"أفاعي النار" ... نهوض طائر الخيال من الرماد
31 يناير 2017 | 0 تعليق

* عاصف الخالدي

الجميع يشتم رائحة الدخان، ويخرج صباحاً، ثم يعود مساء، البعض يموت، وبعض آخر، يصل إلى البيت، وتستمر الحياة في الحركة، ويستمر الناس في السير بين الحرائق ودخانها المتصاعد، لكن لا أحد ينتبه، كأن الجميع يسيرون مغمضي الأعين ، إلى أن تتمثل الكارثة أمامهم، على هيئة رجل محترق، اسمه علي بن محمود القصاد. ولطالما تمظهر الخير أو الشر، والبطولة أو البؤس، والقبح أو الجمال، في صورة رجل ما، يمكن أن يحمل الدنيا كلها، ولكن لا يمكن لأحد أن يحمله، أو يحتمله، عدا الرواية.

  في هذه الرواية "أفاعي النار"، للروائي الأردني جلال برجس، رجل يحترق، وكذلك، نص يتعرض للاحتراق. أما النص، فيظل مفقوداً طوال الرواية، منذ اللحظة التي يضيع فيها من جهاز الحاسوب الذي يحترق، فيصير مجرد رأس بلاستيكية فارغة، وحتى آخر سطرٍ من الرواية، حين يعلن رجل يائس يرمي بكتب من نافذة بيته: "كل هذه الكتب، ونرى رؤوساً تجز بهذه الوحشية، ثمة خلل إذن!، ثمة خلل كبير". رأس تحوي النص، لكنها تحترق، ورؤوس أخرى تجز، رغم أن نصوصاً كثيرة في متناول يدها، لكنها لا تقرأ. تبدأ الرواية برأس تحترق، وتنتهي برؤوس تجز، وفي كلتا الحالتين، سواء كان النص موجوداً أم غائباً، فالنتيجة واحدة تقريباً. أما المحتوى السردي لأفاعي النار، فيبدو أنه مجرد لحظة، اقتطعت لنفسها مساحة من الزمن، لتعبر عن الإنسان، الذي فقد نصه، وبالتالي، فقد رأسه.

 على مستوى آخر، يظهر المكان من خلال شخوصه، ضيقاً مهما اتسع، وتظل القرية، تحكم ابنها أينما اتجه، سواء ذهب إلى باريس، أو غادر إلى أفغانستان، أو انتقل ليسكن في المدينة، ومهما اتسع الخيال والأفق في مدنٍ أخرى، سواء في العلاقات أو العمل والدراسة، أو الحب واللغة، فإن تراب القرية الذي جُبل منه الإنسان، سيظل فيه، إلى الأبد. وسيظل، ملعوناً لو أحب، وملعوناً لو فكر، والأهم، أن هذا المكان، محرقة، فيها الكتب والناس، وتستمر فيها نار العادات والتقاليد متوقدة، حتى أن الدين، صار فيها دين العادات والتقاليد، أما الثقافة، فهي ما يقال، وما يعرفه الجميع، ولا داعي للتجاوز. ولهذا، تغلب على علي بن محمود القصاد صفة الكائن الخيالي بامتياز، الذي يحاول أن ينتج المستقبل، بعد أن احترق جسده، وصار قلبه حفنة من رماد، ومع هذا، يحاول إيقاظ روحه بالحب، ويتخيل، محاولاً تجاوز محنته الواقعية، إلى ما هو أبعد، وأكثر عمقاً وواقعية! وسواء استطاع أن ينتصر على حالته تلك أم لم يستطع، فلا بد للحكاية أن تقال.

  وفي غمار المكان، وبحث البطل في كلام الحكاءة وقصصها عن قطع ليرمم بها روايته التي أكلتها النيران، وفي خضم معاناته من الفرق الشاسع، بين أن يسرد حكاية، أو أن يعيش تلك الحكاية ويكون جزءاً منها، فإن الزمان يتشظى. وإن أمكن القول إن الزمان هو ما ندركه من وقت، وأن هذا الوقت ليس له معنى في سريانه من عدم سريانه ربما، بقدر ما يكمن معناه في اللحظات التي نقبض عليها في حيواتنا، وتكون ذات معنى وقيمة، كلحظة كشف، أو لحظة حب. هذه اللحظات في الرواية، هي ما يشكل زمنها، وهي قليلاً ما تنساب خلال السرد، مثل قطرات ماء، لا تطفئ النيران، لكنها تعطي أملاً في النجاة، حين يعيش الإنسان زمنه الخاص، وربما يتبدى هذا أكثر ما يتبدى، في اللحظات التي يكون فيها البطل مع الحكاءة، التي تمنحه مشاهد مما أضاعه، أو حين يكون مع حبيبته. والحقيقة أن النص ظل يشي بأن علي بن محمود القصاد، يبحث عن هدية كانت قد منحت له في الماضي، ولم يقبض عليها بيديه، وهي لا تعدو كونها الحكاية التي كان لا بد أن يكون مؤلفها ربما، لكن هذه الحكاية، تمزقت واحترقت، ضاعت، مما اضطره ليكون في مكان آخر وزمان آخر، ليعيش حكايات يقولها آخرون، بل ويصنعها آخرون، يكون فيها جسده الضحية، وعقله الضحية، لما يفرضه الواقع الذي ينسجه بشر لا يهمهم النص، لأنهم لا يتخيلون، فالنهايات محتومة، أياً كانت البداية.

  في هذه الرواية، التي تتميز بلغة مرنة وممتعة، وحكايات متعددة المستويات، تبرز فيها الفكرة العميقة، والتي تتعلق بسردية الإنسان العربي، الروائية، والشخصية، والتي شعرت أن لدى الرواية والروائي ما يقولانه بهذا الشأن؛ فالسردية العربية (الرواية)، لم تأخذ مكانها في المحتوى الفكري للمجتمع؛ فهي ممتعة، مسلية، وربما مدهشة، لكنها لا يمكن أن تكون نموذجاً متخيلاً لواقع فكري وإنساني أفضل. إنما تطالها الحرائق، لأن النهايات في حياتنا محسومة، النهايات عمودية، فردوسية أو جحيمية، ليست مفتوحة على التأويل كالروايات والأفكار. ولا مثال أفضل من بطل هذه الرواية على ما أقول، والذي طالت النيران نصوصه، بل وطالته هو نفسه، ولم يقبل له الناس أن يشفى، ولم يعد يذكرهم إلا برائحة الدخان، وهم لا يدركون، أن عقولهم باحتراق النصوص، قد تحولت هي الأخرى، إلى رماد.

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق