"أيام من رمضان" يرصد المحطات الزاهية في الإسلام
08 يونيو 2016 | 0 تعليق

رسم لفتح الأندلس – (أرشيفية)
ذوات

يجمع  كتاب "أيام من رمضان"، للباحث المصري د. محمد سليم العوا عدداً من الأحداث المهمة في التاريخ الإسلامي والسياسي، ويقف عند كل حدث منها، ليعرض الدروس المستفادة منه، وما يحقق منها الفائدة للحاضر والمستقبل.

ويستهلّ العوا كتابه، الصادر عن دار الشروق بالقاهرة، بغزوة بدر، باعتبارها النصر السياسي الأول في تاريخ الإسلام والمسلمين، وينتهي بحرب السادس من أكتوبر 1973، أو 1393هجرية.

من الأيام التي يتوقف عندها العوا، فتح مكة، وغزوة تبوك، ومعركة البويب وفتح الإسكندرية، ودخول الإسلام النوبة، وفتح الأندلس، وفتح عمورية

وبين هذين اليومين العظيمين، تأتي أيام عديدة وقعت في أماكن مختلفة من أرض الإسلام، "لكل يوم فيها خصائصه وأسبابه ونتائجه التي ينبغي أن نعلمها لأبنائنا، وأن نجعل منها حديثًا نافعًا في مجالسنا، وأن نعرف أسماء الأماكن ومواضعها، وأن نعرف أسماء الأبطال الذين شاركوا في مواقعها، وأن ندرك أثر كل يوم منها في إنشاء حضارتنا، أو المحافظة عليها، أو توسيع نطاقها".

ومن ضمن الأيام التي يتوقف عندها العوا، فتح مكة، وغزوة تبوك، ومعركة البويب وفتح الإسكندرية، ودخول الإسلام النوبة، وفتح الأندلس، وفتح عمورية، وعين جالوت، ومعركة شقحب، وموقعة الزلاقة، وفتح بلجراد.

ويشير العوا في الكتاب إلى أنّ الفائدة التي يرجوها من كتابه هو تعريف الأجيال الجديدة بأسماء الأماكن ومواضعها، وكذلك أسماء الأبطال الذين شاركوا في هذه المواقع، مؤكداً أنّ "أثر كل يوم من هذه الأيام يدل على أهمية إنشاء حضارتنا والحفاظ عليها أو توسيع نطاقها".

ويبرز الكتاب كيف شَهِد "رمضان" على مدار عمر الإسلام أيامًا عظيمة خلدها التاريخ، وغيَّر بعضها من معالم تاريخ الإنسانية كله، وعلم بعضها المسلمين دروسًا لا تنسى، ولأنه شهرٌ يرفع من الروح المعنوية للمسلمين ويقوي قدرتهم على العطاء لدينهم، فإنّ كثيرًا من هذه الأيام كانت من وقائع القتال في سبيل الله الذي آزر النصر فيه المسلمين مؤازرة غيرت من واقعهم ومن واقع أعدائهم، ووضعت لبنات ثابتة في بناء الدولة الإسلامية في زمنها القديم والحديث.

والعوَّا محام بالنقض ومحكم دولي، وأستاذ جامعي سابق، وله إسهامات فكرية، كما كان يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس جمعية مصر للثقافة والحوار. يتميز فكره بالاعتدال والتركيز على الحوار لا الصدام بين العالم الإسلامي والغرب، حصل على دكتوراه الفلسفة (في القانون المقارن) من جامعة لندن.

وفي حديثه عن "فتح الأندلس" يذكر العوا أنّه بعد أن أتم المسلمون بقيادة موسى بن نصير فتح المغرب الأقصى، واستولوا على ثغر طنجة أشرفوا على شواطئ الأندلس من الضفة الأخرى من البحر، ولم يبق أمامهم لاستكمال فتح إفريقية سوى ثغر سبتة الذي يقع مقابل طنجة في الطرف الآخر من اللسان المغربي.

يرى المؤلف أنّ لكل يوم في رمضان خصائصه وأسبابه ونتائجه التي ينبغي أن نعلمها لأبنائنا، وأن نجعل منها حديثًا نافعًا في مجالسنا

 وكانت سبتة قد أحبطت محاولات فتحها بسبب مناعتها الجغرافية، وحرص حاكمها يوليان على الدفاع المستميت عنها. وكان موسى بن نصير يتطلع إلى فتحها، على الرغم من منعتها وقوة حاكمها وجيشه، لتخلص أفريقية للحكم الإسلامي، وبينما هو يرقب الفرصة المواتية لتحقيق ذلك، إذ جاءته رسالة من حاكم سبتة يعرض فيها تسليم معقلها الحصين ويدعوه إلى فتح إسبانيا، وذلك نكاية في حكام إسبانيا الذين كانوا على خلاف قديم وعداوة مستمرة مع يوليان حاكم سبتة.

استجاب موسى لهذه الدعوة، واهتم أعظم اهتمام بمشروع الفتح، لاسيما وهو كان قد وقف على أحوال إسبانيا وخصبها وغناها، وأن حاكم سبتة وحلفاءه هونوا عليه الأمر بذكر ما تعانيه إسبانيا من الخلاف والشقاق بين حكامها، وما يسودها من التحلل والضعف. وعرض يوليان تقديم سفنه لنقل المسلمين في البحر والمعاونة في غزو إسبانيا بجنده وأدِلاءَ أكْفاء يعرفون دروب البلاد، ويستطيعون إرشاد المسلمين في الطرق المجهولة لهم.

 فكان أول نزال بين المسلمين والقوط، حكام الأندلس، في رمضان سنة 91 هـ إذ اجتازت حملة صغيرة البحرَ، في أربع سفنٍ قدمها إليهم حاكم سبتة، فنزلت الجزيرة الخضراء من أرض الأندلس فأصابت كثيرا من الغنائم، وقوبلت على غير توقع بترحيب من أهلها وإكرام كان سببهما بغض هؤلاء لحاكمهم لذريق الذي كان ظالماً قاسياً يتمتع ببغض مواطنيه الممزوج بخوفهم منه.

 ثم وَلَّى موسى بن نصير طارقَ بن زياد الليثي، الذى كان حاكما لطنجة، وهو من البربر من أسرة حديثة الإسلام، حتى ذكروا أنه ليس في نسبه اسمٌ مسلمٍ قبل اسم جده عبدالله، وينتهي نسبه إلى قبيلة زناتة البربرية. وكان طارق جندياً عظيماً، أظهر شجاعة فائقة وبراعة هائلة فى غزوات المغرب تحت قيادة موسى بن نصير، ولذلك اختاره لحكم طنجة وما حولها، وهي يومئذ أخطر بقاع المغرب الأقصى وأشدها اضطراباً.

فلما عيَّنه موسى بن نصير قائداً لفتح الأندلس عبر البحر من سبتة بجيشه، في سفن حاكم سبتة القليلة، ونزل في أرض صخرية مقابل سبتة سميت من يومها باسم: جبل طارق، ولقي مقاومة محدودة من جيش حاكم الجزيرة، لكنه هزم شراذم القوط، واستمر في سيره الذى كان بعيداً عن عاصمة طليطلة مما دفع لذريق إلى الإسراع بالعودة إليها ليواجه هذا الخطر الجديد. وجهز بسرعة جيشاً عليه قائد من قواده الكبار، ليسبق إلى لقاء طارق حتى يستكمل لذريق أهبته للحرب، لكنّ طارقاً هزم هذا الجيش هزيمة منكرة واخترق وسط إسبانيا وغربها مستمراً في مسيرته نحو طليطلة نفسها.

كانت الهزيمة التي ألحقها طارق بن زياد بالجيش الذي أرسله لذريق لمحاربته ذات أثر بعيد في نفس القوط وملكهم الذي كان عرشه مقلقلاً بسبب الخلافات بين من حوله وتفرقهم، شيعاً وأحزاباً، كل منها يتطلع إلى انتزاع الملك منه. ولكن الخطرالقادم من جيش المسلمين، وحد هؤلاء المختلفين. واستطاع لذريق أن يستفيد من أثر هذا الخطر فيجمع حوله جمهرة الأمراء والأشراف والأساقفة، وحَشَدَ هؤلاء رجالهم وأتباعهم، فاجتمع للقوط يومئذ جيش ضخم قدر بما بين تسعين ومائة ألف.

واتجه الجيش جنوباً بعد خروجه من طليطلة للقاء المسلمين. وكان طارق بن زياد قد بلغته أنباء هذا الاستعداد العظيم، فكتب إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد فأمده بخمسة آلاف مقاتل، فبلغ عدد جيش المسلمين نحو اثني عشر ألفًا. معهم قوة صغيرة يقودها حاكم سبتة من أصحابه وأتباعه وهم من المسيحيين.

كان القوط أضعاف المسلمين عدداً، وكان المسلمون يقاتلون في أرض العدو في هضاب ومفاوز لا علم لهم بدروبها، ولا عهد لهم بها. والتقى الجمعان قريباً من مدينة شَذُونَة. وكان ملك القوط يشعر بالخلل في نفوس من حوله، فأرسل طليعة من فرسانه تناوش المسلمين ليعرف مدى قوتهم، فما إن رأى المسلمون هذه الطليعة حتى انقضوا عليها يريدون استئصالها، فولى أفرادها هاربين، وأنبأت هزيمتهم المنكرة لذريق بحال جيش المسلمين وما هم عليه من القوة المادية ومن الروح المعنوية العالية.

ثم بدأت المعركة الحقيقية بين الفريقين في الثامن والعشرين من رمضان سنة 92 هـ واستمرت سبعة أيام أظهر فيها أو في أوائلها فرسان القوط قدرة عظيمة وثبتوا لضغط العرب والبربر والسودان، الذين كانوا قوام جيش طارق بن زياد.

وعندما احتدمت المعركة واشتد أوارها بدأ الناقمون على لذريق، الذين جمعهم خطر الفتح الإسلامى حوله، يتحينون الفرصة للإيقاع به ويعملون عمل الطابور الخامس في جيشه، ويشجعهم على ذلك حاكم سبتة وأسقفها اللذان كانا في صفوف المسلمين متحالفين معهم.

وأخذ كل أمير من أمراء لذريق يطلب السلامة لنفسه، ويعمل على الانفلات بأتباعه من المعركة بغير خسائر أو بأقل خسائر ممكنة، فخلخل ذلك صفوف جيش القوط، وفتَّ في عضد من بقوا على ولائهم لملكهم من أمراء لذريق وجنوده، وتمكن جيش طارق بن زياد على ضآلة عدده، في مقابلة جيش لذريق من إحكام السيطرة على عدوهم وتطويق كتائبه. فلم يأت اليوم السابع من أيام المعركة إلا وقد تم النصر لطارق وجنده، وهزم القوط شر هزيمة، وشُتِّتَ منهم ألوف في كل صوب.

لما عيَّن موسى بن نصير طارق بنَ زياد قائداً لفتح الأندلس عبر البحر من سبتة بجيشه، ونزل في أرض صخرية مقابل سبتة سميت من يومها باسم: جبل طارق

ولم يعثر للذريق على أثر بعد المعركة: قيل إنه ألقى بنفسه فى النهر بعد أن أثخنته الجراح فمات غريقاً، وقيل إنه قتل في المعركة ولم تعرف جثته وقيل إنه فر ثم قتل بعد ذلك، وقيل إنه لحق ببعض الأديرة في البرتغال وترهب وعاش متنكراً فلم يعلم بحقيقته أحد(!)

وأيا ما كان الأمر، فإن الثابت الوحيد أن هذا الملك فقد حياته وملكه في موقعة واحدة، وهي موقعة شَذُونَة، وبها انتهى عهد القوط في الأندلس بعد أن استمر زهاء ثلاثمائة سنة ليبدأ عهد الحكم الإسلامي الذى امتد هناك نحو ثمانية قرون، والله يداول الأيام بين الناس.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق