الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب
27 نوفمبر 2014 | 0 تعليق

غلاف الكتاب - (إنترنيت)
ذوات

صدرت حديثاً ضمن منشورات "مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم"، التي يرأسها الباحث الجامعي المغربي محمد الدرويش دراسة جديدة بدعم من وزارة الثقافة المغربية تحت عنوان "الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب:صناعة الكتاب نموذجاً" للكاتب والشاعر والفنان المغربي عزيز أزغاي.

تتناول الدراسة قضايا الثقافة مفهوماً وإنتاجاً وإشكالات، وترصد انعكاسات التحولات المجتمعية على تطوره وتمظهراته، كما تستحضر مختلف الدراسات والأبحاث التي اهتمت بمفهوم الثقافة خلال السنوات الأخيرة، وكذا قضية صناعة الكتاب والإنتاج السينمائي والثقافة واللغة وواقع المكتبات بالمغرب.

ويسجل الكاتب عزيز أزغاي في دراسته هاته أن  مفهوم "الثقافة" من المفاهيم "النشطة" التي لم تستقر لحظة، سواء عبر التاريخ أو في تصور المجتمعات الإنسانية، عن تعريف قار، كما لم تتوقف عن إنتاج مرادفاتها وتوليد تمثلاتها، إن في الفكر أو في الذهنيات، بما ساهم في مضاعفة إشكالاتها وتنويع أسئلتها. وإذا كان هذا المفهوم قد حظي باهتمام متزايد من قبل الدارسين والباحثين الذين حاولوا حصر معناه وحدود موضوعه، فإنه حسب المؤلف، في المقابل، ظل عصياً على التأطير داخل تعريف محدد، نظراً لكونه يعكس - في تحوله وتطوره - تحول وتطور المجتمعات التي تنتج موضوعاته، وبالتالي، فإن محاولة ضبطه لا تعدو أن تكون خطوة منهجية مؤقتة للاستيعاب الظرفي، وتسهيل سبل التناول، وطرح الأسئلة المرتبطة بديناميته.

ويضيف أزغاي في مقدمة هذا المؤلف الذي يقع في150 صفحة من الحجم المتوسط، أن تخصيص هذه الدراسة لموضوع "الصناعات الثقافية في المغرب: صناعة الكتاب نموذجاً"، "لم تغب عن ذهننا طبيعة هذه الصعوبات، كما كنا أيضاً واعين بمدى الاختلافات والتباينات الحاصلة بين نسق ثقافي وآخر، لكون المعطى الثقافي ظل، في تقدير عدد من الباحثين، دائم الارتباط بنمط الحياة الكلي للمجتمع الذي ينتجه، والعلاقات التي تربط بين أفراده، وتوجهات هؤلاء الأفراد في حياتهم.غير أن مسألة الاضطلاع بتأطير هذا المفهوم ستأخذ منحى أكثر تعقيداً وتشابكاً مع ظهور مجموعة من الوسائط الجديدة، التي جاءت نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي الذي شهده العالم في الربع الأخير من نهاية القرن العشرين، إذ كثر الحديث عن مفهوم "الصناعات الثقافية" كمفهوم جديد ارتبط، حسب بعض الدارسين، بثلاثة ميكانيزمات أساسية، وهي: التكنولوجيات الحديثة، والإنتاج، ثم إعادة الإنتاج".

أزغاي: سعينا في هذه الدراسة إلى تقليب تربة بعض تمظهرات الحقل الثقافي وإعادة مساءلتها، ورفع بعض الضيم الذي لحقها جراء "السياسات الثقافية" الرسمية المتعاقبة، منذ الاستقلال إلى اليوم.

وقد ساهم التطور الذي شهده الفضاء الرقمي وانتشار الأقمار الاصطناعية، في حدوث ثورة على أنماط الإنتاج والعرض الثقافيين، اللذين أصبحا يتحددان تبعاً لديناميتين متوازيتين: فمن جهة، هناك ظهور دينامية داخل سوق العرض على المستوى العالمي، ثم انخفاض أثمنة التجهيزات التقنية من جهة ثانية. ولعل هذا العنصر الأخير هو ما ساعد عدداً كبيراً من الفنانين والمقاولات، بما فيها مقاولات دول الجنوب، من ولوج عالم الإنتاج بمعناه الاقتصادي الصرف.

وإذن، لقد أصبحنا أمام توظيف جديد لما هو ثقافي، وفق الإملاءات الجديدة التي فرضها الواقع المتحول للإنتاج الثقافي، وما رافق ذلك من ظهور لأسئلة جديدة حاولت أن تعكس هذا التحول، طمعاً في الوصول إلى أجوبة تكون قادرة على تأطير عملية التفكير في السؤال الثقافي، وكذا الإكراهات التي بات يطرحها في وجه تحقيق رغبة الجمهور من جهة، ثم الوسيلة الكفيلة بإيجاد ظروف مناسبة في مجال المنافسة مع المنتوجات الخارجية التي ساهمت العولمة، من خلال إملاءاتها الاقتصادية، في تكريس نوع من اللاتكافؤ بين الدول في كل الأسواق العالمية التي تعنى بالاقتصاد الثقافي.

ويشير أزغاي إلى أن اختياره الاشتغال على الواقع الثقافي المغربي يستند على خلفيتين أساسيتين: الأولى ذاتية، "لكوننا نعتبر أنفسنا جزءا من هذا المشهد، مواكبة وممارسة وفعلاً، عبر العديد من الحقول المعرفية والإبداعية. فلقد مكنتنا تجربتنا الميدانية المتواضعة، سواء في الميدان الصحافي الذي مارسنا داخله على امتداد أزيد من عشر سنوات، أو في مجال الإبداع الشعري الذي يمتد لأزيد من خمسة وعشرين سنة من الإنتاج الإبداعي، والإسهام في مختلف المناقشات التي كان وما يزال يثيرها المشهد الشعري المغربي، أو في مجال الفن التشكيلي، ممارسة ومواكبة أيضاً، والذي خبرنا بعض مناحيه وإكراهاته وتقلباته، على امتداد تاريخ هذه التجربة. كل ذلك، مكننا من إحساس صادق وعميق من أننا معنيون بماضي وحاضر ومستقبل الوضع الثقافي في المغرب.

السياسات الثقافية الرسمية المتعاقبة في المغرب كانت، في كثير من أوجهها، تكرس خطابات وممارسات "ثقافية" تقع دون مستوى التطلعات التي كانت تحذو النخبة المثقفة المغربية.

وبدافع هذا الإحساس، سعينا إلى تقليب تربة بعض تمظهرات هذا الحقل وإعادة مساءلتها، ورفع بعض الضيم الذي لحقها جراء "السياسات الثقافية" الرسمية المتعاقبة، منذ الاستقلال إلى اليوم، والتي كانت، في كثير من أوجهها، تكرس لخطابات وممارسات "ثقافية" تقع دون مستوى التطلعات التي كانت تحذو النخبة المثقفة المغربية، التي اختارت، أمام هذا الواقع المجحف، أن تخلق لنفسها هامشاً يتيح لها التفكير بحرية وجرأة واستقلالية، في ما يعكس درجات حرارة النقاشات التي كانت تعرفها منتديات الفكر والثقافة والإبداع في بقاع كثيرة من العالم".

أما الخلفية الثانية التي تحكم هذا الاختيار، فيمكن تأطيرها، كما يقول الباحث، داخل طبيعة الإسهامات المغربية التي حاولت أن تعكس هذا الواقع، والتي تظهر، بما لا يدع مجالا للشك، الغياب الكبير لأبحاث ودراسات علمية دقيقة تعتمد على الإحصائيات والأرقام والمعطيات الواقعية المسائلة للواقع الثقافي في المغرب، عوض القراءات المتسرعة التي تأخذ، في الغالب، شكل الإسهامات الصحفية العابرة.

ولعل أهمية هذه الدراسة تكمن في كونها قامت برصد التطور الذي شهده المشهد الثقافي المغربي، في الفترة المشار إليها، وفق السياسات الرسمية المنتهجة في هذا القطاع، مع حصر إسهامات كل الوزراء الذين تعاقبوا على تسيير الشأن الثقافي المغربي، وتأثير ذلك في مختلف حقول الإبداع والإنتاج الثقافي في المغرب.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق