وصية لـ"علاّمة" اسمه عبيد الجابري يقول فيها: "أنصحكم إن كنتم تحبون الناصحين ألا تقبلوا شريطاً ولا كتاباً إلا ممن عرفتم أنه على السنة مشهود له بذلك، واشتهر بها ولم يظهر منه خلاف ذلك"، ولا شكّ في أنه لم يقرأ حرفاً للطالبي عملاً بوصية علاّمته بما أن الطالبي ليس من أهل السنة والجماعة، وإنما اكتفى فقط بما روجته مؤخّراً بعض قنوات التهريج الإعلامي من "حوارات" مع الطالبي عن الخمر والبغاء.

وحتى أتأكد من انتماء صاحب البيان والجهة التي يتكلم باسمها بحثت عن بعض شيوخه و"علمائه" فطالعني اسم ربيع المدخلي الذي تنسب إليه جماعة تعرف بالمداخلة التي ينتمي إليها صاحب البيان، وهو تيار ظهر في السعودية سنة 1990 إبان حرب الخليج رافعاً شعار "القرآن والسنة  بفهم سلف الأمة"، مجذراً نفسه في السلفية مؤكداً في كل مرة بأنه يمثل "أهل السنة والجماعة" الحقيقيين. ووجدت ثناء على ربيع المدخلي من أشهر المشايخ والمفتين ورجال الدين في السعودية وتزكيتهم له من قبيل ابن عثيمين وابن باز والفوزان وثقتهم في "علمه ومنهجه"، ودعوتهم "طلبة العلم" إلى النهل من كتبه، ولكنني بعد تفحص قصير تبينت أن هذا الثناء لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبرأ منه هؤلاء المراجع، وسحبوا منه ثقتهم، وأعلنوا أنه "مبتدع" و"ضال" ينتمي إلى "المرجئة" هو وأتباعه، وقد بان ذلك في اتهام "كبار العلماء" ممن يعتبرون أنفسهم "أهل السنة والجماعة" بأنه "صاحب" شبهة" أو "مبتدع"، وهو نقاش بيزنطي لا أريد أن أخوض فيه لأن المجال لا يسمح بذلك. ولكن ما يهمني في هذا المقام أن أخرج بجملة من الملاحظات أجملها في ما يلي:

-       إذا كان صاحب البيان في موت الطالبي يتهمه بأنه ليس من "أهل السنة والجماعة"، فإنه وأتباع فرقته يمثلون في نظر "أهل سنة وجماعة" آخرين مرجئة وأصحاب بدعة ولا يمتون إلى الفرقة الناجية بصلة. وبالتالي، فإن السيف المسلط على رقبة الطالبي يخفي سيفا آخر وقع على رقبة حامل هذا السيف. ولنا أن نتخيل هذه الصورة الكاريكاتورية التي تصور طابوراً من الناس يقف الواحد خلف الآخر وسيفه على رقبة من أمامه، وهي سلسلة لا تنتهي. تعكس عالماً يكفّر بعضه بعضاً بلا هوادة، حتى تحول التكفير إلى عقيدة حقيقية لا يكتمل الدين إلا بها.

-       إن صاحب البيان يشرع للفرح لوفاة الطالبي، وهو في الآن نفسه يشرع الفرح لوفاته مستقبلاً بما أنه نسي أنه سيكون يوماً ما – عند موته – مأدبة "فرح شرعي" لجماعة أخرى هي أيضاً على يقين بأنها أهل سنة وجماعة، بعد أن أصّل هذا "الفرح الشرعي الحلال" من "الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة".

-       إن ما يسمى بـ"العالم الإسلامي" هو في الحقيقة "عوالم" متنافرة متطاحنة على ما يبدو في الظاهر من هدوء يخبئ عاصفة، عوالم يكفر بعضها بعضاً ويقتات بعضها من لحوم بعض، وبناء عليه فإن لكل "عالم" منها إلهً خاصاً تتولى كل فرقة الدفاع عنه بآلية التكفير في حين يتولّى هو – كما يتوهمون – إدخال الناس الجنة أو النار كما يقررون. والغريب في الأمر، أن كل هذه "العوالم الإسلامية" تقول بأنها تعبد إلهاً واحداً ، وتجعل من التوحيد مبدأ يفصل بين الجنة والنار!

-       إن ذهنية الاستدعاش، التي تحدثت عنها في مقال سابق، متفشية بشكل لا يصدّق، متجذّرة في السلوك والعادات، حتى كاد المسلم أن يكون أحد اثنين: مكفِّر أو مكفَّر، أما أولئك الذين يعبدون الله في صمت دون أن يهتموا بالآخرين، فقد غلبت على أصواتهم هتافات ملايين الحناجر: "هذا كافر! الله أكبر!"، "ذاك مشرك.. الله أكبر!"، "تلك خارجة عن الملة.. الله أكبر!"، "أولئك فجرة كفرة.. الله أكبر!"، "حطب جهنم.. الله أكبر"!، "الله أكبر! الله أكبر!"..

وبالعودة إلى محمد الطالبي، الذي قد نختلف معه عقائدياً ودينياً وفكرياً دون أن نصل إلى الفرح بموته ولا حتى أن نتمنى له الموت، فإن وفاته عرّت عوراتنا القبيحة وفضحت نفاقنا وكذبنا وزيف أفكارنا، هو الذي لم يدّع أنه كان يوماً من الأيام فقيهاً، ولم يتكلم لحظة من موقع الفقيه، أما الغالبية العظمى – أي الجماعة - فقد حاكمته على ذلك الأساس، واتهمته بالتكفير والفسق وانهالت عليه سباً. وربما كان موقف ديوان الإفتاء واعياً بأن الطالبي ليس فقيهاً، فرد على كلامه باعتباره "رأياً" لا فتوى، متفادياً مأزق التكفير والحكم على الناس بجحيم لا نملك مفاتيحه: "وللتوضيح فإنه يجدر التذكير أن من خصائص الفكر العلمي عند المسلمين رحابته واتساعه للرأي وضده، سواء في علم الكلام أو في الفلسفة أو في الفقه وغير ذلك ، وقد بلغ الاختلاف في مراحل تاريخية أشده حتى طال البحث في الذات الإلهية. ورغم ذلك، فإنه لم تضق صدور العلماء يوماً بمخالفيهم، وعلى قولة الإمام الشافعي رحمه الله: "رأيي صواب يحتمل خطأ ورأي غيري خطأ يحتمل صواباً". فالواجب بالدين أولاً احترام الرأي، بالغاً ما بلغ، وعدم اتخاذ التفسيق أو التكفير ذريعة إلى إلجام الأفواه أو تهديد الناس في ذواتهم أو الاعتداء عليهم. ونحن باعتبار انتسابنا إلى مؤسسة الإفتاء، نؤكد أننا لسنا جهة مصادرة لرأي مخالفينا، ولا يحق لنا ذلك، وإن كنا موقنين جازمين بأن تحريم الخمر وكل أنواع المسكرات والمخدرات أمر لا منازعة فيه، ولا يرتاده الشك والارتياب بأدلة متعاضدة من الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة قديماً وحديثاً".

وأمام هذا الانتشار الواسع لذهنية التكفير التي عانى منها مفكرون كثيرون قبل الطالبي أهمهم نصر حامد أبو زيد، لا يسعنا إلا أن نتساءل بمرارة: كم من الوقت يلزمنا كي نقبل الآخر مهما كانت نظرته إلى الحياة ومهما تباعدت وجهات النظر بيننا وبينه؟ وما مدى صحة ما نروجه عن أنفسنا بأننا نمثل "إسلاماً تونسياً معتدلاً"؟ أعتقد أن جثمان الطالبي قدم ما يكفي من الإجابات عن هذا..

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق