أبو القاسم حاج حمد وجدلية الإدراك والتصور داخل نسق الفكر الإسلامي
09 فبراير 2015 | 0 تعليق

المفكر السوداني الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد -(ذوات)
فاطمة حاتم

الترحال مع أعمال المفكر السوداني الراحل أبي القاسم حاج حمد متعة معرفية. وهذا ما قام به الباحث المغربي عبد الله هداري، في دراسة له جاءت تحت عنوان "أشكال الإدراك والتصور داخل نسق الفكر الإسلامي: أبو القاسم حاج حمد أنموذجاً"، ونشرت في موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث".

انطلق الباحث، في معالجة عملية الإدراك وإنتاج الأفكار عند حاج حمد، من فرضية مفادها أن العملية الإدراكية عند الأخير تعبّر عن اتصال كثيف بالعالم تفعل فيه الحواس والمعرفة والاعتقاد بصورة مندمجة؛ فالرجل يقدم، من خلال مشروعه، إدراكا خاصا متضمنا لبناء معرفي. ولهذا، فالوعي بانخراطه في بناء نظري، وهو ما أسماه بـ"التجديد النوعي"، سيستدعيه سواء بطريقة ظاهرة أو مضمرة لاعتماد مقدمات ومسلمات معرفية وثقافية، ستتحقق في "نظامه المعرفي" وفق ذلك التكامل الإبستيمي في بناء النظريات بين صوغ الفرضية ومديات انسجامها وتحققها التطبيقي.

ويرى الباحث أنه من حيث المسلمات والقواعد المفتاحية التي يؤسس عليها حاج حمد تصوره المعرفي- القرآني، فإنها قد تأخذ شكل التحديد التالي: مقدمات معلنة وظاهرة، يتم التركيز على تبئيرها داخل مشروع العالمية؛ ومقدمات مضمرة تتوازى والمعلنة من حيث القيمة، إن لم تكن الأخيرة غرض الحاج حمد ومرام جل أبحاثه. والباحث هنا يُساير في ذلك نهج طرح الفرضيات الممكنة التي قد تتلازم وبناء الأفكار ومقولها داخل المشروع، قصد تكوين صورة أوضح عن الممكن الذي أراد المشروع خلقه، باعتباره أفقاً في نظر صاحبه يستحق عناء المحاولة، والذهاب به حسبه دائما إلى حدود تجاوز فكر التلفيقات والمقاربات وادعاءات التجديد الإصلاحي.

من خلال جميع مقدمات حاج حمد المنهجية والمعرفية، نلحظ أنه يحاول تقديم بناء نظري متكامل ومنسجم "نظرية"، سيحاول تقديمها كنموذج للتطبيق والتفعيل، كما سيجعلها قابلة للدحض والتغيير والنقد والمناقشة

واعتبر الباحث عبد الله هداري أن إلحاح الحاج حمد على المداخل المعرفية والمنهجية للتعامل مع الوعي ومركزية الجدل بين العوالم الثلاثة، تأسّس على مُسلمة تقر بأننا لا يمكن أن نتعامل مع النص وفهمه وتأويله إلا بتنظيم هذه العملية، وجعلها تحترم العديد من المقدمات المعرفية ضمن سقف العلم الإنساني المعاصر.

-  من خلال التقسيمات التي يقوم بها حاج حمد للعوالم، سواء الغيب والإنسان والطبيعة، أو عالم الأمر والإرادة والمشيئة ...إلخ، والفرضيات التي يقدمها للعلاقة فيما بينها، وكذلك العلاقة التي ينبغي – حسب الراحل ـ أن تربط المسلم بالوحي اليوم؛ إنما يحاول إدخال العديد من التعديلات والانزياحات المعرفية على شبكة المفاهيم القديمة، وإدخال تغيرات في علاقاتها فيما بينها وكذلك في مواضعها، وإحداث تقاطعات معرفية جديدة بينها.

-  من خلال جميع مقدمات حاج حمد المنهجية والمعرفية، نلحظ أنه يحاول تقديم بناء نظري متكامل ومنسجم "نظرية"، سيحاول تقديمها كنموذج للتطبيق والتفعيل، كما سيجعلها قابلة للدحض والتغيير والنقد والمناقشة؛ أي إننا أمام مقترح نموذج معرفي معاصر، يحترم مبادئ البناء النظري الحديث، ويقبل التموضع ضمن خانة الاجتهاد على المستوى الفقهي الإسلامي، والتموضع ضمن خانة الاختلاف والتعدد الفكري المعاصر.

-  عند ملاحظة الآليات العلمية الموظفة، والعلوم الإنسانية المستثمرة في مشروع العالمية، نعي بأنه لا يود أن يجعل المعرفة الدينية بعيدة عن معارف العصر، أو على الأصح أن يزيد في مسافة البعد. لهذا، فهو يحاول الرقي بطروحها لاحترام خصوصيات السقف المعرفي الراهن، وجعلها معرفة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، تستعير وتقوّم وتفعل وتنتقد وتحاول الإضافة إلى الفكر الإنساني ومن خلال الديني. يمكننا القول، في المحصلة، إن العملية المرادة هي إعادة الاعتبار للمعرفة الدينية كمعرفة تسهم وبالضرورة في مسيرة الحضارة نحو تقدمها وتجاوز عقباتها، وإلا فإنها وبالضرورة كذلك ستتمثل عائقا نحو المستقبل.

-  من خلال التقسيمات المنطقية المعتمدة في طرح الحاج حمد، وانسجام المقدمات والنتائج، واستشعاره أهمية النقاش الدائر حول علاقات النظري بالعملي والمشاكل الفلسفية المرتبطة بذلك، على مستوى التصور الفلسفي والعلمي، يتبين بأنه يقف على أرضية الوعي العلمي الحديث بكل تمثلاتها الدقيقة وإشكالاتها المعاصرة، كما يعي جيدا النقود الموجهة إليها سواء من داخل بنيتها العلمية أو من الخارج. ومن ثَمَّ، فهو واع جيدا، بشكل مزدوج، بحدود هذه العلوم والتصورات ومديات نجاعتها المعرفية، وخصوصياتها المفترضة في علاقتها بالموروث الديني والمعرفي الإسلامي.

وفي الخاتمة، يُجيب الباحث عن سؤال يهم بدرجة كبيرة كل متتبعي مشروع الراحل: لماذا تحتاج مثل هذه المشاريع قراءة إبستيمولوجية ثانية؟ سؤال يجد الحجة في طرحه، حسب الباحث، انسجاماً وعنوان الدراسة؛ أي انسجاماً مع غاية الكشف عن أشكال تشكل المفاهيم والتصورات داخل نسق الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، ومن خلال مشروع الحاج حمد تخصيصاً، فليس الغرض الاكتفاء بعرض مداخل مشروع العالمية، أو الدخول في نقاش عمليات الإدراك من خلال فعله الفكري، هكذا، دون أن تتحكم في اشتغاله مطالب الكشف الموازي عن عملية التشكل الإدراكي نفسها، وأشكال القراءة والتفسير، ودوافعه، ومضمراته ومعلناته، والأبعاد التأويلية الممكنة للمشروع، والمتقبل المفترض.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ"مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق