"هيا نشتر شاعراً".. إنه فناء المعنى يا أبي!
28 ابريل 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

في زمن السلع والبضائع وجفاف المعنى، لا يبقى غير الشعر عقاراً نادراً نضفي به على الحياة طعماً ومعنى. وفي زمن التصحر العاطفي وزيف الواقع، نعلن حاجتنا الملحة إلى هوميروس؛ ذاك ما تطرحه بقوة رواية صغيرة تكاد تكون قصة طويلة عنوانها "هيا نشتر شاعراً" للكاتب البرتغالي "أفونسو كروش" (دار مسكلياني للنشر، ترجمة: عبد الجليل العربي، 2017).

أول ما نفتح الكتاب، يلفحنا جفاف الأرقام الحاضرة بكثافة عجيبة لتفضح عصر السّلعنة الذي بلغته أوروبا المعاصرة. وتتخذ ظاهرة الأرقام حضوراً متنوّعاً في تعلقها بما هو كمّيّ متعلق بالكتل "أكلت ثلاثين غراماً من السبانخ"، وبما هو متعلق بالنقد "ثلاثين سنتاً"، غير أن الأغرب أن تتعلق الأرقام بما لا يقاس بها مثل المشاعر، ذلك أن الأخ عاشق "بنسبة سبعين في المائة" لفتاة يحدس أنها قد تكون غير متعلقة به "بأكثر من ثلاثين أو ستة وثلاثين في المائة". تتحول المشاعر إلى أرقام جافة باردة عاكسة تلك العلاقات التي تتحرك فيها شخصيات ليس لها سوى المادة ما يرافقها من معجم اقتصادي ربحي يخضع فيه كل شيء لقاعدة الربح والخسارة: "نمو"، ازدهار"، "منافع"، "ادخار"، "الضرائب"، "إفلاس"..

أما الشخصيات، فتتخذ دوالّها من عالم الأرقام أيضاً، فحبيبة الأخ السابقة اسمها "X89234"، وحبيبته الحالية اسمها "BB9.2"، والجارة اسمها "5638.2"، وواحدة من زميلات الدراسة اسمها "NM792"، والصديقات هن "C76" و"E60"، والضيوف هم "الضيف 1" و"الضيف 2" والضيف 3".. تختفي الأسماء وتتحول الكائنات البشرية إلى مجرد رموز وعلامات تتعامل ببرودة تنعكس في الحوار المقتضب القصير جداً، أي المعدود الكلمات، ولنتصور حواراً يدور بين الأب وابنته كما في الرواية على هذا النحو: "بحق مأمون، ما هذا؟ / هذا.. ماذا؟ / عدم احترام الأوامر / هي مظاهر تعبير عن غضب / وعلام ترتكز حججها؟ / على التجربة اليومية / التجربة الشخصية؟ ما هي مصداقية دراسة كهذه؟ أو هل قمت بدراسة كافية للمسألة؟ / ليس بعد، قلتُ".

إن مظاهر جفاف الحياة إلى درجة جحيمية لا تطاق كثيرة في الرواية ومستوياتها متعددة، تتجلى في العلاقات بين الشخصيات التي يسيطر عليها هم الربح والماركات العالمية والمال والشركات، فلا شيء يحكم مزاج الأب سوى قاعدة الربح والخسارة، ولا معنى للمجاز طالما أن اللغة يجب أن تدل على معانيها المباشرة كما الأرقام، ولنتخيل عالماً تصير فيه مُلغزةً عبارةٌ من قبيل "شد الحزام"، الإجراء التقشفي الذي كان الأب يطالب به بلغة مجازية لا يفهم منها الابن الذي تعود بلغة الأرقام والكم والحساب شيئاً فيجيب الأبَ: "ولكن ما دخل الحزام في ذلك؟ أليست وظيفته شد السروال؟".

في هذا الجو الخانق، تمثل الراوية استثناء، لمّا قررت أن يكون لها شاعر، فيطيعها الأب بعد فحص الاختيار والتأكد من أنه ليس مثل الرسامين الذين "يخلفون كثيراً من الأوساخ" التي تستغرق ثلاث ساعات أو أربعاً من التنظيف. وكان لها ما أرادت، إذ اشترت شاعراً مولعاً بالفراشات ويرى العالم بعينين مختلفين؛ فإذا كان الوسط الجديد يرى الطاولة "صغيرة" تصلح ليضع عليها الأب الويسكي، مصنوعة من الزجاج وشكلها دائري، وقطرها سبعة وثلاثون سنتمتراً، فإن الشاعر "يكتفي بوصفها بـ«الجميلة»"، ذلك أن المقادير والأقيسة والأطوال والمساحات والمواد والكتل لا تعني له شيئاً، وإنما تكتسب الأشياء قيمها عنده من أثرها في قلبه، ووزنها يقاس بالقلب لا بالآلات.

وللشاعر لغة يراها الوسط الجديد "كذباً" في حين يسميها هو مجازاً. إنها لغة "غير مفهومة بنسبة 89 % تقريباً" كما تقول الراوية معلقة على جملة قالها الشاعر: "الفتات الذي يطير عالياً يفضّل مناقير الطيور على أهواء الريح". إنه يرى القصائد في كل مكان، فإذا العالم بأشيائه الأكثر تفاهة في نظرنا قصائد مفتوحة، هو الذي يقول: "إن القصائد في كل مكان، وفي أغلب الأحيان تفضل الاختفاء في الأماكن الأكثر بساطة". يمضي في التقاط أشعاره من غرفته الضيقة التي آل إليها بعد شرائه، يخرج دفتره و"يخربش شيئاً ما"، خربشات هي أبيات وقصائد تلتقط المعنى من "تحت السرير" ومن كلام الراوية عن الأشباح، ومن كل التفاصيل.

إنه كائن غريب مدهش برؤيته للأشياء وللعالم، يقيم على الأرض شعرياً، بينما يقيم الآخرون دون انتباه إلى ما يحتويه العالم من معنى كامن في التفاصيل الصغيرة التافهة التي لا يقيمون لها وزناً ولا تكتسب قيمتها إلا بقدر ما تدر من فائدة وربح، إنهم يسمون الأشياء بدوالها ولا مجال للتلاعب بالكلمات، إذ الكرسي كرسي والنافذة نافذة والحزام حزام، ولا شيء غير ذلك، فكيف يمكن أن يقنع من حوله، خصوصاً الأم والراوية ابنتها، أن جملة من ثلاثة وعشرين حرفاً كتبها الشاعر على جدار غرفته بالأسود الفاتر، يمكن أن تكون "نافذة" رغم تأكيده بأنها "نافذة تطل على البحر"، ولنفهم هذا التباين في وجهات النظر بين الشاعر، وبين الوسط الذي صار إليه، نقرأ هذا المقطع الحواري بين الأم وابنتها عن جملة الشاعر التي سماها "نافذة": "ماما، هل تلك الجملة نافذة؟ / ماذا؟ / نافذة تطل على البحر / هل فتح نافذة دون رخصة من البلدية؟ / إنها حالة شعرية تماماً / ماذا أصابك؟ / لا شيء...".

بهذه النظرة صار الشعر كائناً غريباً عجيباً تشدّ إليه الرحال لكي يُستمتع برؤيته، مثل كائن عجيب سقط من السماء، غير أن اللعنة التي تلاحقه في بيئته الجديدة هي أنه "لا ينفع". إنه خارج دائرة الربح والخسارة التي تحكم اقتصاد السوق وعالم البورصة. فلما أخذت الراوية صديقاتها إلى بيتها لرؤية شاعرها جرى حوار مقتضب جداً بينهما ولكنه يكشف المفارقة بين عالم الشاعر والعالم الذي يعيش فيه. قالت إحداهما، لما رأت الجملة المكتوبة على الجدار: "لقد وسخ الجدار. كنت أعتقد أن الرسامين فقط يفعلون ذلك". في حين سألت الثانية: "ماذا يفعل الشاعر؟" فأجابتها الراوية: "ينظم قصائد"، فتساءلت من جديد: "وبماذا تنفع؟" ولما تجيبها الراوية بأنها "تنفع لأشياء كثيرة. هناك قصائد تصلح لرؤية البحر"، تكتفي بالنظر إليها "بعيون جاحظة جداً".

إنه عالم مصاب بلعنة الأرقام إذن، عاجز عن تمثل ما هو متعلق بالإحساس والمشاعر، وكل ما يخرج عن دائرتها، أي كل ما لا يمكن تكميمه وتحويله إلى معادلة رياضية، لا يعول عليه. ولا شيء يكتسب "قيمة" خارج ثنائية الربح والخسارة وتحقيق المنفعة والفائدة، أما ما تعلق بالمعنى، فلا مكان له ولا قيمة.

وما أشبه هذا العالم الموصوف في الرواية بعالمنا، بل إنه هو. وإن الرواية إلا استعارة للعنة الربح ورنين العملة وأسعار الصرف والماركات العالمية وتغول رأس المال، حتى صار الفرد مجرد رقم بلا قيمة تقاس أهميته بمدى إجابته عن سؤال "بماذا ينفع؟".

إن هذه الرواية استعارة لاضمحلال القيم وجفاف العالم من المشاعر، بل إن عالمنا المعاصر صار صحراء شاسعة غابت فيها القيم وسيطرت عليها المصالح، وصار الإنسان، في سباقه المحموم نحو تحقيق المزيد من الأرباح، وحشاً كاسراً لا يرحم من يعترض طريقه. إن هذه الرواية صرخة صادقة من قلب عالم أصابته الحداثة وما بعدها بتصحر القيم وجفاف المعنى من ساحاته، ضاق المعنى واضمحل حتى انقرض، وصار الشاعر "سلعة" نادرة تباع في المحلات الكبرى، مثل كائن مهدد بالانقراض.

ثم إن "كروش"، في روايته هذه، يسخر من المدنية الحديثة وما جناه العالم الصناعي على البشرية من جرائم أكثرها قسوة أنها أفقدته المعنى وأدخلته في غياهب المادة الجافة هو الذي يكتب روايته من أوروبا أي من قلب الحدث، حيث لم يعد هناك مكان للروح وقيمها السامية. إنه الفراغ الروحي يحول الإنسان إلى مجرد آلة، وإنه فراغ من المعنى وعبث تبلغه. وبذلك يستحيل نص "كروش" الروائي إلى بكاء على الذات الغارقة في قذارة المادة وجحيم السلع، ويصبح "معنى" الرواية بحثاً محموماً عن "المعنى"، واستغاثة حارقة من هول عالم المادة ووحشته القاتلة، ودعوة ضمنية إلى ضرورة عودة "أبوللو" إلى الأزمنة المعاصرة عسى أن يزرع صحراءها معنى!

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق