"إلهُ" الصغير أولاد أحمد... أو في الطريق إلى إيمان الشعراء
27 ابريل 2016 | 0 تعليق

*مفكر تونسي
فتحي المسكيني*

"المعركة كلّها تدور حول طول وجود هذا الجسد على الأرض، في ذاكرة البشر، جنباً إلى جنب مع الأنبياء وكبار القدّيسين"[1]، - لا يملك الشاعر غير جسده. هكذا يعيّن أولاد أحمد ثروته الوحيدة: إنّها جسده؛ لكنّها لا تعني أنّه لا "نفس" له. قال: "ما الشاعر -تحديدا- إن لم يكن جسده المخصوص"[2]، كيف يجدر بنا أن نأخذ هذا الجمع بيدين غريبتين إحداهما عن الأخرى بين الأمل البعيد: صحبة الأنبياء والقدّيسين، وبين الثروة الميتافيزيقية، المفعمة جدّا بقلّتها الموحشة: الجسد المخصوص للشاعر؟ ما يجمع بينهما هو "حقّ الشاعر في المطالبة بألاّ يقف أحدٌ في ظلّه الشخصي، حتى يواصل إنشاده الأبدي:

واقفٌ

في

حذائي

وظلّي يقبّل خدّ فتاة بعيده

واقف...

ليس لي ما أقولُ

سوى:

أنّ روحي الوحيدة صارت وحيده!"[3]

هذا بيت الخصومة بين الشاعر والنبي: صوت يخرج من لا-مكان يطالب بألاّ يقف أحد في ظلّه. لا يفتعل الشاعر معركة مع غريب، بل مع صاحب قديم "على الأرض"، والرهان هو "طول الوجود" في "ذاكرة البشر"، إنّه صراع خفيّ ولكنه عميق، على نوع "الخلود" الوحيد الذي يتوفّر عليه الفانون: إنّه "الوجود" أطول مدّة ممكنة في ذاكرة الفانين. هل أساء الشاعر الأدب إزاء أيّة جهة من جهات المقدّس؟

ما يجمع بين الشاعر والنبي أو القدّيس هو الوجود، نعني هذا النمط الصعب من البقاء في ذاكرة البشر. ولذلك، يسمّيها أولاد أحمد باسمها المخصوص: إنّها "معركة". لكنّ أداتها الوحيدة بالنسبة إلى الشاعر هي "الجسد". ولذلك، لا يطلب الشاعر أكثر من ظلّه. وليس لظلّه من مهنة عليا أخرى غير "الإنشاد الأبدي". وهذا هو "حقّه" الذي لا يعترف به من لا ظلّ لهم، لأنّهم يقفون دوما في قامة "آخر" ما. كلّ من تعوّد الوقوف بلا ظلّ هو يطالب الشعراء بالسكوت عن أنفسهم.

قال: "لامني الصمتُ على صمتي الطويل"[4].

لا يوجد الشاعر أنصافاً أو على أقساط. يوجد الشاعر "دفعة واحدة أو لا يكون"[5]. وهذا ما هو مزعج في نمط حضوره بين من لا ظلّ لهم. إنّهم يرمقونه بعيون ملؤها تأجيل العالم إلى فرصة أخرى، ربّما في مكان آخر، لا وجود له.من لا ظلّ لهم يؤجّلون العالم إلى وقت آخر. لكنّ أولاد أحمد يصرخ شاعرا: "ليس لي وقتٌ لوقت لاحق/ أكتب الآن وأنتم تبدعون"[6]. ما يكتبه الشعراء هو همْ. ما بقي هو محض تأجيل لعالم آخر. و"حالات الطريق" هي مملكة الشاعر الوحيدة: إنّه جملة الحالات التي صارَها، وكانَتْهُ بلا رجعة. وحده الشاعر يحوّل الكتابة إلى "إبداع" أي إلى وعد بعوالم جديدة. لكنّ من لا ظلّ لهم يقفون في ظلّه، وينتمون إليه رغم قلبه. ولذلك ما أكثر ما يسكت الشاعر عن نفسه، حتى يقوله الآخرون. لكنّ معركة الذاكرة أكثر شراسة ممّا يظنّ العابرون إلى عالم آخر. هي لا تنفصل عن سياسة صمت مناسبة. والصمت أحد مخاطر الكلام.

قال: "وأعدّ أصواتي التي صمتت..

وممدّدين: أنا وظلّي والخسارةُ..

سوف نصرخُ بالطريق:

أوصلتهم.. وأضعتنا:

شكرا: ..نحبّك يا طريق"[7].

يشترك الشاعر مع الأنبياء في أيقونة "الطريق"، لكنّه لا يذهب بها إلى أيّ عالم آخر. إنّه يحترف البقاء فيه، باعتباره هو المعنى المخصوص للوجود على الأرض. إنّ ذاكرة البشر هي مجرّد طريق. إلينا. ولذلك، يضطرّ الشاعر إلى عدّ أصواته التي صمتت، حتى لا تصبح هزيمته نصرا لأيّ أحد. ولذلك هو يأخذ "الخسارة" بوصفه نوعا من الصحبة. إنّها فنّ محبّة الطريق في تجمّع داخلي يحشد له الشاعر كلّ أصواته الصامتة: "أنا وظلّي والخسارة..". لا أحد ينتصر على شاعر؛ لأنّه لا أحد بإمكانه الانتصار على طريق. يسير نحونا. قال: "سأظلّ أبحث عن حروف.../ كيفما رتّبتها..تعني: الطريق"[8]. ليس الطريق جوابا عن أيّ شيء. إنّه لا يحرس أحدا. ولذلك، يحرص الشاعر على ارتياد الطريق كشكل وحيد من الأفق. يخاف المنتصرون والمنهزمون على حدّ سواء من كبرياء الطريق، حين يسكنها شاعر، وهو يطمئنهم بلا انقطاع: لا تخافوا

"يبقى لكم هذا الفراغ....

........................

........................

مئونةً...تكفي الطريق"[9]

ما يخيف الواقفين في ظل الشاعر، كي لا يستعمل جسده المخصوص هو حراسة الفراغ. ومن لا ظلّ لهم لا يتقنون غير حراسة الفراغ من البشر. وحده الشاعر يسكن فراغه بشكل مناسب. يحتمل حالاته. ولا يتردد في مواصلة الطريق. لا يتقن البعض غير حراسة "القبر العالي" لأنفسهم، وهم يرفعونه أعلى من قاماتهم بأجهد ما يكون. لكنّ الشاعر يطمئن أيّ قبر عال قائلا:

"سأكون جسمَك ماشيا..

ومغنّياً..

طولا وعرضا..في الطريق

...

سيكون حفري للقبور مباشرا..

بطريقتي.

وعلى الطريق"[10].

لا يعد الشاعر إلاّ بأن يكون جسماً؛ إلاّ أنّه ليس أيّ جسم. إنّه ذاك الذي يمكن لـ "نائم في قبره العالي..ويحرسه الملاك"[11] أن يرغب في السكن فيه. يخيّرنا الشاعر بين حراسة قبر في عالم آخر، وبين حفر القبور على طريقة البشر. لا يكون القبر البشريّ مناسبا إلاّ إذا كان "مباشرا": في زمن فانٍ مثلنا. وإلاّ تحوّل إلى وعد أعلى من البشر. لكنّ ما هو مباشر يوجد دوما على الطريق نحو أنفسنا. يحترف الشاعر حفر القبور لمن لا ظلّ له، لكلّ أولئك الذين يعجزون عن دفن أنفسهم الميّتة بأيديهم. ويفضّلون انتظار عالم آخر. وحده من يملك شجاعة الطريق يمكن أن يقرأ "قبل السياسة والدين، شعر الحياة"[12].

ما يجازف به قلب الشاعر هو الطمع في خلود ما بوسائل بشرية؛ وليس أظلم لديه من صوت يقول: "القصيدة عيبها أنّ القدرْ../ لا يستجيب لشاعر..مهما ابتكرْ"[13]. إنّ مهنة الشاعر، وليس له سواها، هو أن يُبقي علاقة الفانين بالقدر ممكنة. إنّه يأخذ فناءه على محمل الجدّ، وأكبر خطر يهدّد هذا الجدّ هو أن يزعم أحدهم إمكانية إلغاء هذا الفناء وتحويله إلى فضل أخلاقي. ولذلك، لا يحرّك قلب الشاعر سوى حسّ بعيد الغور بالعدل.

قال:

"إذا كان ربي حبيبك وحدك...

أخبره أنّا يتامى...وأنّا خُلقنا بلا فائده"[14]

لا يدخل الشاعر في علاقة مع "الإله" إلاّ في أقصى لحظات ارتباك العالم حوله: في لحظة يتعرّض فيها الطريق البشري بعامة إلى تهديد أخلاقي واسع النطاق. وأقصى تهديد يسجّله أولاد أحمد في كلّ شعره ونثره كليهما، هو ادّعاء أحدهم أو مؤسسة أو سلطة أو مرجعية ما احتكار مساحة الألوهة وتحويلها إلى مزرعة خاصة للآخرة. وعند الشاعر أنّ من يزعم احتكار "الإله" هو يحكم على بقية الموجودات من حوله بضرب مقيت من "اليتم" الميتافيزيقي. ليس اليتم مجرّد إرث عائليّ لهذا الشخص أو ذاك، بل هو هنا يتمٌ شعريّ يدفع بجملة الكينونة في العالم إلى فراغ فظيع. يُتْمُ الشاعر في العالم هو السردية الأكثر فظاعة لغياب الآلهة. ولذلك، لا يلتقي الشاعر بالإله في حضن أيّة ديانة سعيدة، بل هو يلقاه على حافة العالم، حيث يعمد أحدهم إلى تهديد الموجودات بيُتْمٍ لا محدود، هو يُتم العالم نفسه. إنّ اليتم هو عند أولاد أحمد استعارة العبث الأخلاقي لذلك الشطر من الإنسانية الذي تمّ تجريده من مساحة الألوهية التي من حقّه. وبالنسبة إلى الشاعر لا يحقّ لأيّة جهة احتكار الله. ولا حتى الأديان جميعا، وكلّ أنواع المعتقدات الأخرى مجتمعة. إنّ الله هو ثروة البشر، ولا أحد يحق له أن يعلن ملكيته لها مهما كان ملهماً. الله هو كل إمكانية الأفق في عيون الفانين. ولهذا السبب بالذات هو المانع الأكبر لليتم الميتافيزيقي والعبث الأخلاقي اللذين يهدّدان العالم.

من أجل ذلك، لا يتردّد أولاد أحمد في نسبة الإله أو الرب إلى نفسه: قال "إذا كان ربّي حبيبك وحدك...". إنّ أروع ما في الألوهية أنّها ثروة الفانين بشكل عادل. وبالنسبة إلى الشاعر تبدو الأديان تكلّفاً أخلاقيا غير ضروري لإيواء الإله في قلب بشري ما. ليست الأديان ضرورة لمحبّة الإله. وليس الإله حبيبًا لأحد؛ بمعنى هو ليس حبيب أحدٍ "وحده" وكأنّه ملكيّة وجدانية خاصة. ما يطالب به الشاعر ليس أكثر أو أقلّ من نصيبه من الألوهية: إنّه ينتسب إليها سلفاً بمجرّد بشريّته. اليُتم الشعري هو أن تشعر أنّ أحدهم سرق منك نصيبك من الألوهية، وحوّلك إلى "مخلوق بلا فائدة". لا يناضل الشاعر من أجل آخرة ما. فهذا طمع أخلاقي لمن لا ظلّ له في الأرض، بل هو يناضل من أجل أن يظلّ الإله إمكانية ملقاة في الطريق، نحو أنفسنا في أيّ مكان. وأقصى ما يفعله الشاعر هو إبقاء هذا اليتم الشعري للإنسان حيّاً أو على طاولة الإنسانية. قال: "فذا حجر الشعر في البِركة الراكده"[15]

يصاحب كلَّ شعر عظيم شعورٌ مزعج بأنّه يخاطب الموتى، أو الذين تلفّتوا عن أنفسهم منذ وقت طويل. والحجر هو شبه الروح التي غلبها ثقلٌ ما لا تعرف كننه. يريد الشاعر أن يكون فقط الحجر المناسب في بركة الروح الراكدة لدى شعب ما. ولذلك يكثر أولاد أحمد من استدعاء "البلد" و"البلاد" و"الوطن".. وكل أمكنة الانتماء من أجل إعادة ربط الخيط الإلهي بين الأحياء والموتى، ذلك الخيط الذي يكون قد تقطّع منذ ذاكرة ما. قال: "بلدٌ هشّمه الأحياء بالموتى"[16].

عبثًا يريد أحبابه أن يُعيدوه إليهم. الشاعر لا ينتمي إلاّ إلى نفسه. ونفسه أقلّ ممّا يتصوّر المتفرّجون. الشاعر له "أهل" ولكن ليس له منتمون. قال:

"عادتِ الناسُ من الجنة والنارِ

وأهلي..عَلِقتْ أرواحُهم وسْط الحجاج"[17].

لا يهمّ الشاعر من فاز ولا من انهزم، بل فقط من "علقت روحه" في سياج سرديّ لا ينتمي إليه. البلد يوشك أن يتحوّل إلى سياج، حيث تعلق أرواح الأجيال. ولا يبقى عندئذ سوى "الحجاج"، أي ذلك النوع من الغلبة بواسطة ما لا يُقال شعراً. ربّما يبكي الشاعر. لكنّ بكاء الشعراء ليس نواحاً على أحد، وهو ليس دعوة للحداد إلاّ عرضاً. قال:

"لا أبكّي أحداً

أبكي على نفسي...

وحرٌّ في مزاجي"[18].

ما يبقى من الشعراء ليس الحكمة ولا الاستعمال العمومي ولا الانتماء، وإنّما المزاج. بقي مزاج المتنبي، ومزاج درويش. وخاصة المزاج الحرّ؛ أي ذاك الذي يمكن دوما حقّا خرافيّا في أن يتغيّر، بل وفي أن يكون متعكّرا كأشدّ ما يكون. الشاعر مزاج وطن، وليس بوقًا لأحد. ولو ظنّ قطاع من الفضوليين أنّه أغنية لهم. قال:

"أنا ههنا..

لا أسرق الأفكارَ من أكفانها

لا أسكن الدار التي ليست كتابي

........

حجرٌ حروفُ الشعر..تُسند بعضَها

لو لم أكن حجرا..لسِرْتُ مع الضباب"[19].

الشاعر هو "ههنا" نفسه، ليس إلاّ. إنّه نمط من المكان الذي يكونه دون غيره. ولذلك هو لا يقف في خانة أيّ تحقيب أو توزيع لخرائط الروح الجاهزة. ويحرس الشاعر على إعلان ثروته وكنوزه كإلهٍ قديم. أكثر ما يزعج شاعر مثل أولاد أحمد هو سرقة فكرة من قلب غافل. وكلّ من لا ظلّ له يقف في ظل الشاعر، يريد أن يسرق منه مكانه. ويحوّله إلى لا جدوى أخلاقية للغة. كان يحرص على أن يكون مبدعاً؛ أي متفتّحا بآلامه الخاصة دون سواها. كلّ ما يمكن أخذه من الآخرين هو "كفَنٌ" لغوي، وهو يصرّح دوما بأنّه لم يأخذ شيئا إلاّ ما لا يمكن أن يؤخذ منه: شعره. كلّ ما لا يحتمل أن يكون كتابا له لا يسكنه. وتعريف نفسه بأنّه حجر (وفي البال: "ليت الفتى حجرا") هو حدود عالمه: لا يمكن للشاعر أن يذهب إلى أبعد من جسده، هو نوع الحجر الوحيد الذي ينحت منه.

أخصّ ملكات أولاد أحمد جرأته على ألمه. قليلون من الشعراء يصدّقون قدرهم بتفاصيل الموت. يشعر أنّه مدعوّ إلى نوع من التحدّي الأخلاقي الذي جبن دونه أشباه الشعراء أو موظّفو الكلام العمومي، من يسمّيهم "شعراء وزن الديك"[20]. هي جرأة نضرة، وثّابة، واضحة، راقصة، وليست في شيء من رطانة القوّالين أو رعونة المتكلّمين.

جرأة أخطر ما فيها هو أنّها كافية لإسقاط كميّة الحياء التي تحتاجها الثقافات الرسمية كي لا تصطدم مع سلطة المعنى أو مع مؤسسة الحقيقة التي تُلقي بكلكلها على عقول الكتاب في أيّ مكان. يتجرّأ أولاد أحمد على احتمال الخراب وعلى دعوته باسمه.

"يا أيّها المبتورُ من غده الذي في أمسه:

إنّي أريدك أن تؤذّن للخراب"[21].

ثقافتنا تخشى الخراب منذ قرون عديدة، ولم يبق غير الشاعر كي يجرؤ على الخراب. وكان مظفّر النواب قد رسم هذا المعنى على ناصية الشعر العربي المعاصر؛ ليس الخراب دعوة للموت. يعرف الشاعر أنّ ليلى الشعراء لن تقبل الموت معه هذه المرة. قال: "قد لا تموت معي../لأحضنها وتحضنني على هذا التراب"[22]، الموت ليس وعد الشعراء.

لكنّ ما يزعج الشاعر هو ادّعاء من لا ظلّ لهم أنّهم سحبوا إمكانية الخلاص من تحت نفوس الناس، وحوّلوهم إلى كائنات بلا "كرامات" أي بلا خوارق خاصة ولا أخبار سارّة جديدة حول كينونتهم في العالم. الكهنة تعوّدوا غلق العالم، وتحويله إلى غرفة جلوس مطلقة للفانين من أجل السخرية منهم.

قال:

"سرقوا الخوارق كلّها

والمعجزات جميعَها

لم يبق للغفّار من عملٍ إلى يوم الحساب"[23].

عدوّ الإله ليس الشاعر، بل من يزعم أنّه أداته الخاصة في سحب العالم من تحت أرجل الآخرين، ورسم لافتة حمقاء على وجودهم، بل وأيضا على موتهم. فكثيرا ما يجدّف الكهنة الجدد على موت الشعراء: على أنّ دفنهم في مقابر أهلهم هو تسامح مبالغ فيه مع أرواحهم. ولذلك، يردّ أولاد أحمد قائلا:

"هذه الخريطة موطني

والباب بابي

أليس لي قبرٌ هنا

..متبسّمٌ

يحيا به، بعدي، غيابي؟"[24]

بعض الفضول الغرّ، يتساءل ما إذا كان الشاعر "مؤمنا" أو "مسلما" حتى يكون "منّا". وكأنّ الانتماء صدقة، وكأنّ حياة أو موت الشاعر يمكن أن تكون مادّة للمزايدة الأخلاقية على البشر. لا يسكن الشاعر في أفق أيّ مذهب أو ديانة أو ملّة؛ بل هو يقف على خريطة، ولا يرى فيها غير "موطن" فقط. الموطن هو مكان الانتماء الوحيد الذي لا يمكن التفاوض حوله مع أيّ كان. حتى "الوطن" يمكن النقاش الأخلاقي حول وجاهته. لكنّ الموطن شيء آخر؛ باب الوطن هو الموطن. نحن ننتمي إلى الموطن، لكنّ الوطن ينتمي إلينا. الوطن هو ما نصنعه معاً كحدود أخلاقية أو سردية لنمط من العالم أو لشكل من الحياة. أمّا الموطن، فهو حرمة المكان الأولى تحت جلد أيّ شخص. الموطن والقبر متشابهان: إنّهما حارسان للغياب.

وليس أمام الشاعر في كلّ مرة يهتزّ فيها العالم داخل أحاسيس جيل ما أو شعب ما إلاّ "العودة إلى الشعر". ومن أعلى لحظات الكتابة لدى أولاد أحمد هو الإيمان بالشعر بوصفه قدرا خاصا ونهائيا لما يسمّيه "الشاعر الحقيقي". حين يكتب الشاعر يختار قدره، ليس أكثر. ولكن ليس أقلّ أيضا. وحين يحرص الشاعر على ألاّ يدّعي غير الشعر؛ فهذا يعني الكثير بالنسبة إليه. إنّ الشعر هو كلّ إمكانية العالم التي بحوزته.

قال:

"أعود إلى..الشعر

...

لا واعظا لا حكيماً

..على الشعر أن يُعلي السور..

حتى تغيب السماءُ

..أعود كمن لم يسافر إلى جهة أبداً

..أعود:

أنا الواقف الأبديّ

وأُجلس كلبي أمامي

وظلّي ورائي

وأغرس في الصدر، ياء الغريب"[25]

لا يعظ الشاعر إلاّ عرضاً، وهو ليس حكيما إلاّ رغم أنفه؛ إلاّ أنّ التواضع المزعج هو أكبر أشكال الكبرياء: إنّه يريد أن يرفع باب الشعر أعلى من كلّ أنواع التقوّل البشري على العالم، وهو بهذا أشدّ المنافسين والأخ-العدوّ للأنبياء. يطمح الشاعر إلى رفع السور الذي يغالب السماء في الغياب. ومن حيث ما يعلو على كلّ أنواع الكلام البشري هو يغيّب سماءهم، ويمحو كلّ أشكال السفر التي يعوّلون عليها: الشعر هو قول لا لكلّ مشاريع إلغاء العالم أو نسيان الأرض في قلوب الفانين. ولهذا يلقّب أولاد أحمد الشاعر بأنّه "الواقف الأبدي": أمامه "الحيوان" ووراءه "ظلّ" الإنسان وفي صدره "اللاّمكان" الذي يسكنه.

قال:

"عموما..

أخذت مكاني الذي لم يكن..

قبل أخذي له، من مكانْ"[26]

ولأنّ الشعر لا يملك إلاّ ما اخترعه من قلقه الخاص، بعد أن "تاب" عنه كل الذين نافسوه في اسمه يوما؛ فهو لا يعوّل إلاّ على تمرّده. طالما ثمة قصيدة لم تُكتب على الأرض، فإنّ الشاعر لا يزال ممكنا، لكنّ ذلك هو عنوان تمرّده الكبير: أنّه "لا يتوب" عن نفسه.

"ثمّة نثرٌ يحجّ إلى زمن غابر ليتوبَ..

وثمّة شعرٌ يحاول، فيما يحاول، أن لا يتوب"[27]

قال: "سيّدي وإمامي، إنّ مذهبك لا يبرّر سعادتي، وأنا بي رغبة لنواح يستمطر الغيوم!" [28]

الحزن في الشعر مقام وليس موضوعا عادّيا. واللقاء مع الآلهة أو مع المقدّس هو في الشعر مقام حزين، وليس فسحة أخلاقية. ليس في الشعر أيّ طمع أخلاقي في فوز أو رضا ما من طرف أيّة سلطة مهما كانت طبيعتها. ينظر الشاعر إلى كلّ سلطة على أنّها سياسة عمودية تجاه الكينونة في العالم. ولذلك، فإنّ حزنه قديم تحت كل سطر، وليس عارضا. هذا الحزن من السلطة بما هي كذلك والذي لا شفاء له هو الذي يجرّ الشعراء إلى وصمة أو تهمة أو لوثة ما في عيون الواقفين في جهة سيّئة من حياة العالم. وربّما عاشه الشاعر على أنّه فشله الخاص والنموذجي.

"لم تنجح في المدينة والحب معاً!

وإذن: فلماذا أنت؟"[29]

إنّ "منْ" الشاعر توجد دوما بلا أسباب نزول خاصة. ولأنّه ليس له مضمون جاهز لذاته، فإنّ وجوده بلا موضوع. ولذلك خاصة تطارده جملةٌ لا تُحصى من العداوات التي لا يعرف كنهها، من بعضها الدولة. وما أكثر النصوص التي سرد فيها أولاد أحمد خيام الخوف التي تحيط به. خوف قد يحوّلك إلى ضيف غريب في قلبك.

قال: "من فرط محبة الناس وخوفهم على مصيري صرت ضيفا نادرا على الحياة..ما أقسى أن يحبّك الناس، إلى درجة الخوف عليك ومنك، دون أن يحسّوا بالحاجة إلى معرفة من أنت بالضبط."[30]

إنّ الخوف من الشاعر هو بداية لسجنه في بقعة ما من أنفسنا. يبدأ الخوف من الشاعر في أيّ مكان. ربّما من الحروف أو من الصوت. سُجن أولاد أحمد من أجل ديوان شعر. ومن الغريب حقّا أن يُسجن الشاعر من أجل أنّه قال: "آيات" لا يؤمن به أحد. ويتساءل أولاد أحمد ذات المرار "ألا يعرف منكم أحد أنني شاعر؟!"[31]. إنّ سجن الشاعر هو على العكس من آلامه تكريس مريع لنبوّته. ودليل مزعج على أنّ الشعراء لا يزالون يتمتّعون بأخوّة الأنبياء بعد استحالة وجودهم. ثمّة يُتمٌ نبويّ يلاحق الشعر مثل ظلّه.

"الملائكةُ...

النازلاتُ خفافًا

بشعرٍ وفيرٍ

ونثرٍ

ووحيٍ أخيرٍ

وحمّى

على آخر الأنبياء"[32]

لكنّ الشاعر لا يتمتّع بهذا التكريس الغريب إلاّ عند معاقبته كأنّه نبيّ.

قال: "قضيت جزءا غير يسير من حياتي أنظر إلى السماء، من تحت أعمدة حديدية صنعت –خصّيصا- لقسمة الله إلى مربعات صغيرة متساوية الأضلاع"[33]. لا يأتي الله إلى الشعراء من النصوص المنزّلة ولا من المؤسسات الدينية، بل من الناحية الوحيدة للحرية في عيون الفانين، وكما كان يأتي دوما من قبل: من تقسيم السماء إلى مربعات متساوية الأضلاع. إنّ إله الشعراء في قصائد أولاد أحمد لا هو منزّل كتب مقدّسة ولا هو حارس الجحيم. بل هو نصيب أيّ ناظر إلى السماء من السماء. كلّ سرديات العدل تسقط هنا وتنقلب إلى مزحة ثقيلة. إنّ أعدل الأشياء توزيعا بين الناس هو النظر إلى السماء. ونصيبك من السماء هو المعنى الوحيد لله في قلبك. كلّ آلهة التكوين قد سرقها الكهنة واستولوا عليها بالبرديات والنقائش واللفائف، حتى جاءت المطبوعات وحوّلت مؤسسة الله إلى ملكية خاصة للدولة الحديثة.

قال:

"إلهي:

أعنّي عليهم

لقد عقروا ناقتي

وأباحوا دمي...

في بيوتٍ أُذنت بأن لا يُراق دمٌ فوقَ

سجّادها!"[34]

إنّ أجمل ما في هذا النداء هو الدعاء؛ مقام الدعاء قليل في الشعر المعاصر. لكنّ تنشيطه بهذا اللطف حوّله إلى أيقونة أسلوبية مفاجئة. وربما تساءل اللجوج: هل للشاعر الحق في مكالمة الله "مثلنا"، نحن الممضين أسفله؟ هل هو إلهه "أيضا"؟ أم إنّ الله لا يجيب الدعاء إلاّ بعد استشارتنا، نحن "المؤمنين" به؟

في هذه القصيدة الغنّاء ثمّة تلطّف شعري مثير: إنّ "إلهي" مثلها مثل بقية كلمات القصيدة هي كلّها تقريبا من معجم ديني وقرآني تحديدا. لكنّ استدعاء كلّ معجم النبي ليس من أجل تحويل الشعر إلى لاهوت خجول، كما يفعل النظّامون. يتلطّف أولاد أحمد للدخول في علاقة مع الله لا تمرّ عبر خطّة الملّة. ولا تعتمد تضرّع المتنسّكين طمعاً في جنّة ما. ثمّة كبرياء لطيفة تعبر القصيدة، وترتقي بها إلى رقصة ما بعد دينية في حضرة الله، باعتباره يحبّ البشر بلا أيّ تفاوت أخلاقي بينهم. ما يشكوه الشاعر هو أنّ "المؤمنين" قد اقترفوا ما "حُرّم" عليهم. هو لا يعاديهم بشكل أفقي، بل يرفع شكواه إلى الله بوصفه الجهة الوحيدة التي تعلو على المؤمنين به. يستعمل الشاعر إمكانية الله كما هي في تراثنا الروحي، لكنّه يدعوها إلى مهمّة من نوع غير لاهوتي. هو لا يكفر بإله الذين أساؤوا إليه، بل يؤمن به في مقام أعلى من مقام الأديان. ذاك المقام الذي يتّسع لشكوى المظلوم، ولو كان كافرا. ولأنّ أولاد أحمد يصرّ في كامل القصيدة على افتتاح مقاطعها في كل مرة بمناداة واحدة وحاسمة تقوم على النسبة والامتلاك المطلق، مردّدا في كلّ مرّة "إلهي" (10 مرات) وبالخطّ الغليظ، فهو ينبّه إلى أنّ المقام الوحيد للعلاقة مع الإله هي علاقة الامتلاك أو علاقة الخصوصيّة المؤلمة. إمّا أن يكون إلهُك بالتخصيص، وإمّا أنّه غير موجود. لا يؤمن الشاعر إلاّ بما يمتلكه في أفقه البشري. ولهذا هو لا يجد أيّ حرج في أن يشكو من "شرّ الأهل" لأنّهم

"يبيعون خمرا رديئاً

ويؤذون ليل السكارى البريء؟"[35]

كلّ ما يسيء إلى البشر يمكن أن يكون ذنباً. هذا هو الدرس الأكبر للأديان مهما كان شكلها. والشاعر لا يفصّل؛ ذنب أن تبيع "خمرا رديئا" أو أن تؤذي "ليل السكارى البريء". بالطبع، كلّ سردية الخمر من التوراة إلى القرآن حاضرة في ذهن الشاعر. لكنّه لا يجدّف عليها، بل يستند إليها: كلّ ما يبيع سلعة رديئة، فهو مذنب، ولو كانت خمرا. كلّ من يؤذي ليل البشر، فهو مذنب، ولو كانوا سكارى. ليس في كلام الشاعر دعوة إلى الخمر أو السكر أو دفاع أخلاقي عنهما. إنّه ينشّط قيماً مقدّسة مسكوت عنها من قبيل محبّة الله لمن أتقن عمله أو براءة غير العاقل.

ولهذا أيضا، هو يسخر من تحويل الدين إلى مؤسسة بيع لتذاكر الآخرة[36].

"إلهي

لقد تمّ بيعُ التّذاكر للآخره!

ولم أجد المال، والوقتَ، والعذرَ، كي

أقتني تذكره!

فمزّق تذاكرهم يا إلهي

ليسعدَ قلبي

ألمْ تعِد النّاسَ بالمغفره؟!"

طريقة ساخرة في نقد التصوّر الحانوتي والتجاري للخلاص، ولا يخلو منه أيّ دين نظاميّ. شراء التذاكر نحو الآخرة يحوّل الإيمان إلى تقنية صيد تعتمد على المال والوقت والعذر. لكنّه لا علاقة له بالله. ما يريد الشاعر أن ينفض الغبار عنه هو العلاقة الرائعة والبريئة بالله، والتي طمستها كلّ مؤسسات الآخرة. تجّار الآخرة هم أعداء الله، إذن، وليس الشعراء.

الإله الديني لا يعني الشاعر، لأنّه دينيّ بل لأنّه يمنح مساحة الألوهة التي يحتاجها الشعراء كي يعيدوا تنصيب العالم في قلوب الفانين. وقد أثبت أولاد أحمد في قصيدة "إلهي" أنّ الشعر وحده هو الذي يمكنه مواصلة حراسة العلاقة مع ما هو إلهيّ في ثقافة ما. كلّ أبطال الكتابة يئسوا أو كادوا من القدرة على استدعاء الإله مرّة أخرى من دون أديان أو أجهزة عقاب. بعضهم أخرج الله من أفقه. وبعضهم مات في الطريق إليه أو حوّله إلى إله مقاتل. والبعض الآخر، جعل منه مزرعة أخلاقية للطائفة أو للحزب أو للدولة. وحده الشاعر يترك الإله حرّا. وحده الشاعر لا يبتزّ الآلهة في أن تدخل في علاقة أساسية معنا، نحن الفانين. ولذلك يلحّ أولاد أحمد على "إله" قصيدته أن ينزل "الجراد" و"القحط" و"الطير الأبابيل" وأن "يخرّب قصور الملوك"، كما فعل من قبل.

وما هو مثير هنا هو أنّ الشاعر الحقيقي، كعادته، هو يستعمل ما هو متردّم في لغة أو ثقافة ما، تلك المعاني التي تجمّدت تحت ألسنتنا، وصنعت جليدا ممتدّا من الاستعارات الميّتة التي ترقد تحت كلّ إمكانيات الكلام. المعجم الديني هو تحت قلم أولاد أحمد عبارة عن طبقة متردّمة من المعاني التي ينبغي إعادتها إلى الخدمة. لكنّ وظيفتها هذه المرة لن تكون دينية. يعمل أولاد أحمد بشكل نضر على تنشيط المعجم الديني بوصفه يمنحنا جملة من التمارين الأسلوبية الغضّة، والتي يبتعد عنها شعراء التحديث العنيف. وفي هذا السياق، يأتي ذكره لمفردات "عقر الناقة" و"إباحة الدم" و"بيوت الله" و"التعوّذ" و"شرّ" الأهل و"الآخرة" و"المغفرة" و"الجنة" و"الأتقياء" و"النبي" ولكن أيضا "الأرض" و"السماء"...إلخ. لا يخاطب الشاعر هذه المصطلحات الدينية، بل يعيد استدعاء مفرداتها كي تعمل في لسان آخر. ولأنّه يريد استدعاء الإله في أفق غير ديني حصراً، باعتباره أفقا لم يعد صالحا للسكن، فهو يرى الإله التوحيدي وقد صار "إلهاً سجيناً لدى الأنبياء"، أي في كتب الإبراهيميين، أي في كتب شعب أو مجموعة من الشعوب التي عزلت نفسها عن مساحة الألوهية التي تطلّ على البشر في أيّ مكان. لا يريد الشاعر سجن الإله في دين أو حزب أو طائفة. لا يريد له السجن ولو كان نبوّة. هو يريد أن يناديه ولكن من دون أيّ آداب جاهزة للنداء؛ هو يريد أن يدعوه ولكن من دون أيّ نمط محدّد أو نهائيّ أو مميّز من الصلاة أو العبادة. ولأنّه يريد هذا الانزياح بالإله خارج أفق الأديان الجاهزة بكلّ شراسة شعريّة، فهو لا يتردد في مجادلة السردية التوحيدية من أجل تخفيف وطأتها على الأفق الأخلاقي للجيل الحالي.

قال:

"إلهي

إذا كان لابدّ أن أدخل الجنّة المشتهاة...

فلا تُدخل الأتقياء معي!"[37]

هذا تنسيب مثير لدلالة الجنة التوحيدية: هي مشتهاة للبشر من حيث حقّهم في نصيبهم من مساحة الألوهية. والشاعر ليس استثناء في اشتهائها. قال: "المعاني إذن / شهوةٌ واشتهاءٌ"[38]. الأتقياء هنا ليسوا أتقياء الدين بالمعنى التقني، بل كلّ أولئك الذين يتّقون شهوة العالم، ويتّقون شهوة الإنسان ويتّقون شهوة الألوهة، إذ تقع عليهم من دون قفّازات لاهوتية. لا تتعلق هذه التقوى بما هو حرام بالضرورة، بل هي تتعلق بشهوة الحياة بمجرّدها. قال هيدغر ذات مرة: "السؤال تقوى الفكر". الجنّة عند الشاعر موضوع شهوة وليس موضوع تقوى. لم يقل أولاد أحمد إنّه لا يريد الجنة. وإنّما طلب ألاّ تكون الجنّة جنّة "غير مشتهاة" أي جنّة "تقية". لا معنى لجنّة لا شهوة فيها. هذا ما يطلبه الشاعر من "إلهه"، وليس من إله المتّقين.

ما ينبّه الشاعر إليه في موضوعة الجنّة التوحيدية هو الجزء المنسي منها؛ أي جزء الاشتهاء، وهو ما نجحت كلّ مصانع الفقه في طمسه في أفئدة الناس، وتعويضه بمحاكم الآخرة. وما يقوله أولاد أحمد من غزل في قصيدة "إلهي" عن محبوبته (عن شفتيها أو حلمتيها أو اسمها العائلي أو شعرها العسلي وعلى ما تقول.. ولا تفعل) هو كلام عن الجزء المشتهى من الوعد: الوعد بالجنة هو من أقصاه إلى أقصاه وعد بالمؤنّث. تأنيث الكينونة هو جزء فظيع من تجربة الجنة. ولذلك، يستغرب الشاعر من "الكلام المخيف" الذي يصرّفه "التقاة" ضدّ الشعراء. كل خطابات الخوف هي من طبيعة دينية، ولو قالها ملاحدة. إنّ الخوف هي الصناعة الثقيلة للكهنة في أيّ عصر. ومن دون خوف يفقد الموت شهوته الكبرى، ويتحوّل إلى خبر غير مؤكّد. إنّ الشاعر هنا يذهب في العلاقة بالإله إلى أقصاها: أن يقتبس من "كتابه" (سردية موسى وسحرة فرعون) قائلا:

"إلهي:

سمعت تُقاةً يقولون عنك كلاماً مخيفاً

فحادفتهمْ بالكتابِ

استوى حيّةً

لدغتهم جميعاً

وعادت كتاباً

إلهيّ العليْ

ألا يمكن القولُ إني نبيْ؟"[39]

ليس هذا ادّعاء نبوّة بالمعنى الديني، بل هو "تمرين أسلوبي"[40] على احتمال إمكانية الشعر بعد ختم النبوّة بالمعنى الديني؛ نوع نبيل من "الضرورة الشعرية": حيث يطمع الشاعر في الاقتراب من الإله وتكرار تلك العلاقة الرائعة التي عرفتها الإنسانية القديمة: علاقة الوحي. لكنّ الشاعر يعرف سلفا أنّ الشعر ليس طريق الأنبياء. ومن ثمّة يشتغل فقط على استعارة ميّتة في مصادر أنفسنا العميقة: استعارة النبّوة ولكن بوسائل أخرى. الشعر مواصلة النبوة بوسائل أخرى. والشاعر الحقيقي يصدّق ذلك بشكل فظيع.

"هذا الذي يجري -دماَ- بجانبي

في جنّة النعيم

ونصفُ جسمي فحمةٌ

ونصفُه أليم

لأنّني شربته مصدّقاً،

أنّ السماء بعضُها حديقةٌ..

وبعضُها جحيم!"[41]

.................

 

[1] أولاد أحمد، مسوّدة وطن (تونس: الدار العربية للكتاب، 2015)، ص 27

[2] نفسه.

[3] نفسه، ص 28

[4] نفسه، ص 41

[5] نفسه.

[6] نفسه، ص 43

[7] نفسه، ص 46

[8] نفسه، ص 48

[9] نفسه، ص 56

[10] نفسه، ص49

[11] نفسه، ص ص 48-49

[12] نفسه، ص 60

[13] نفسه، ص 62

[14] نفسه، ص 69

[15] نفسه، ص 71

[16] نفسه، ص 75

[17] نفسه.

[18] نفسه، ص 76

[19] نفسه، ص 78

[20] نفسه، ص 81

[21] نفسه، ص 79

[22] نفسه، ص 81

[23] نفسه، ص 83

[24] نفسه، ص 83

[25] نفسه، ص ص 85-86

[26] نفسه، ص 91

[27] نفسه، ص107

[28] نفسه، ص 109

[29] نفسه، ص 111

[30] نفسه، ص 112

[31] نفسه، ص 113

[32] نفسه، ص ص 115-116

[33] نفسه.

[34] نفسه، ص 147

[35] نفسه، ص 147

[36] نفسه، ص ص 147-148

[37] نفسه، ص 149

[38] نفسه، ص 126

[39] نفسه، ص 150

[40] نفسه، ص 109

[41] نفسه، ص 156

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق