أوغست كونت: مؤسس علم الاجتماع الحديث
07 يناير 2015 | 0 تعليق

الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت -(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

عاصر تقدم العلوم والاكتشافات في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وكون لنفسه فلسفة تهدف إلى إعادة تنظيم المجتمع، وارتبط اسمه بالمذهب الوضعي القائم على تمجيد العلم ورفض الميتافيزيقا بمعناها التقليدي، وقدم مساهمات اعتبرت نقطة تحول في تاريخ الفكر السوسيولوجي، وتمكنت من التمييز بين مجموعتين من القضايا التي تهتم ببناء المجتمع بأجزائه وعلاقاته المتداخلة، إنه أوغست كونت المفكر الفرنسي ومؤسس علم الاجتماع الحديث.

ولد الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت بمدينة مونبلييه من أسرة متدينة، وكانت عائلته تأمل أن يمشي على دربها، وأن يصبح رجلا متديناً، غير أن كونت وفي سن مبكر أعلن عن رفضه للدين الذي تربى ونشأ فيه، ولكل الديانات، والتحق بمدرسة الفنون التطبيقية التي كانت أرقى الكليات الجامعية، غير أن تزعمه لحركة عصيان أودى إلى فصله منها.

تأثر كونت بأفكارالمفكر سان سيمون الذي عمل معه سكريتيراً لمدة سبع سنوات، وبعد اختلافه معه اتجه إلى تأسيس المذهب الوضعي، التيار الذي يعتبر نفسه أكثر الاتجاهات مسايرة للعلم والروح العلمية، وأكثر المذاهب استعداداً لتجديد الفكر والفلسفة وتحريرها من أوهام مابعد الطبيعة، والنسق الذي يحمل بين طياته فلسفة إيجابية؛ فالعصر في نظر كونت فوضى فكرية، لهذا كان يرى أن إصلاح الفكر هو أهم عمل يمكن القيام به، وذلك بتوحيد العقول وأنماط التفكير بواسطة العلم، وليس الدين كما كان الشأن في العصور الوسطى، وسيتم ذلك بواسطة وضع مذهب علمي شامل يقوم على مبادئ واقعية.

على الرغم من نجاحه الفكري، حيث كان الفيلسوف الفرنسي يلقي محاضراته في جامعات مختلفة، إلا أن حياته عرفت سلسلة من الإحباطات والفشل، فقد أصيب بمرض عقلي لمدة معينة، وحاول الانتحار مرات عدة، وعاش في عوز وضيق مادي لمراحل متقطعة من حياته، حتى أن ستوارت مل رتب له معاشاً، ليستطيع مواصلة بحوثه. وقد نتج عن اللاستقرار النفسي الذي عاشه كونت وقوعه في "حب سيدة لم تبادله أي شعور فعادت أزمته العصبية، وتوجه إلى التفكير الصوفي، وصارت محبوبته رمزاً الإنسانية، فكان يصلي لها، وكانت شيطانه الذي أوحى إليه كتابه الثاني "مذهب في السياسة الوضعية" (1854-1851) والتعليم الديني" التعليم الديني الوضعي" (1852) كما جاء في قاموس الفلاسفة لجمال هاشم.

 تاثر بالمفكر سان سيمون، وعرفت حياته سلسلة من الإحباطات والفشل.

إذا كانت المذاهب المثالية والمادية ومذاهب وحدة الوجود، مهما اختلفت أصولها وأشكالها، لم تصل إلا إلى هدم المذاهب المضادة لها دون تحقيق استقرار نهائي، فإن أوغست كونت في المقابل تمكن من إناء فلسفة تفرض نفسها على جميع العقول.

يقول كونت: "وقد زعمت هذه المذاهب أنها تستطيع تزويدنا بمعرفة عقلية لما هو خارج عن نطاق العلم بطبيعته، وركبها الزهو بتفسير الجوهر، والسبب، والغاية، ونظام ظواهر الكون، ولذا لم تستطع إلا أن تنشئ أفكاراً مؤقتة كانت بلا شك ضرورية في وقتها، ولكن سرعان ما عفّى عليها الزمن، وليس أي مذهب ميتافيزيقي إلا مذهباً لاهوتياً يصطبغ بالصبغة العقلية وفي هذا سر ضعفه، إذ سرعان ما يتجرد من الصفة التي أكسبته إيمان الناس به في الزمن الذي عاش فيه.

يعتقد "المذهب الوضعي أن الفكر البشري لايدرك سوى الظواهر الواقعية التي تتمثل في المجال الحسي والإدراكي، وأن مهمة العلم والمعرفة هي إبرازالعلاقات والقوانين القائمة بين الأشياء، وأن المنهج التجريبي؛ أي الطريقة القائمة على تتبع الظواهر واكتشاف ارتباطاتها الواقعية هي المثل الأعلى اليقيني. لذا من اللازم في نظر المذهب الوضعي إقامة حدود فاصلة بين البحث التجريبي الوضعي المرتبط بالظواهر الواقعية الملموسة، وبين البحث الفلسفي الميتافيزيقي الذي يرتبط بأشياء بعيدة بطبيعتها تمام البعد عن متناول الإنسان. فالعلم في نظر التيار الوضعي يبقى هو المعرفة الوحيدة المشروعة؛ أي المعرفة التي يتحقق فيها اليقين، ونتأكد فيها من صحة ما نقوله تجريبيا" كما جاء في دراسة للباحث محمد مستقيم تحت عنوان أعلام الحداثة.

أسس كونت مذهبه على دراسة لتطور العقل البشري عبر التاريخ، حيث صاغ ذلك في قانونه المشهور سماه "قانون الحالات الثلاث"، وهو القانون الذي أبرز فيه المراحل الأساسية التي مر بها الفكر البشري لكي يصل إلى العلم، حيث فسر أن كل مرحلة تقوم على تصور وتفسير معنيين للظواهر الكونية؛ فالمرحلة اللاهوتية الخرافية هي المرحلة التي لجأ فيها الإنسان إلى الخيال من أجل تفسير الظواهر مفترضا وجود قوى روحية مفارقة، وآلهة تتحكم في الوجود وظواهره، على سبيل المثال إله للمطر وإله للشر وآخر للخير ورابع للجمال.. ، كما اعتبرها سببا لوجود الكون، والمرحلة الميتافيزيقية، وهي اللحظة التي حاول فيها العقل البشري البحث في جوهر الأشياء وعللها الذاتية، وعلى الرغم من أنه لم يبحث خارجها عن آلهة وأرواح، فلقد حافظ فيها العقل البشري على سمة وجود قوى خفية في الأشياء، وتعد هذه المرحلة موازية لازدهار الفلسفة اليونانية، التي فسرت معظم الظواهربإرجاعها إلى قوة معينة غير طبيعية، فأرسطو مثلا في محاولته تفسير حركة الأجسام قال بأن الأجسام الثقيلة، وهي الماء والتراب، إذا ألقي بها إلى أعلى ورجعت إلى الأسفل؛ أي إلى أصلها لأن الشبه يحن إلى الشبه. أما الأجسام الخفيفة كالنار والهواء، فإن حركتها الطبيعية هي دائما إلى أعلى؛ أي إلى الاتجاه إلى أصلها الشبيه بها، ولأجل ذلك يرى كونت أن المنهج الفلسفي الميتافيزيقي لا يختلف كثيرا عن المنهج الخرافي، حيث فسر الذهن البشري الظواهر الطبيعية بقوة غير طبيعية.

 أسس مذهبه على دراسة لتطور العقل البشري عبر التاريخ، وصاغ قانون الحالات الثلاث.

أما في المرحلة الوضعية التي تميزت بسيادة العلوم، فقد اهتم العقل البشري بدراسة قوانين الطبيعة من خلال دراسته العلاقات القائمة بين الظواهر، وتخلى الفكر البشري عن إرجاع الظواهر إلى العلل أو القوى الماورائية، واكتفى بالبحث عن نفس الظاهرة بالظاهرة نفسها، متبعا النموذج والمنهج العلمي الذي لا يضيع وقته في البحث عن علل أخرى غير تلك التي تمثل أمام عن طريق التجربة والخبرة.

وتعود المرحلة الوضعية إلى المرحلة الصناعية لأروبا الرأسمالية خلال القرن 19عشر، وهي فترة تميزت بإيمان وحيد، وهو الإيمان بالظواهر المحسوسة التي تدرسها علوم الطبيعة، ومن أهم إسهامات كونت فيها بالإضافة إلى تأسيسه للمذهب الوضعي، تأسيسه لعلم الاجتماع الحديث، فقد وضعه على خريطة العلم، ولم يعتبره فقط مجرد اختراع للمصطلح الذي يدرس العلم، بل اعتبره الدراسة العلمية للمجتمع، حيث يمكن للدارس الاهتمام بدراسة حقيقية موضوعية خالصة من خلال التزام ذلك العلم بالوضعية، وفي هذا مزج كونت بين التجديد الفكري ووضوح التصور والمعالجة الواسعة المدى للأفكار، وبهذا يكون كونت الوحيد الذي تمكن من جمع هذه الخصائص في تاريخ الفكر الاجتماعي، كما أن تجديده للفكر نبع من خلال ترشيد الإحساس الذي يأتي بطريق طبيعي للشخصية العلمية الموضوعية الغير العاطفية.

ويعتبر العديد من الدارسين على أن علم الاجتماع من إبداع أوغست كونت الذي خصص له ثلاثة مجلدات من كتابه" دروس في الفلسفة الوضعية" دعاه SOCIOLOGIE، فذاع هذا الاسم إلى يومنا هذا، وقسم كونت هذا العلم إلى فرعين أساسيين، وهما الاجتماع السكوني والاجتماع الدينامي. ويعتبر كونت أن الحالة الطبيعية للمجتمع هي حالة استقرار والثبات ومن هنا كانت فلسفته إصلاحية.

تمكن كونت من دراسة مشكلات المجتمع بروح عقلية من خلال إطار فكري تصوري محدد، وألقى محاضراته حول فلسفته جمعها في كتابه"دروس في الفلسفة الوضعية" (1832-1842) ، وكان أول مؤلفاته" مشروع العلمية الضرورية لإعادة تنظيم المجتمع"(1822)، ويعد كتاب" الفلسفة الوضعية" من أشهر مؤلفات كونت.

ويرى كونت أن من مزالق الفكر البشري استقلال الحقول العلمية (الرياضيات، الفيزياء، البيولوجيا) عن إطار الفلسفة، وتخطي أسلوبها في التفكير والمقاربة المتسمة بالتجريد والقياسات المنطقية، واعتبر أن تطوره واكتمال المرحلة الوضعية يتطلب تمديد المنهج العلمي، ليشمل المجال الإنساني أيضاً، كما أشار أن السوسيولوجيا، والتي أسماها أولا بالفيزياء الاجتماعية هي ضرورة تاريخية، إذ بها يكتمل للبشرية الانتقال إلى المرحلة الوضعية.

ترك وراءه فلسفة كان مركزها الإنسان، ودعا في آخر حياته إلى دين عبادة الإنسانية؛ فالإله الجدير بالعبادة هو الإنسانية ومصالحها.

غادر كونت الحياة في الخامس من سبتمبر عام1857 ، بعد أن أسس لعلم الاجتماع الحديث ولمذهبه الوضعي، الذي دعا فيه إلى القطيعة مع المرحلة الميتافيزيقية واللاهوتية، لكن يبقى السؤال هل تحقق حلم أوغست كونت بانتقال البشرية إلى الوضعية وقطيعتها مع المرحلتين السابقتين؟ سؤال سيجيب عنه التاريخ، والأهم أن كونت ترك وراءه فلسفة كان مركزها الإنسان، ودعا إليها في آخر حياته إلى دين عبادة الإنسانية؛ فالإله الجدير بالعبادة هو الإنسانية ومصالحها، ويقول جان لاكروى: "لا وجود للإنسان الكامل في نظر كونت، فهو يقول بوجود الإنسانية وحدها، لأن تطورنا مرتبط بالمجتمع...يجب علينا احترام الإنسانية أكثر تعداداً وأفضل من مجموعة أفراد أو مجموعة مجتمعات، فهي تعيش وتحيا كاملة في كل جيل ونحن مدينون لها بكل ما يميزنا عن الحيوانات، فالإنسانية تركة تأتي من الطبيعة ومن التاريخ معاً...الفرد يرث حياة النوع ونتاج التربية الاجتماعية حتى أنه يمكن القول وفق الرأي التقليدي إن" الانسانية تتكون من الأموات أكثر منها من الأحياء". ويحدد كونت الإنسانية بأنها" مجموعة المخلوقات الإنسانية الماضية المستقبلية الحاضرة".

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق