أقباس تنويرية من فكر ابن حزم الأندلسي
10 يوليو 2015 | 0 تعليق

خليل غريب *

للفكر الإسلامي القديم آفاقه الرحبة ومشاربه المتنوعة، وهو ما يعكس غنى ثقافيا قل نظيره، يمكن أن يشكل أساسا متينا لثقافة تعددية راقية، نحن في حاجة ماسة إليها أكثر من أي وقت مضى. لقد زخر الفكر الإسلامي بمدارس فقهية وكلامية كثيرة، وشهد تشعبا كبيرا يعكس حتمية تطور العقل والفكر الإنساني، ويؤكد حتمية التعدد والاختلاف. فلا يمكن أن يختزل كل هذا الغنى إلى اتجاه أوحد، وليس من الحكمة أن يعد شذوذا وسبة، وهو في حقيقته طبيعة وسنة كونية، إن التعددية الفكرية في حد ذاتها ثروة، فكيف إذا ضمت في طياتها كنوزا من الأفكار النيرة التي تتخطى زمنها فتجيء مطابقة لقيم عصرنا، أفكار كهذه تعد أرضية للحداثة وجب البناء عليها.

من بين الشخصيات التي تركت بصمتها في تاريخ الفكر الإسلامي، وتفردت بأفكار نيرة دلت على لوذعية وتبصر، وأبرزت فهما عميقا للواقع بمختلف جوانبه، ابن حزم الأندلسي الذي عاش في القرن الخامس الهجري، الشهير بالظاهري نسبة إلى المدرسة الظاهرية في الفقه.

 لقد حظي ابن حزم باهتمام عدد من الباحثين والكتاب الذين سلطوا الضوء على جوانب مهمة من سيرته وفكره، وهذا يدل على أهمية ومكانة هذا الاسم في تاريخ الفكر الإسلامي.

نبذة من سيرة ابن حزم :

ولد الإمام ابن حزم في قرطبة سنة 384 هـ / 994 م، ونشأ في تنعم ورفاهية؛ فقد كان والده من كبراء أهل قرطبة وعمل وزيرا في الدولة العامرية، كما يذكر الذهبي، وكان ابن حزم بدوره وزيرا للأمويين في الأندلس لمدة وجيزة إثر محاولاتهم استعادة سلطانهم، قبل أن يتفرغ للعلم والتأليف، ولا شك أن هذه المعطيات تركت أثرها في فكره، وساهمت في تشكل منهجه.

اهتم ابن حزم بشتى الفنون والمعارف، من أدب وشعر وفقه ومنطق وكلام... وأنتج مصنفات كثيرة وصل إلينا بعضها وفقد جلها، ويذكر لنا التاريخ حادثة إحراق كتب ابن حزم بتحريض من الفقهاء المناوئين، ويسوق الذهبي شعرا قاله ابن حزم تعليقا على هذه الواقعة :

فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي        تضمنه القرطاس، بل هو في صدري

دعوني من إحراق رق وكاغد         وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري

وذكر الذهبي عناوين كثير من مصنفات ابن حزم أغلبها مفقود، وهو ما يدل على علم وفير وقلم سيال، كان ابن حزم مثقفا من مثقفي عصره، مفكرا وناقدا ومحللا بارعا. وله مساهمات مهمة في مختلف المجالات المعرفية كالأدب، وهو ما يظهر جليا في كتابه "طوق الحمامة في الألفة والألاف" الذي ترجم إلى عدة لغات، والذي عد من أهم ما كتب العرب في تعريف الحب ووصف أحوال المحبين، ويمكن أن نعتبر هذا الكتاب مصدرا لتأريخ الحياة الاجتماعية والأدبية في قرطبة والأندلس بصفة عامة، وقد كشف الطوق جوانب من الحياة الخاصة لابن حزم، تعرفنا على بعض ملامح هذه الشخصية بالتحديد في مرحلة الشباب. يقول ابن حزم عند حديثه عن ماهية الحب : "وليس بمنكر في الديانة، ولا بمحظور في الشريعة إذ القلوب بيد الله عز وجل"[1]، وساق المؤلف حكايات العشاق بغير حرج ولا خوف، بما فيها ما ذكره عن تجربته الشخصية التي تتبدى فيها علامات الحب العذري العفيف، وختم الكتاب ببابين : "باب قبح المعصية" و "باب فضل التعفف" حثا على العفة ولكي لا تنحرف هذه العاطفة النبيلة عن مسارها، وتطالعنا فقرة في خاتمة الطوق تبين أن ابن حزم كان يعرف أن ما خطه سيقابل بالإنكار : "وأنا أعلم أنه سينكر علي بعض المتعصبين على تأليفي لمثل هذا، ويقول إنه خالف طريقته وتجافى عن وجهته وما أحل لأحد أن يظن في غير ما قصدته قال الله عزل وجل : (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم) (49/12)"[2].

وصنف ابن حزم في العقائد والكلام كتاب "الدرة فيما يجب اعتقاده" و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" الذي اعتبر من المصنفات التي أسست لعلم مقارنة الأديان، وعد البعض ابن حزم أول واضع لأسس هذا العلم. وألف كتاب "المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار" الذي يضم آراءه الأصولية والفقهية. وله أيضا "الإحكام في أصول الأحكام" الذي يتضمن الأسس النظرية للتطبيق الفقهي الظاهري، وذكر الذهبي في ترجمة ابن حزم أن له كتبا في فنون أخرى كعلم الأنساب والطب وغير ذلك.

عمل ابن حزم على إحياء الاتجاه الظاهري في الفقه الذي وضع أسسه داود بن علي الأصبهاني، فكان من الرواد الكبار لهذه المدرسة الفقهية التي يعدها البعض خامس المذاهب الفقهية، ويمكن أن نطرح فرضية أن ظاهرية ابن حزم منهجية أكثر منها مذهبية؛ فقد خالف داود في مسائل عدة، وتبطل الظاهرية القياس والاستحسان والاستنباط والمصالح المرسلة وغيرها من المبادئ والآليات التي وضعها الأصوليون، فهم يرفضون الرأي والتأويل ويجعلون من النص منطلقهم، وهذا لا يعني أن ابن حزم بحكم ظاهريته لم يلجأ إلى التأويل، بل أعمل هذه الآلية في "آيات الصفات" بشكل فاق فيه المؤولة أنفسهم، لدرجة أن ابن تيمية قال في ذلك : "ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك"[3]، ومن أهم ما دعا إليه ابن حزم "نبذ التقليد"؛ فقد خصص جزءا مهما في كتابه "الإحكام" لإبطال التقليد والرد على المقلدة. وقد يرى البعض في رفض ابن حزم للقياس غلقا لباب الاجتهاد، لكنه بمنظور آخر فسح للمجال أمام حرية التصرف، ذلك أن إبطال القياس يحمل في طياته تقليصا لسلطة النص المطلقة التي تستمر دائرتها في الاتساع متوسلة بالقياس الذي يرد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص، في حين أن عدم العمل بالقياس يترك المجال للتدخل الإنساني، ويتجلى أيضا تحجيم سلطة النص في الفكر الحزمي في استصحاب البراءة الأصلية فلا حرام إلا ما نص القرآن أو السنة الصحيحة على تحريمه.

ابن حزم المتكلم :

التأويلية مرحلة متقدمة تلي مرحلة التسليم بالمعنى الحرفي للنص، لذلك لم يكن إعمال التأويل في النصوص الدينية مشهودا قبل ظهور الكلام، بل كان فهم المسلمين للنصوص حرفيا لا يخرج عن معناها الظاهر، ولئن كانت الظاهرية تنطوي على استبعاد الرأي والتأويل، فإن ابن حزم بحكم الأفق المعرفي في زمنه لم يضرب صفحا عن العقل التأويلي، بل إن تعامله مع نصوص الصفات ليبرز معالم عقلانية تأويلية واضحة. سلك ابن حزم طريق التنزيه رافضا مذهب المجسمة، فيرى أن الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين وغيرها إنما يراد بها الله، يقول : "وجه الله ليس هو غير الله تعالى، ولا نرجع منه إلى شيء سوى الله تعالى، برهان ذلك قول الله حاكيا عن من رضي قوله : (إنما نطعمكم لوجه الله)(76/9) فصح يقينا أنهم لم يقصدوا غير الله تعالى به. وقوله عز وجل : (فأينما تولوا فثم وجه الله)(2/115) إنما معناه : فثم الله تعالى بعلمه وقبوله لمن توجه إليه". ونفس الشيء يجري على الآيات التي ورد فيها لفظ "اليد" كقوله : (يد الله فوق أيديهم)(48/10) و (لما خلقت بيدي)(38/75) يقول ابن حزم : "إن هذا إخبار عن الله عز وجل، لا يرجع من ذكر اليد إلى شيء سواه تعالى"[4]. ويشمل هذا التأويل كافة النصوص التي تضمنت ما يوهم التشبيه. وقد صرف ابن حزم نصوصا أخرى عن معناها الظاهري تنزيها لله ودرءا للتشبيه، كقوله في حديث : "إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله تعالى" أي : بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عز وجل ونعمه"[5]. هكذا نرى أن ظاهرية ابن حزم لم تطل رؤيته اللاهوتية التي جاءت موافقة لرؤية العقليين، وفي ذلك دلالة على أن الأخذ بظاهر النصوص عند ابن حزم لا يخرج عن دائرة الفقه وأصوله، فالظاهرية منهج فقهي لا كلامي.

لقد تناول ابن حزم أثناء بحثه الكلامي معظم المسائل والإشكالات التي طرحت على طاولة النقاش في هذا الشأن، فكانت كثير من آرائه متميزة لا يفارقها الحس العقلي، ومن ذلك رأيه في مسألة عذاب القبر التي اشتد حولها اللغط في الآونة الأخيرة، فهو يرى أن هذا العذاب إنما هو على الروح فقط[6]، وكذا رأيه في أمر الدجال؛ فقد نقل ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم" عن ابن حزم أن الدجال ممخرق مموه لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه بل كلها خيالات.

وعندما تكلم ابن حزم في الطبائع وأفق الفلاسفة فيما ذهبوا إليه، وأبطل دعوى منكري الطبائع الذين ينكرون أن يكون للمادة خصائص أو أن تكون هناك علاقة علية بين الأشياء، يقول ابن حزم : " ذهبت الأشعرية إلى إنكار الطبائع جملة وقالوا ليس في النار حر ولا في الثلج برد ولا في العالم طبيعة أصلا وقالوا، إنما حدث حر النار جملة وبرد الثلج عند الملامسة، قالوا ولا في الخمر طبيعة إسكار ولا في المني قوة يحدث بها حيوان ولكن الله عز وجل يخلق منه ما شاء وقد كان ممكنا أن يحدث من مني الرجال جملا ومن مني الحمار إنسانا ومن زريعة الكزبر نخلا‏"[7]، ويرد ابن حزم على هذا الطرح بأن اللغة العربية مشتملة على ألفاظ تعبر عن أن هناك خصائص قائمة بالأشياء لا تنفك عنها، كالطبيعة والسليقة والجبلة... وقد سمع النبي هذه الألفاظ ولم ينكرها، فكل هذه الألفاظ كما يرى ابن حزم  هي أسماء مترادفة لمعنى واحد، وهو : "قوة في الشيء يوجد بها على ما هو عليه"، يرى ابن حزم أن الله خلق الطبائع والعادات ورتب الطبيعة على أنها لا تستحيل أبدا كطبيعة العقل في الإنسان وكون الحيوان غير عاقل، وكطبيعة البر ألا ينبت شعيرا ولا جوزا[8].

ومن الملفت في هذا المقام – المباحث الكلامية عند ابن حزم- طرحه لمسألة قال، إنه لم يحدث فيها التنازع العظيم إلا عندهم في قرطبة، وهي مسألة نبوة النساء، وقد ارتأيت تأجيل الحديث عنها إلى عرض موقف ابن حزم من المرأة. ومن الملفت أيضا في بحث ابن حزم الكلامي قوله بكروية الأرض واستدلاله على ذلك، وبيانه خطأ العامة الذين يقولون غير ذلك، وهنا يضطلع ابن حزم بدوره التنويري كمثقف من مثقفي عصره، ويعمل على تصحيح الأفكار الخاطئة المنتشرة بين العامة[9].

رأيه في المنطق :

إذا كان بعض علماء الدين قد ناصبوا المنطق العداء قديما وحديثا، فإن ابن حزم ألف في المنطق وانتصر لهذا العلم للأهمية والفائدة التي وجدها فيه، فعلى عكس ابن تيمية الذي ذم المنطق وحرمه ورد على المناطقة وانتقد عليهم كلامهم، نجد ابن حزم يدافع عن المنطق بكلمات قوية : "فإن قال جاهل : فهل تكلم أحد من السلف الصالح في هذا؟ قيل له : إن هذا العلم مستقر في نفس كل ذي لب، فالذهن الذكي واصل بما مكنه الله تعالى فيه من سعة الفهم إلى فوائد هذا العلم، والجاهل منكسع كالأعمى حتى ينبه عليه، وهكذا سائر العلوم، فما تكلم أحد من السلف الصالح رضي الله عنهم في مسائل النحو لكن لما فشا جهل الناس باختلاف الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة العربية، وضع العلماء كتب النحو فرفعوا إشكالا عظيما، وكان ذلك معينا على الفهم لكلام الله عز وجل وكلام رسوله (ص)"، فالمنطق في نظر ابن حزم كسائر العلوم يفرضها التطور، وتبرز الحاجة إليها مع تقدم الزمن، ويحتج على أصحاب السؤال أعلاه بأن السلف الصالح لم يتكلموا في أي من العلوم الحادثة كالنحو والفقه واللغة، فيرى أنهم "غنوا عن ذلك بما آتاهم الله به من الفضل ومشاهدة النبوة" والمنطق في رأي ابن حزم معين على فهم النصوص الدينية وإزالة اللبس : "وكذلك هذا العلم، فإن من جهله خفي عليه بناء كلام الله عز وجل مع كلام نبيه (ص) وجاز عليه من الشغب جوازا لا يفرق بينه وبين الحق، ولم يعلم دينه إلا تقليدا والتقليد مذموم" لهذا "وجب البدار إلى تأليف هذا العلم والتعب في شرحه وبسطه"[10]، فابن حزم يرى أن الله كرم بني آدم وخصهم بالتمييز الذي مكنهم من التصرف في العلوم والصناعات؛ فواجب على المرء ألا يضيع وديعة خالقه عنده وألا يهمل عطية بارئه لديه، بل فرض عليه أن يصونها باستعمالها فيما له خلق كما يقول في موضع آخر[11].

كلامه في مراتب العلوم :

ويميز ابن حزم بين العلوم، سواء التي عرفت في عصره أو علوم السابقين التي درس رسمها، فحديثه عن العلوم والصناعات التي ينبغي طلبها لا يشمل العلوم الزائفة التي لا تسير وفق القواعد العلمية والنواميس الطبيعية وتختلط بالخرافة والعبث، ومن ذلك علم السحر، والطلسمات وعلم الموسيقى واللحون، والكيمياء، ولا يتحدث ابن حزم عن فن الموسيقى الذي نعرفه في عصرنا، بل عن علم يهتم بتأثير الموسيقى على الأمزجة والطباع يقول ابن حزم : "ومن ذلك علم الموسيقى وأصنافها الثلاثة، فإن الأوائل يصفون أنه كان منها ما يشجع الجبناء وهو اللوي، ونوع ثاني يسخي البخلاء وأظنه الطنيني، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر". لا شك أن للموسيقى وألوانها تأثيرا على النفس لكنه لا يصل بالضرورة إلى تغيير طباع النفوس، ولعل هذا ما يفسر رفض ابن حزم لعلم الموسيقى واللحون المذكور، مع أنه يجيز الموسيقى كما هو مشهور عنه، وكما سنرى بعد قليل، لم يقتصر رفض ابن حزم كما سبقت الإشارة على هذا العلم، بل رفض كذلك علم الكيمياء والمقصود هنا بالتأكيد هو "الخيمياء Alchimie" أو الصورة البدائية للكيمياء الحديثة التي تدخل في دائرة العلوم البحتة، يقول عن هذه العلوم الزائفة التي جمعها في سلة واحدة : "فاعلموا أسعدكم الله بتوفيقه أن من رأيتموه يدعي علم الموسيقى واللحون، وعلم الطلسمات، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح، وكذلك من وجدتموه يتعاطى علم الكيمياء، فإنه قد أضاف إلى هذه الصفات الذميمة التي ذكرنا استئكال أموال الناس، واستحلال التدليس في النقود وظلم من يعامل في ذلك والتغرير بروحه وبشرته في جنب ما يعاني من هذه الرذيلة، فإن العلمين المذكورين أولا وإن كانا قد عدما وانقطعا البتة، فقد كانا موجودين دهورا، وأما هذا العلم الذي يدعونه من قلب جوهر الفلز فلم يزل عدما غير موجود وباطلا لم يتحقق ساعة من الدهر إذ من المحال الممتنع قلب نوع إلى نوع"[12]. وهنا يتضح مضمون الانتقاد الذي يوجهه ابن حزم لهذا العلم، وهو أنه لم يستطع إثبات موضوع تجربته؛ أي تحويل معدن إلى معدن آخر كقلب النحاس ذهبا إبريزا أو العكس.

مناهضا للخرافة :

السحر من المواضيع التي بحثت من قبل اللاهوتيين والفلاسفة والسوسيولوجيين على حد سواء، ولعل أبرز سؤال يطرح بهذا الصدد : هل للسحر حقيقة أم لا حقيقة له؟ يجيبنا ابن حزم عن هذا السؤال إجابة حاسمة رادا على من قال إن السحر قلب للأعيان وإحالة للطبائع : "السحر تخييل وتحيل لا حقيقة له، ولا يقلب عينا ولا يحيل طبيعة"[13]، وقد بنى رأيه على أن للطبيعة سننا تسير على وفقها، ولا يمكن أن تتبدل هذه السنن إلا بالتدخل الإلهي، وكل ما في العالم مرتب مضبوط بقوانين طبيعية لا تتغير "فقد وجب أن كل ما في العالم مما قد رتبه الله على ما هو عليه من فصوله الذاتية وأنواعه وأجناسه فلا يتبدل شيء منه قطعا إلا حيث قام البرهان على تبدله".فالله وحده هو القادر على إحالة الطبائع لأنبيائه فقط، ولا يمكن أن يجري شيء خارق للعادة على يد ساحر أو صالح، فابن حزم يرد كذلك على من أجازوا للصالحين بعض الأمور الخارقة على سبيل الكرامة لهم، بأن ذلك لا يجوز لا لصالح ولا ساحر ولا لأحد غير الأنبياء، فهو يقر بمعجزة النبي لكنه يرفض الكرامة : "فلا يجوز البتة وجود ذلك لا من ساحر ولا من صالح بوجه من الوجوه، لأنه لم يقم برهان بوجود ذلك ولا صح قط به نقل، وهو ممتنع في العقل" فلو كان ذلك ممكنا "لاستوى الممتنع والممكن والواجب وبطلت الحقائق كلها"، ويضيف ابن حزم سائلا من جوز ذلك للساحر والفاضل عن الفرق بين هذين وبين سائر الناس، فيرى أن لا سبيل لهم إلى الفرق إلا بالدعوى التي لا يعجز عنها أحد، أما إذا قالوا إن ذلك جائز لكل أحد فإنهم حينئذ سيلحقون بالسوفسطائية فلا يثبتون حقيقة، ومن ثم جاز تصديق من ادعى الصعود إلى السماء ورأى الملائكة وغير ذلك من التخليط على حد تعبيره[14].

ويعود ابن حزم في معرض حديثه المسهب عن السحر في كتابه "الفصل" لإقامة الحجة على القائلين بأن السحر يحيل الأعيان ويقلب الطبائع، سائلا : فأي فرق بين النبي والساحر؟ ولعل جميع الأنبياء كانوا سحرة، وإذا جاز أن يقلب سحرة فرعون حبالهم وعصيهم على الحقيقة، فيكون إذن فرعون صادقا في قوله إن موسى ساحر مثل أولئك السحرة غير أنه أعلم بالسحر منهم (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)(26/49). بعد هذه المساءلة الحائرة يقول ابن حزم : "وحاشا لله من هذا بل ما كان فعل السحرة إلا من حيل أبي العجائب فقط"[15]، وأبو العجائب على ما يبدو شخص كان يقوم بألعاب الخفة وهو ما ذكره ابن حزم أثناء حديثه عن طرق السحر : "ومنه ما يكون لطف يد كحيل أبي العجائب التي شاهدها الناس وهي أعمال لطيفة لا تحيل طبعا أصلا".

أما عن مسألة المس الشيطاني وتكلم الجن على لسان الإنسان، فيقول ابن حزم : "وأما كلام الشيطان على لسان المصروع فهذا من مخاريق العزامين ولا يجوز إلا في عقول ضعفاء العجائز"، ويرى ابن حزم أن فعل الشيطان لا يتجاوز الوسوسة في الصدور، فهذا هو فعل الشيطان فقط، وأما أن يتكلم على لسان أحد فحمق عتيق وجنون ظاهر، فنعوذ بالله من الخذلان والتصديق بالخرافات يقول ابن حزم[16].

رفضه الجمود والتقليد :

دعا ابن حزم إلى أخذ الدين من منابعه الأصلية وترك التقليد، فخطابه في هذا الصدد وإن كان مدفوعا بفكرة العودة إلى الأصل، إلا أنه يقترب من فكرة نزع القداسة عن الفقهاء وإزاحة ركام الأقوال والتقريرات الفقهية التي حجبت بساطة الدين وأضافت إليه ما ليس منه، وخلقت نوعا من التبعية فكبلت العقل المسلم، فابن حزم يدعو إلى الاجتهاد ونبذ تقليد الأئمة، يقول : "فلا يحل لأحد أن يقلد أحدا لا حيا ولا ميتا، وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته"، وقرر أن تقليد العامي للمفتي غير واجب : "ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولا لم يأت به قط نص قرآن، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل لأنه قول بلا دليل"[17]. وقد طبق ابن حزم ما قاله على نفسه فكما سبق وذكرنا أنه خالف داود الأصبهاني في أمور كثيرة، فكأنه يتبع المنهج لا المذهب الظاهري، يقول ابن خلدون في ذلك : "وصار إلى مذهب أهل الظاهر ومهر فيه باجتهاد زعمه في أقوالهم، وخالف إمامهم داود"[18].

بعض آرائه الفقهية :

ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم معاقبة قاذف العبد أو الأمة، فقالوا إن لا حد عليه معتبرين أن لا حرمة للعبد، ولا يعاقب الحر إذا قذف عبده لأنه ملك يمينه، وقد خالف ابن حزم في ذلك، ونفى أن يكون هناك إجماع على هذا الأمر، وأثبت الحرمة للعبد، يقول : "وأما قولهم ‏لا حرمة للعبد، ولا للأمة، فكلام سخيف ‏والمؤمن له حرمة عظيمة، ورب عبد جلف خير من خليفة قرشي عند الله تعالى، قال الله تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى)‏ الآية إلى قوله: (‏إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(49/13)"[19]، ويقبل ابن حزم شهادة العبد والأمة يقول : "وشهادة العبد والأمة مقبولة في كل شيء لسيدهما ولغيره كشهادة الحر والحرة ولا فرق"[20]، ويرد على المحتجين بالآية : (عبدا مملوكا لا يقدر على شيء)(16/75) بقوله : "ولم يقل تعالى : إن كل عبد فهو لا يقدر على شيء، إنما ضرب الله تعالى المثل بعبد من عباده هذه صفته، وقد توجد هذه الصفة في كثير من الأحرار(...) وبالمشاهدة نعرف كثيرا من العبيد أقدر على الأشياء من كثير من الأحرار"[21]

من الأمور التي اختلف فيها الفقهاء الغناء، فمنهم من حرمه ومنهم من أباحه، ومنهم من كرهه مع الإباحة، وقد اشتهر عن ابن حزم إباحته الغناء والموسيقى؛ فقد قرر في رسالته " في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور" بعد أن ساق طائفة من الأحاديث المانعة وبين ضعفها، جواز الموسيقى والغناء باعتباره ترويحا عن النفس، فهو كالتروح في البساتين وصباغ ألوان الثياب وكل ما هو من اللهو، ويرى ابن حزم أن الأعمال بالنيات، فإذا نوى المرء بذلك ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالا، وأوجب ابن حزم العقوبة على سارق العود والمزمار، والضمان على من كسرهما[22].

موقفه من المرأة :

إن الناظر في تقريرات ابن حزم الفقهية المتعلقة بالمرأة ليلحظ دفاعا مقصودا عن حقوق المرأة وإرادة جادة لتبويئها المكانة التي تستحقها، وهذا يكشف نظرة ابن حزم للمرأة المبنية على التقدير والاحترام، وجدير بالذكر أن من كتب ابن حزم المفقودة "رسالة في النساء" ذكر ذلك الفيروزآبادي في "البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة"، وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن نشأة ابن حزم قد ساهمت في تكوين موقفه من المرأة؛ فقد نشأ بين النساء وتربى وتعلم على أيديهن في قصر أبيه، وينضاف إلى ذلك عنصر الحياة الاجتماعية في قرطبة التي كانت أميل إلى التحرر شيئا ما بحكم التنوع الديني والعرقي والثقافي. لقد أنصف ابن حزم المرأة في عدد من المسائل، وأكد على حقها في ولوج الفضاء العام وعلى مساواتها مع الرجل في الأحكام.

يذكر ابن حزم في "الفصل" مسألة كثر فيها الكلام في قرطبة في زمانه، وهي مسألة نبوة النساء، فقد ذهبت طائفة إلى إنكار أن تكون النبوة في النساء، بينما قالت طائفة بأنه كانت في النساء نبوة فيما توقف آخرون في ذلك، وعلى المانعين يرد ابن حزم بأن لا حجة لهم فيما ذهبوا إليه غير أن بعضهم احتج بآية قرآنية : (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)(12/109)، وهو ما يعلق عليه ابن حزم بأن لا أحد ادعى أن الله أرسل امرأة، لكن هذا لا يعني أن النبوة لم تكن في النساء، فهو يفرق بين الرسالة والنبوة، فلفظة النبوة مأخوذة من الإنباء أي الإعلام فمن أخبره الله بما يكون قبل أن يكون أو أوحى إليه منبئا له بأمر ما فهو نبي في نظر ابن حزم، ولا يقصد ابن حزم بكلامه الوحي بمعنى الإلهام وليس ذلك من باب الظن والتوهم أو الكهانة أو النجوم أو الرؤيا، بل الوحي الذي يقصده ابن حزم، والذي هو النبوة تواصل بين الله والإنسان، فهو "قصد من الله تعالى إلى إعلام من يوحي إليه بما يعلمه به" ويستشهد ابن حزم على رأيه بالقرآن الذي جاء بأن الله أرسل ملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحي حق، مثال ذلك أم إسحاق التي بشرها الله بإسحاق، ومريم التي جاءها جبريل ليهب لها غلاما زكيا وأم موسى التي أوحى الله إليها بأن تلقي ولدها في اليم وأعلمها بأنه سيرده إليها ويجعله نبيا مرسلا، يعلق ابن حزم على هذه الأمثلة بأنها دليل على نبوة صحيحة بوحي صحيح ورسالة من الله[23]. ففي ما سبق دلالة عميقة على منزلة المرأة عند ابن حزم.

من القضايا المهمة التي أنصف ابن حزم فيها المرأة تجويزه أن تتولى القضاء، رغم حساسية هذا المنصب ورغم الظرف الزمني، وهي خطوة لم يقدم عليها إلا علماء معدودون في التاريخ الإسلامي نذكر منهم أبا حنيفة والطبري، في حين ذهب جمهور الفقهاء إلى منع ذلك، يقول ابن حزم : " وجائز أن تلي المرأة الحكم –وهو قول أبي حنيفة- وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه ولى الشفاء امرأة من قومه السوق"، أما الذين استندوا في منعهم إلى حديث "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة" فرد عليهم ابن حزم بأن ذلك إنما هو في الخلافة لا القضاء، ويستدل ابن حزم بأن المرأة راعية في مال زوجها ومسئولة عن رعيتها كما جاء في الحديث، فليس هناك ما يمنع من أن تلي بعض الأمور[24].

وقد خالف ابن حزم الفقهاء في مسألة صوت المرأة فهو لا يعد صوتها عورة، فعنده أن النساء إذا أذن وأقمن فحسن، وأجاز للمرأة أن ترفع صوتها بالتلبية في الحج خلافا للجمهور، وفي ما يتعلق بحقوق الزوجين يرى ابن حزم أنه لا يجب على المرأة خدمة زوجها فذلك من باب الفضل لا الفرض ومذهبه هنا يوافق الجمهور. ويجيز ابن حزم للنساء اتباع الجنائز ويقول إن ما استدل به المانعون من الآثار لا يصح، ويذهب إلى قبول شهادة المرأة في الحدود والقصاص خلافا لمذهب الأئمة الأربعة، ويرى ابن حزم أن المرأة إذا تفقهت في علوم الديانة لزم الأخذ منها ويستند في قوله إلى أن أزواج النبي وصواحبه قد نقل عنهن أحكام الدين وقامت الحجة بنقلهن. وددت لو أن رسالة ابن حزم المفقودة في النساء وصلت إلينا، فلا شك أنها ضمت أفكارا وآراء فريدة في الانتصار للمرأة.

خاتمة :

انتمى ابن حزم إلى أرستقراطية قرطبة في بداية حياته، قبل أن يأفل نجم الأمويين باضمحلال خلافتهم في الأندلس، ويؤول الأمر إلى ممالك الطوائف، لقد بعث ابن حزم المذهب الظاهري وطوره ودافع عن مبادئه بقوة فدخل في نزاع وخصومة مع فقهاء عصره المؤيدين للسلطة، وتطورت الأمور إلى أن أحرق المعتضد بن عباد كتبه في اشبيلية علانية، وانتهى الأمر بابن حزم في منفاه في قريته منت ليشم حيث توفي سنة 456 هـ / 1064 م. يرى بعض الباحثين أن ظاهرية ابن حزم كانت رد فعل على التغيرات السياسية التي حصلت في الأندلس إذ كان منهجه الفقهي مستبطنا لمعارضة سياسية للوضع القائم؛ فقد رفض القياس لأنه اتخذ مسوغا لسياسات بعض أمراء الطوائف، خاصة وأنه كان في صف الأمويين الذين جمعته بهم علاقة وطيدة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الفكرة لأن مسار تشكل المنهج الحزمي لا يخلو من مؤثرات معرفية، فإنه لا يخفى تأثير الأوضاع في تكوين الأفكار، وثابت أن اللاشعور السياسي كان ترسا ذا أهمية في الحراك الفكري والمذهبي في التاريخ الإسلامي.

بعد ما تقدم لا أزعم أن ابن حزم كان "عقلانيا" بالمعنى الحديث للكلمة، لكنه بلا شك مارس التعقل في بعض الأمور، ولا أقول إنه يقدم العقل على النص رغم أن له حديثا في اثبات حجج العقول في "الإحكام" يقدم من خلاله نظرية في المعرفة تعتبر العقل مصدرا وحيدا للمعرفة الأولية، فابن حزم كسائر الظاهرية يقدم النص على العقل، فإن كان قد أعلى من شأن العقل أحيانا، فإننا نجد أنه عطله وأقاله أحيانا أخرى، إلا أن في فكره تبرا مخبوءا ارتأيت استخراجه، لبيان أن ثقافتنا لم تعدم ما يمكن أن يشكل أساسا للبناء الحداثي، ولبيان أن هذه الثقافة تملك في داخلها أسباب الرقي الفكري والحضاري، وليس التراث عقبة أمام عملية التحديث، بل إنه يحوي في تضاعيفه طاقة للدفع بعجلة التحديث.

* باحث مهتم بالفكر الإسلامي وفلسفة الدين

[1] رسائل ابن حزم الأندلسي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2، 1987، ج1، طوق الحمامة في الألفة والألاف، ص 90

[2] المرجع نفسه، ج 1، ص 308

[3] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط 2، 1991، ج 5 ، ص 250

[4] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الجيل، بيروت، ط 2، 1996، ج 2، ص347-348

[5] المرجع نفسه، ج 2، ص 350

[6] المرجع نفسه، ج 4، ص 117

[7] المرجع نفسه، ج 5، ص 115

[8] المرجع نفسه، ج 5، ص 117

[9] المرجع نفسه، ج 2، ص 241

[10] ابن حزم، التقريب لحد المنطق، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2003، ص 10

[11] رسائل ابن حزم الأندلسي، ج 4، رسالة مراتب العلوم، ص 61

[12] المرجع نفسه، ج 4، ص 62

[13] ابن حزم، الدرة فيما يجب اعتقاده، مكتبة التراث، ص 192

[14] ابن حزم، الفصل، ج 5، ص 100

[15] المرجع نفسه، ج 5، ص 104

[16] رسائل ابن حزم الأندلسي، ج 3، ص 228

[17] ابن حزم، المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار، بيت الأفكار الدولية، الأردن/ السعودية، ص 73-74

[18] ابن خلدون، المقدمة، دار الفكر، بيروت، 2007، ص 455

[19] ابن حزم، المحلى في شرح ...، ص 2151

[20] المرجع نفسه، ص 1569

[21] المرجع نفسه، ص 1570

[22] رسائل ابن حزم الأندلسي، ج 1، ص 438، وانظر أيضا قوله في المحلى/كتاب البيوع بجواز بيع المعازف، وإيجابه العقاب والضمان على سارقها وكاسرها.

[23] ابن حزم، الفصل، ج 5، ص 119- 120

[24] المحلى، ص 1581

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق