"البيعة" في جماعة الإخوان المسلمين هل تؤسس لطائفة جديدة؟
18 فبراير 2016 | 0 تعليق

* الكاتب الأردني إبراهيم غرايبة
إبراهيم غرايبة*

تتيح قراءة كتاب "البيعة وأركانها" لمحمد أبو فارس فرصتين؛ التعرف على مفهوم وفكرة البيعة لدى مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؛ حسن البنا، كما هي في رسائله المسماة "مجموعة رسائل الإمام البنا"، وكيف تطور فهم البيعة وتطبيقها مع الزمن وبخاصة لدى الإخوان المسلمين في الأردن، كما يعبر عن هذا الفهم والإدراك للبيعة محمد أبو فارس، وهو أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن منذ سبعينيات القرن العشرين، وعضو مجلس النواب الأردني لدورتين (1989 – 1993، 2033 – 2007) وأستاذ الشريعة الإسلامية في الجامعة الأردنية (1974 – 1986).

تشكل البيعة شرطا أساسيا للعضوية، وتشير المادة 4 من القانون الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين أنه يجب على عضو الجماعة عند قبول عضويته وموافقته على "الالتزام بخط "الدعوة" منهجيا وماليا وسياسيا وحركيا" أن يبايع على ذلك بالنص التالي: "أبايع على طاعة الله وترك معصيته والأخوة فيه والجهاد في سبيله والثبات على دعوة الإخوان المسلمين والقيام بشرائط عضويتها والسمع والطاعة لقيادتها في المنشط والمكره وعلى أثرة عليّ وعلى أن لا أنازع الأمر أهله وعلى أن أقول الحق أينما كنت لا تأخذني في الله لومة لائم" (1)

في رسالة التعاليم، وهي إحدى مجموعة رسائل البنا حدد عشرة أركان للبيعة: الفهم والإخلاص والعمل والجهاد والتضحية والطاعة والثبات والتجرد والأخوة والثقة. (2)

وفي ركن الفهم حدد أصولا عشرين لفهم الإسلام، وهي بعامة أصول جامعة للأمة ولا تميز الإخوان بشيء يجعلهم مختلفين في العقيدة أو الفقه أو المذاهب، وفي العمل حدد مراتب العمل ومجالاته، وهي إصلاح الفرد والبيت والمجتمع وتجرير الوطن، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية بتحرير أوطانها وإحياء مجدها.. حتى يؤدي ذلك إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.

ويجب أن يكون أعضاء الحكومة (يقول البنا) مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير مجاهرين بعصيان، ولا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة.

يميز البنا بين الحكومة والدولة أو النظام السياسي ولكن أبا فارس لم يلاحظ ذلك؛ فالحكومة هي السلطة التنفيذية التي تعمل تابعة للملك كما كان الحال في مصر أيام البنا أو رئيس الدولة  بعامة، وهو سلطة أعلى من رئيس الحكومة.

يقول البنا في رسالة المنهاج: "جلالة الملك هو حاكم البلاد الشرعي...فموقف الإخوان من السراء موقف الولاء والحب، ومكتب الإرشاد العام يصدر عن هذه الفكرة، ويعمل على توثيق الرابطة، وإفهام رجال السراي هذه الحقيقة، ولا يمنع ذلك من توجيه النصيحة الواجبة، وإعلان كلمة الحق.." (3)

وأما أبو فارس، فلم يميز بين الحكومة ورأس الدولة كما فعل البنا، واعتبر أن خلع الحكومة الذي دعا إليه البنا في حال قصرت الحكومة تطويرا للنظرية السياسية عند أهل السنة في الفقه السياسي الإسلامي (4) وقد يكون تطويرا بالفعل ولكن ليس على النحو الذي فهمه أبو فارس، فالبنا يدعو إلى خلع الحكومة في ظل النظام السياسي القائم بمعنى أن إقالة الحكومة ليس ثورة على الحاكم أو رأس الدولة  أو عزلا له.

يقول أبو فارس في مقدمة كتابه "البيعة وأركانها": وقد طلب من لزمت طاعته من كاتب هذه الأسطر أن يقوم بشرح رسالة التعاليم لمؤسس الجماعة حسن البنا، والتي ذكرت أركان البيعة في جماعة الإخوان المسلمين (4) ومن لزمت طاعته هو أمير الجماعة، ومن المعلوم بعامة أن النصوص المتعلقة بالنبي أو أولي الأمر تعني قيادة الجماعة ولا تعني قادة الدول وحكامها، ولا تشمل المؤسسات والنقابات والاتحادات والأحزاب، إنها تعني بالتحديد جماعة الإخوان المسلمين، وإن كان لا يوجد نص على ذلك ولكنه أمر مفهوم ومتواطأ عليه!

ويعرف البيعة بأنها إعطاء العهد على السمع والطاعة للأمير في المنشط والمكره والعسر واليسر، وعدم منازعته الأمر، وتفويض الأمور إليه (4) وبناء على أن الرسول أخذ البيعة من الناس يجد أبو فارس أن القيادة أو الرئاسة (قيادة الجماعة بالطبع) إذا طلبت البيعة بموجب نظامها الداخلي فلها ذلك، وعلى الأفراد أن يبايعوها وإذا تمت البيعة فقد ثبتت ووجب الوفاء بها.

يمكن فهم البيعة على أنه قسم العضوية كما تفعل النقابات والاتحادات والأحزاب أو كما يجري في الدول عند تعيين الوزراء والسفراء أو بعد انتخاب النواب، حيث يقسمون على العمل والالتزام بواجباتهم، ولكن البيعة في جماعة الإخوان المسلمين أخذت طقوسا ومفاهيم دينية إضافية جعلتها تبدو مختلفة عن قسم العضوية أو المسؤولية المتبع في الدول والجماعات والنقابات، ويشبه إلى حدّ كبير طقوس الجماعات السرية.

ثمة شبه كبير يمكن ملاحظته بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسماعيلية في أسلوب العمل وتقاليده وبنيته التنظيمية والطقسية، وفي المصطلحات والأسماء والمراتب، الدعوة، والإمام، والنقيب والداعية،... مؤكد بالطبع أن ثمة اختلافا في محتوى الجماعتين وأفكارهما! ولكن الجماعة كرست عبر أساليب التنشئة والتنظيم والتربية والبيعة والعضوية نظاما داخليا يقوم على الولاء والسرية والطاعة المطلقة...

رسالة التعاليم ليست للمسلمين بعامة كما يقول أبو فارس نقلا عن البنا ولا لجميع الإخوان المسلمين، فهم ذلك من قوله: "فهذه رسالتي إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، إلى هؤلاء فقط أوجه هذه الكلمات الموجزة" (1 + 4)

صحيح أن أبا فارس يؤكد في كتابه هذا وفي كتب أخرى، أن الإخوان لا يتميزون في عقيدتهم وأنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، وأن الجماعة الناجية التي وردت في الحديث النبوي تشمل كل من مات مؤمنا بالله... ولكن مؤكد أيضا أن الإخوان يرون أنفسهم يمثلون الفهم الصحيح للإسلام، وأنهم حتى في نصوص القانون الأساسي (المادة 12 على سبيل المثال) يمثلون الدعوة الإسلامية، ويرون في المراقب العام للجماعة شخصا مؤهلا لقيادة الدعوة الإسلامية (1)، ويحملون النصوص الدينية المتعلقة بالنبي أو أولي الأمر أو غير ذلك على أنها تشملهم أيضا أو ينشئون بناء عليها أحكاما وتعاليم تخصهم، ويجري تواطؤ محكم وقوي على أن الطاعة هي لقائد الجماعة وليس لغيره سواء كان حاكما أو قائدا من غيرهم، وأن "أولي الأمر" هم قادة الجماعة وليسوا قادة الدول والمجتمعات،...

ما الذي تضيفه البيعة إلى المسلم أو المؤمن؟ وبماذا تميزه عن غيره من المسلمين؟ لماذا تكون الأحكام والأفكار المستمدة من الدين أساسا لتعاليم في الثقة والطاعة والإيثار تخص الإخوان المسلمين وحدهم؟ هل الثبات الذي يدعو إليه الإخوان ثبات على الإسلام والإيمان أم ثبات على جماعة الإخوان المسلمين؟ وإذا كان الجواب هو الجماعة، فلماذا تستخدم نصوص الدين العامة لأجل بناء رؤية وأحكام خاصة بالجماعة؟ هل المطلوب أن يثق الأخ المسلم بإخوانه في الجماعة دون غيرهم من المسلمين؟ وأن يؤثر إخوانه في الجماعة دون غيرهم؟ الإجابة نعم بالطبع، كما تبدو في شرح أركان البيعة وكما يفهم بطبيعة الحال من رسالة التعاليم، ولكن لماذا استخدمت النصوص الدينية العامة الموجهة للمسلمين بعامة لاستخلاص تعاليم وأحكام خاصة بالإخوان المسلمين؟

هذا الفهم وهذه البيعة وغيرها من الأفكار والممارسات والأعراف التنظيمية الإخوانية تشكل ما يشبه الطائفة المستقلة المميزة في الأمة الإسلامية، وهي وإن كانت لا تنشئ لنفسها فهما خاصا مميزا للإسلام، أو محتوى دينيا مختلفا أو مميزا، فإنها تنشئ حالة اجتماعية وتنظيمية تؤسس لطائفة مستقلة مختلفة، تنطوي على نفسها وتحمل أفكارها وإشاراتها ورموزها الخاصة بها، ويتضامن الأعضاء فيما بينهم غير ناظرين إلى القوانين السائدة والأحكام الشرعية العامة بالالتزام والولاء، إلا على سبيل خدمة الجماعة وأعضائها وأهدافها وبرامجها. وبالمناسبة، فإن الطوائف الدينية التي تشكلت وأخذت هيئة مجتمعات مستقلة بنفسها وتملك هوية خاصة بها، مثل الإسماعيليين والدروز والعلويين لا يملكون فهمها مختلفا للدين اختلافا كبيرا عن عموم السنة والشيعة، ولم يكن فهمهم الخاص للدين هو الذي جعلهم طائفة مستقلة ومتميزة.

ولكن المسألة (الانتماء والولاء) تحكمها اعتبارات المواطنة والقوانين المنظمة للعمل السياسي والعام، ولكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإنها تعيش حالة من التمزق والتناقض والصراع بين قوانين الدولة التي تعمل فيها ومقتضيات الولاء والانتماء والمشاركة للبلد الذي تنتمي إليه وبين الأفكار والمبادئ والولاءات والعلاقات التي تشكل الجماعة ولا تأخذ بالاعتبار العلاقات والقوانين الوطنية، وقد كان ذلك متجاهلا أو ليس خطيرا في مرحلة كان العمل دعويا واجتماعيا يحتمل أن يكون عابرا للحدود والقوانين والروابط الوطنية، ولكنه يتحول إلى حالة تدعو إلى الخوف والقلق، بعدما بدأت كثير من الدول العربية والإسلامية تنظم العمل السياسي والعام على أساس علني، وتقدمت التيارات والجماعات إلى الحكومات بطلب السماح لها بتشكيل الأحزاب والجمعيات والصحف وحصلت على الموافقة، فجماعة الإخوان المسلمين (ليس المقصود بهذه التسمية جماعة الإخوان المسلمين التي سجلت نفسها في 3 آذار 2015 مختلفة ومستقلة عن الجماعة التاريخية، وهذه قصة طويلة تحتاج إلى معالجة مستقلة ) في الأردن اليوم تعبر عن نفسها بعدد من المؤسسات المرخصة والعلنية، ولكنها مازالت وفي الوقت نفسه، تعمل وفق لوائح وقوانين سرية أخرى تتعارض أحيانا مع قوانين الدولة النافذة، ومازالت تنتمي إلى أفكار وعلاقات لا تعترف بالدولة والمواطنة رابطا منظما للعلاقات والأعمال والأفكار والتجمعات، وهنا تحدث أزمات فكرية وعملية تطبيقية كبرى وكثيرة جدا، ففي التناقض الفكري والمبدئي بين فلسفة الدولة والجماعة السرية يحصل التطرف والنفاق والتقية والأزمات الاجتماعية والسياسية، وتعود هذه الجماعات غير مؤهلة ولا تصلح لعمل سياسي أو عام.

ربما تحتاج المسألة إلى وقفة فاحصة أكثر مما هي عابرة في مقالة محدودة،  ففي فهم اختلاف النظرة بين الجماعة والمجتمع واختلاف الأحكام الشرعية المطبقة في الحالتين، وما تبعها من نشوء فقه خاص يخاطب به فقط الإخوان المسلمون، يمكن ملاحظة تشكل طائفة ترى لها أحكامها وتقاليدها وفقهها الخاص بها، ويمكن ملاحظة ذلك حتى في رسائل جامعية نوقشت في الجامعات الرسمية  تلمس فيها بوضوح أنها تتضمن استنتاجات وأحكاما فقهية تخص الإخوان المسلمين وتنطبق عليهم فقط، وكأن ثمة خطابا إلهيا خاصا بهم.

كيف تحصل أحزاب وجماعات ومؤسسات في دولة على حق العمل والتشكل، وفي الوقت نفسه لا ترى بأساً بانتهاك القوانين المنظمة لهذا العمل، وترفض ولايتها على هذه المؤسسات؟ فإن كانت تقبل بهذه القوانين والتشريعات (وقد قبلت بذلك عملياً بمشاركتها في العمل العام العلني والانتخابات العامة)، فلا يجوز انتهاك هذه القوانين والاعتداء عليها، لأنها تعبر بذلك عن تناقض ونفاق وتقية مفسدة للعمل العام والانتماء والمشاركة، وإن كانت لا تؤمن بهذه القوانين أو لا تعترف بها، فليس أقل من أن تتجنب المؤسسات والأعمال المفترض أن تجرى وفق القوانين والتشريعات النافذة.

 ليس معقولاً اليوم في مرحلة العمل العلني ألا تكون للمحاكم والمؤسسات القضائية والقانونية ولاية على مؤسسات وطنية (يفترض) تعمل في ظل القوانين وسيادة الدولة التي تنتمي إليها، ولا يجوز ولا يعقل أن تعمل جماعات ومؤسسات بقوانين وأنظمة أساسية سرية أو تتعارض مع الدستور والقوانين في الدولة التي تعمل فيها، أو تتحايل عليها أو تنتهكها، ومن بداهة العمل ومقتضيات تشكيل حزب جبهة العمل الإسلامي أنه حزب أردني يعمل وفق لائحته الأساسية وقانون الأحزاب والتشريعات المنظمة للعمل السياسي، وأما الذين يؤمنون بمعتقدات وأفكار لا ترى أهمية واعتباراً لهذه المبادئ والقوانين أو يرونها جاهلية أو ليست حكماً بما أنزل الله أو لا يرون في الدولة والمواطنة رابطاً للعمل والمشاركة، فليس أقل من أن يعتزلوا الأعمال والمؤسسات القانونية والمرخصة بالقانون، ويمكنهم أن يعملوا بحسب طريقتهم وأفكارهم وولاءاتهم وانتماءاتهم.

 والحال أن  جماعة الإخوان المسلمين في شغلها الاجتماعي والدعوي بعيداً عن السياسة الميدانية ظلت تغلب على أدبياتها النظرة المثالية واستلهام وتقديس تجربة عصر المدينة والخلفاء الراشدين، وما زالت الأنظمة الانتخابية الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين تمنع الترشح للانتخابات عملاً بالحديث النبوي الذي ينهى عن طلب الولاية، وإن تساهلت الجماعة في الترشح للانتخابات العامة.

وبالطبع هناك فريق في جماعة الإخوان المسلمين يحاول بيأس أن يشارك في العمل السياسي كما يفترض وفق مدخلاته المتاحة، والتأثير في التشريعات والاتجاهات السياسية للبلد، والمشاركة في الحياة العامة والتنمية والإصلاح، .. وإنها لمعركة تبدو خيالية وغير مفهومة.

ـــــــــــــــ

1-      النظام الأساسي لجماعة الإخوان المسلمين في بلاد الشام (الأردن وفلسطين)، 1978

2-      رسالة التعاليم، مجموعة رسائل حسن البنا.

3-      رسالة المنهاج، مجموعة رسائل البنا

4-       البيعة وأركانها، محمد أبو فارس، دار الفرقان، ط1، 2013، 442 صفحة  

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق