وودي آلان: فيلسوف السينما وفنان اللامعنى
30 يونيو 2014 | 0 تعليق

وودي آلان -(أرشيفية)
منتصر حمادة

أن يتوقف المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري في سيرته الذاتية عند بعض أعمال المخرج الأمريكي وودي آلان، معناه أن الأمر ليس بالهزل، لأن أعمال المسيري حول "الحداثة" أو "العلمانية" أو "ما بعد الحداثة" ـ بما لها وما عليها ـ لم تكن سوى حفر معرفي لا تخطئه العين.

وودي آلان (1935 ـ ) ظاهرة فنية بالدرجة الأولى، لأنه لا يمكن اختزال مساره الفني فقط في خانة الإخراج السينمائي، وإنما هو أيضاً كاتب سينمائي وممثل ومسرحي وعازف جاز، ومن أهم المُميزات اللصيقة بأعماله، ذلك التناقض و"التراشق النقدي" بخصوص تقييمها، بين من يعتبر أننا إزاء مخرج فريد من نوعه، حتى لا نقول إنه عبقري، وبين نقاد من الاتجاه المغاير، يعتبرون أنه غريب الأطوار، ولا يستحق كل هذه الهالة التي نالها من قبل النقاد ولجان التحكيم في المهرجانات الدولية للسينما، وهي الهالة التي خولت له الترشح لجوائز الأوسكار إحدى وعشرين مرة، نال منها ثلاثاً.

وقد يشفع للنقاد المعارضين لوودي آلان، لائحة من المطبات الأخلاقية التي سقط فيها في علاقاته الأسرية، وهي مطبات شوشت بشكل كبير على سمعته في الداخل والخارج، لعل أشهرها الاتهامات التي طالته من ابنته بالتبني ديلان فارو، التي اتهمته بالتحرش بها عندما كانت في سن السابعة، وهي مزاعم تعود إلى عام 1992، عندما ارتبط وودي آلان، وكان في سن 56 عاماً حينها، بعلاقة حب بابنته بالتبني من زوجته السابقة ميا فارو، قبل أن يتزوج الابنة ديلان فيما بعد. وقد تكون تفاصيل هذه الحكاية المؤرقة أسوأ ملف في السجل العائلي لهذه القامة السينمائية الوازنة.

من يريد أن يتحدث عن نيويورك في السينما، لا بد أن يتوقف عند العديد من أعمال الرجل، ما دامت هذه المدينة "المسرحية" بقيت ثيمة أساسية في لائحة أعماله، حتى إن عنوان أحد أعماله كان "مانهاتن"، القلب الاقتصادي النابض لنيويورك، ولهذا السبب، يُلقب من طرف بعض النقاد بأنه "الشاعر الرسمي للبرجوازية في مانهاتن".

وودي آلان مخرج تفرعت سُبُل النقاد على تقييم أعماله بين حديث تيار عن مخرج متفلسف يُنتج المعنى، وحديث تيار مضاد عن مخرج عبثي يُصنف في خانة منتجي أفلام اللامعنى

وكذلك الأمر مع النقاد الذين يخوضون في ملف الفلسفة والسينما، أو الأدب في السينما، الثقافة اليهودية، الجنس، وحتى علم النفس في السينما، وكانت المرة الأولى التي يدخل فيها وودي آلان التحليل النفسي إلى السينما من خلال فيلم "حب وموت" الذي أخرجه عام 1975، وعموماً، وبرأي الناقد البريطاني مايكل نيوتن، لطالما تميزت أفلام ألان في الثمانينات بالتعمق في الأفكار، والتعقيد إلى حد ما، ومن هنا صعوبة قراءة أغلب أعماله السينمائية، ومن هنا أيضاً، بعض أسباب ذلك الانقسام النقدي حول تقييم أعماله السينمائية، خاصة، والفنية عامة.

وإن كانت العديد من أعماله السينمائية حظيت بإعجاب النقاد، فإن بعضها كان مصيره النقد الصارم حتى لا نقول التوبيخ، ونخص بالذكر أفلام "سكوب" (2006) و"مهما كان العمل" (2009).

من فرط شهرة آلان، لا يتردد بعض النقاد في مقارنته بالمخرج الكبير ألفرد هيتشكوك، ومنافسته على الظفر بلقب أفضل مخرج سينمائي في التاريخ، ولو أننا نجد لائحة عريضة من المخرجين الذين ينافسون على لقب يبقى نسبياً في نهاية المطاف، وتتداخل في محدداته العديد من العوامل والمصالح والحسابات، ولكن مجرد التفكير في مقارنة آلان مع الكبير هيتشكوك، معناه أنه رَسخَّ إسمه رويداً رويداً في عالم الإخراج السينمائي، حتى لو لم يظفر بهذا اللقب الذي يسيّل لعاب المخرجين والنقاد والمتتبعين لتاريخ الفن السابع.

هكذا هو وودي آلان، أو المخرج الذي تفرعت سُبُل النقاد على تقييم أعماله بين حديث النصف الأول عن مخرج متفلسف يُنتج المعنى ويطرح الأسئلة، بشكل كوميدي تارة، ودرامي تارة أخرى، وبين حديث النصف الثاني من النقاد عن مخرج عبثي يُصنف في خانة منتجي أفلام اللامعنى.. وفي جميع الحالات، نحن أمام ظاهرة لا زالت تستفز النقاد والمشاهدين في العالم أجمع.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق