الروائي الكيني نغوغي وا ثيونغو: اعتقلته السلطة الغاشمة فكتب على ورق المرحاض
18 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو – (أرشيفية)
ذوات

ظل الأديب الكيني نغوغي وا ثيونغو لسنوات عديدة في مقدمة قائمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب التي ذهبت هذا العام إلى الموسيقي الأمريكي بوب ديلان.

ويكتب وا ثيونغو في حقول عديدة كالرواية والقصة القصيرة والمقالة، وتتناول أعماله مساحة واسعة من الاشتغالات تمتد من النقد الاجتماعي والأنثروبولوجيا الثقافية وحتى أدب الأطفال.

اعتاد وا ثيونغو على الكتابة باللغة الإنكليزية، ولكنه أحجم عنها في مرحلة ما من تطوره الثقافي وانبرى للكتابة بلغة (Gikuyu) المحلية واللغة السواحلية. وحينما اعتقلته السلطات الغاشمة في بلاده في سجن شديد الحراسة، اضطر إلى الكتابة على ورق المرحاض.

عندما اعتقل وا ثيونغو في سجن محصّن اضطر إلى الكتابة من داخل السجن على ورق التواليت الخاص بالمرحاض

ولد وا ثيونغو في قرية من قرى كينيا عام 1938 وعمّد باسم (جيمس نغوغي) جرياً على تقاليد الكنيسة التي تخلع أسماء قديسين على أسماء المواليد، تيمناً بهم وطلبا لبركة مرجوة، ثم أكمل دراسته وحصل على شهادة البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من كلية محلية في العاصمة الأوغندية كمبالا، وخلال فترة تعليمه الجامعية عرضت مسرحية له بعنوان "الناسك الأسود The Black Hermit " عام 1962.

نشر وا ثيونغو روايته الأولى لا تبكِ ياولدي(Weep Not , Child)عام 1964 عندما كان يكمل دراسته الجامعية العالية في جامعة ليدز البريطانية، وكانت الرواية الأولى التي تنشر بالإنكليزية لكاتب من شرق أفريقيا، ثم نشرت روايته الثانية النهر الذي بينهم (The River Between) التي يحكي فيها عن تمرد قبائل الماوماو، وقد وصفت الرواية بأنها حكاية رومانسية حزينة للعنف الذي ساد بين المسيحيين وغير المسيحيين في تلك الأصقاع الإفريقية النائية، وقد اعتمدت هذه الرواية ضمن مناهج الدراسة الثانوية في كينيا .

جاءت رواية حبة قمح ( A Grain of Wheat) لتؤشر إلى تعلق وا ثيونغو بالماركسية الفانونوية (نسبة الى فرانز فانون) ، وبعد نشر هذه الرواية تخلى واثيونغو عن كل من اللغة الإنكليزية والمسيحية وعن اسم ( جيمس ) الذي ألحق به عند العماد، معتبراً هذه كلها رموزاً كولونيالية، واعتمد منذ ذلك الحين اسم (نغوغي وا ثيونغو) وابتدأ يكتب بلغة الكيكويو واللغة السواحلية.

 وكان العمل المسرحي الذي كتبه وا ثيونغو (سأتزوج متى أردت) وقدم عام 1977 رسالة سياسية واضحة دفعت نائب الرئيس الكيني آنذاك (دانييل أراب موي) إلى سجن واثيونغو في سجن يخضع لحراسة مشددة وقيود صارمة، ما دفع واثيونغو إلى الكتابة من داخل السجن على ورق التواليت الخاص بالمرحاض!!

 بعد إطلاق سراحه من السجن، بعد احتجاجات عالمية، تم فصل واثيونغو من عمله كأستاذ في جامعة نيروبي، وكان للمضايقات الوقحة التي تعرضت لها عائلته بسبب نقده الحاد للحكومة الديكتاتورية أثر بارز في خروجه مع عائلته إلى المنفى، ولم يعودوا إلى كينيا إلا بعد 22 عاماً، بعد أن تمت إزاحة أراب موي عن السلطة، كما تقول الأديبة العراقية لطفية الدليمي التي ترجمت أجزاء منكتاب وا ثيونغو (أحلام من زمن الحرب: مذكرات طفولة) الذي يعدُّ وثيقة أدبية مهمة في شكل سيرة حياتية تكشف عن الواقع الاجتماعي السائد في معظم المجتمعات الأفريقية في حقبة الهيمنة الكولونيالية.

يقول وا ثيونغو في مذكرات الطفولة: كان والدي شخصاً متحفّظاً وصموتاً للغاية وقد باح بالقليل جدّاً عن ماضيه، وفي الوقت ذاته بدت أمّهاتنا – اللواتي تمحورت حياتنا حولهنّ – متردّداتٍ في البوح بأيّة تفاصيل عمّا يعلمن بشأن ماضي والدي، ولكن رغم كلّ ذلك، فإنّ شذراتٍ من ذلك الماضي كانت قد تراكمت لدينا من وراء الهمسات والملاحظات العابرة وحتّى الحكايات التي كنّا نسمعها، والتي أضحت بالتدريج سرديّة شفاهيّة تختصُّ بحياة والدي ودوره في عائلتنا.

كان جدّي من جهة والدي طفلاً نشأ في بيئة شعب الماساي Maasai، وحصل أن وجد نفسه ذات يومٍ ضمن قبيلة غيكويو في مكانٍ ما من مورانغا، إمّا كفدية حرب، أو كأسير، أو قد يكون استبعِد من قبيلته الأصليّة بسبب أهوال المجاعة. لم يكن جدّي ذاك عالماً بلغة غيكويو، وكانت بضع الكلمات التي يتمتمُ بها والعائدة لشعب الماساي تبدو غريبة وذات وقع يبعث على الاندهاش لدى الغيكويو، لذا أطلقوا عليه اسم (ندوكو) وهو ما يعني "الطفل الذي يردّدُ لفظة توكو دوماً".

 مُنِح جدّي بين أفراد قبيلته الجديدة اسماً تشريفيّاً هو (موانغي) ، ويُحكى عنه أنّه تزوّج بامرأتين كلٌّ منهما حملت اسم (وانغيسي) ، ورُزق بطفلين من إحدى هاتين الزوجتين سمّي الاوّل نجينجو (أو بابا موكوني كما كان يدعى في العادة) . أمّا الثاني، فكان والدي ثيونغو، كما رُزِق جدّي بثلاث بنات: وانجيرو، كارويثيا، وايريمو، أمّا بالنسبة إلى الزوجة الثانية لجدّي، فقد كان له منها ولدان: كاريوكي، وموانغي كارويثيا الّذي كان يدعى موانغي الجرّاح، لأنّه أصبح لاحقاً متخصّصاً في عمليّة ختان الذكور التي كان يمارسها بين أفراد قبيلتي (غيكويو) و (ماساي) معاً.

لا ينبغي أن ننسى في كلّ الأحوال أنّ العمل الجيّد يفرض سطوته ولا يُعدمُ من يسوّقه تسويقاً جيّداً.

ويتابع وا ثيونغو: لم يُقَدّر لي يوماً أن ألتقي جدّي ندوكو أو جدّتي وانغيسي: فقد ابتُلِيت المنطقة بجائحة مرضيّة وبائيّة غامضة، وكان جدّي في عداد الأوائل ممّن غادروا الحياة بسبب تلك الجائحة، ثمّ سرعان ما لحقته زوجتاه وأعقبتهما الابنة وانجيرو، وقيل إنّ جدّتي كانت متيقّنة قبل وفاتها أنّ عائلتها وقعت فريسة لعنة قديمة قاتلة أو أصابها تأثير سحر مميت من بعض الجيران الحسودين؛ إذ لم يكن بوسع أيّ أحد أن يصدّق كيف يمكنُ أن يموت بالغٌ بسرعة بعد نوبة حمّى قصيرة للغاية، وتسبّب هذا الوباءُ في دفع والدي وأخيه إلى طلب الارتحال مع أقربائهم الذين كانوا ارتحلوا من قبلُ إلى كابيتي التي تقعُ على مبعدة بضعة أميالٍ، وكان بين من ارتحلوا آنذاك أختاهما نجيري وَوايريمو، وقد طُلِب إليهم جميعاً قبل الرّحيل أن يقسموا بألّا يعودوا ثانية إلى مورانغو أو يبوحوا بأصل جذورهم لذرّيتهم من بعدهم حتّى لا يظلّ إغواء العودة إلى القبيلة الأولى الأمّ والمطالبة بحقوق أرض العائلة يتلاعبُ بمخيّلة أحفادهم، وقد وَفى الصبيّان بما وعدا به أمّهما وغادرا مارانغا.

وفي حوار أجراه مايكل بوزو مع الكاتب نغوغي وا ثيونغو، ونُشر في مجلّة

( St. John”s University Humanities Review ) في شهر مايو (أيّار) 2004، وترجمته الدليمي، يقول الأديب الكيني عن كتاباته واندغامه في الشوؤن المجتمعية والإنسانية:

أنا شغوفٌ للغاية بالعلاقات الإنسانيّة ونوعيّتها، ويشبه حالي مع هذا الاهتمام حال أيّ فنّان آخر، ويشكّلُ اهتمامي هذا مركز القلب في كلّ ما أبتغي سبر غوره في أعمالي. العلاقاتُ الإنسانيّة لا تُمارَسُ في فراغٍ، بل تتطوّرُ في سياقٍ محكوم بمؤثّرات كثيرة: البيئة، الاقتصاد، السياسة، الثّقافة، والنفس البشريّة ذاتها أيضاً. ومن المؤكّد أنّ أوجه مجتمعنا هذه وكثيراً غيرها تؤثّرُ في نوعيّة العلاقات الإنسانيّة بطريقة جوهريّة، وينبغي إدراكُ أنّ هذه الأوجه لا يمكن عزلُها عن بعضها، لأنّها مشتبكة بطريقة شديدة التعقيد، وتقومُ وظيفة الفنّان على امتحان ومساءلة الظواهر المتداخلة بغية فتح نافذةٍ يمكن الولوجُ منها إلى الرّوح البشريّة، وينبغي لِكلّ الوسائل المادّية التي تديمُ الحياة أن تنتهي شكلاً من الروحانيّة التي تثري الحياة البشريّة في خاتمة الأمر.

وفي سؤال بوزو له: عندما نمرُّ بروايتك (الشّيطان على الصّليب)Devil on the Crossنلمسُ تحوّلاً مفصليّاً في حياتك ومسيرتك المهنيّة بعد أن عزمت على الكتابة بلغتك المحليّة (Gikuyu ). هل تغيّر فهمك وذائقتك تجاه التجارب الجماليّة والسياسيّة - المجتمعيّة منذ أن اتّخذت قرارك باستبعاد الإنكليزيّة التي كانت وسيلتك الوحيدة في التعبير الفنّي؟

يرد وا ثيونغو: ليس ثمّة أدنى شكٍّ عندي في الأهمّية المركزيّة والنوعيّة التي نهض بها عملي (الشيطان على الصّليب) في حياتي وفنّي معاً، ولكنّه لم يكن العمل الأوّل الذي كتبته بلغة (غيكويو) المحليّة، بل إنّ ذلك الامتياز المتفرّد حازته مسرحيّتي (سأتزوّجُ متى أردتُ) التي كتبتُها بالاشتراك مع (نغوغي واميري) وساهم في تقرير فكرتها مُساهمون قرويّون في مجتمع (كامبيريثو) المحلّي وكذلك في المركز الثقافيّ في ليمورو، كينيا، وكان عملي مع المواطنين المحلّيين هو القوّة الدافعة لكتابتي بلغة (غيكويو) المحليّة بعد سنواتٍ من الانفصام الثقافيّ والتردّد الذهنيّ.

 ولفت وا ثيونغو إلى أنّ عمله في القرية الكينيّة تسبّب في إرساله إلى سجنٍ يخضعُ لتدابير أمنيّة مشدّدة: قضيت عاماً في ذلك السّجن من غير محاكمةٍ أصوليّة، وفي غياهب ذلك السّجن أعملتُ تفكيري طويلاً في اللغة الإنكليزيّة التي كانت اللغة الاستعماريّة السّائدة ثمّ صارت اليوم اللغة السائدة لدى السلطة الحاكمة في الدولة ما بعد الكولونياليّة، وفكّرت أيضاً في علاقة اللغة الإنكليزيّة باللغات الإفريقيّة وعندها اتخذتُ قراري الحاسم الذي لا رجعة لي عنه بألّا أكتب أيّة روايةٍ أو عمل دراميّ لي باللغة الإنكليزيّة ثانية، وجاءت رواية (الشيطان على الصّليب) التي كتبتها على ورق مرحاض السّجن لتكون النتاج الاوّل لقراري ذاك.

وحينما سئل عن قدرته على نقل المعرفة عبر واحدة من اللغات التي يمكن وصفها بأنّها من اللغات التي أهمِلت طويلاً، قال الكاتب الكيني: من خلال عملي في المركز العالميّ للكتابة والترجمة في جامعة كاليفورنيا، إرفين Irvineأعلم تماماً أنّ المثقّفين يستخدمون عبارة (لغات مهمّشة) بدل (لغات هامشيّة) في إدراكٍ واعٍ منهم لحقيقة أنّ قرّاءهم العتيدين هم أنفسهم الذين ينتمون لفضاء اللغة والثقافة المهمّشة التي ينتمي إليها الكاتب، وتكمن المعضلة الأساسيّة لا في اللغة ذاتها، بل في قدرة الكاتب على إنتاج معرفةٍ بلغته المحلّيّة بوسعها أن تخترق قلوب مُواطنيه، ويمكن أيضاً للكاتب أن يضطلع بمهمّة ترجمة العمل من اللغة المهيمنة إلى اللغة المهمّشة فيكتسبُ آنذاك قرّاءً إضافيين من نخبة القراء الذين يحكون بلغته المحليّة، ومن هنا يكون واضحاً الدور العظيم الأهمّية الذي يمكن للترجمة أن تنهض بأعبائه. لا ينبغي أن ننسى في كلّ الأحوال أنّ العمل الجيّد يفرض سطوته ولا يُعدمُ من يسوّقه تسويقاً جيّداً.

يرى الكاتب أنّ الميادين التي تمّ عليها مقاومة الاستعمار قديماً، تجري عليها الآن أيضاً مقاومة العولمة في توجهها لمحو السمات المحلية

ويبقى الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغو علامة بارزة في الثقافة المعاصرة، فهو فضلاً عن رواياته وأدبه الممتع، صاحب مشروع معرفي ثوري تجلى في كمتاباته السياسية ذات المنحى الفلسفي، ومن بينها كتابه "جدل العولمة: نظرية المعرفة وسياساتها" الذي نقله إلى العربية الدكتور سعد البازعي وصدر في العام 2014 ضمن مشروع "كلمة" للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة.وحينما سئل عن قدرته على نقل المعرفة عبر واحدة من اللغات التي يمكن وصفها بأنّها من اللغات التي أهمِلت طويلاً، قال الكاتب الكيني: من خلال عملي في المركز العالميّ للكتابة والترجمة في جامعة كاليفورنيا، إرفين Irvineأعلم تماماً أنّ المثقّفين يستخدمون عبارة (لغات مهمّشة) بدل (لغات هامشيّة) في إدراكٍ واعٍ منهم لحقيقة أنّ قرّاءهم العتيدين هم أنفسهم الذين ينتمون لفضاء اللغة والثقافة المهمّشة التي ينتمي إليها الكاتب، وتكمن المعضلة الأساسيّة لا في اللغة ذاتها، بل في قدرة الكاتب على إنتاج معرفةٍ بلغته المحلّيّة بوسعها أن تخترق قلوب مُواطنيه، ويمكن أيضاً للكاتب أن يضطلع بمهمّة ترجمة العمل من اللغة المهيمنة إلى اللغة المهمّشة فيكتسبُ آنذاك قرّاءً إضافيين من نخبة القراء الذين يحكون بلغته المحليّة، ومن هنا يكون واضحاً الدور العظيم الأهمّية الذي يمكن للترجمة أن تنهض بأعبائه. لا ينبغي أن ننسى في كلّ الأحوال أنّ العمل الجيّد يفرض سطوته ولا يُعدمُ من يسوّقه تسويقاً جيّداً.

يتألف الكتاب من مقدمة وأربعة فصول هي في الأساس محاضرات ألقاها مؤلف الكتاب حول قضايا فكرية وأدبية وثقافية مختلفة، لكنها تتمحورحول تأثيرالعولمة التي يمارسها الغرب على العالم على أكثر من مستوى والموقف الذي اتخذته ويجب أن تتخذه ثقافات العالم غير الغربي تجاه ذلك التأثير.

وقد تركز اهتمام المؤلف على إفريقيا في سياق ما يسميه "جدل العولمة"، حيث تنشأ مساع مختلفة للحفاظ على الثقافات المحلية وتنميتها باتجاه الانفتاح على العالم لكن من دون فقدان الخصائص المحلية التي تهدد العولمة بمحوها، كما جاء في الموقع الإلكتروني لـ"كلمة".

ويضرب المؤلف أمثلة كثيرة لتلك المساعي التي أسهم هو مع بعض زملائه حين كان في بلاده وفي دول إفريقية مجاورة في الاضطلاع ببعضها، والتي كانت مبعث كتابة المحاضرات، وضمها من ثم في كتاب تحت عنوان اشتقه من اللغة الإنجليزية هو "غلوباليكتيكز" الذي يجمع العولمة مع المفهوم الذي وضعه الفيلسوف الألماني هيغل أي مفهوم الجدل "الديالكتيك" حيث يحدث تفاعل بين قوتين تنتج عنهما قوة ثالثة، حيث يتطلع المؤلف الي جدلية من النوع المشار إليه يتفاعل فيها الطرفان دونما هيمنة لأحدهما.

كما ترسم فصول صورة مركبة للميادين التي جرت عليها مقاومة الاستعمار قديماً، ويرى الكاتب أنها نفسها التي تجري عليها أيضا مقاومة العولمة حالياً في توجهها لمحو السمات المحلية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق