الفنان سهيل بقاعين لـ "ذوات": هكذا علمتُ مكفوفين الرسمَ بواسطة الشمّ
30 مايو 2016 | 0 تعليق

التشكيلي سهيل بقاعين مع أطفال مكفوفين في ورشة "قارئ اللون" – (ذوات)
حاوره: موسى برهومة *

أكثر ما يميّز الفنان التشكيلي سهيل بقاعين عن سواه من المشتغلين بالفن التشكيلي والرسم في الأردن، هو عدم اكتفائه بدوره كفنان، بل انتقاله إلى ما هو أبعد من ذك، إلى الرسالة والدور اللذين تتطلبهما الحياة من الفنان.

ولدى بقاعين مشاريع إبداعية أبرزها تعليم مكفوفين الرسم من خلال استعمال حاسة الشم. وقد أثمرت هذه التجربة المدهشة نتائج مبدعة، حيث أبدع مكفوفون من الجنسين أعمالاً لفتت انتباه الكثيرين، وقد ضمّ بقاعين أعمالهم في معرض، وجرى الترويج لأعمال أولئك الذين منحتهم الحياة شرفة لتلوين العالم الذي كان من قبل مظلماً وحزيناً.

ويمتاز بقاعين، الذي لا يعرف الروتين، ولا يتوقف عن المبادرات الخلاقة، بامتلاكه هوية خاصة، ورغبة عميقة في الاختلاف، هروباً من اليأس والسكون والعادية وفقدان الحماسة التي تسيطر على غالبية التشكيليين، لذلك أطلق عام 2009 فكرة المتحف المتنقل في اليوم العالمي للمتاحف، وزار مختلف المناطق الأردنية عبر 500 رحلة، واستفاد من المشروع 50 ألف طالب.

بقاعين يؤكد باستمرار، أنّ الصعود إلى الحرية يستدعي التحليق إلى ما هو أبعد من اﻵفاق اللونية والعالم المغاير للعالم التقليدي الممل.

يروق لي الصعود إلى الحرية، رغم أنه يتطلب التحليق إلى ما هو أبعد من اﻵفاق اللونية والعالم المغاير للعالم التقليدي الممل، وتحطيم القواعد السائدة في الفن

"ذوات" التقت الفنان سهيل بقاعين، فكان الحوار الآتي:

 

  • أمك كانت معلمتك الأولى في الفن، كانت ترشدك إلى فضاء اللون الفسيح، أين موقع أمك في لوحاتك وأعمالك الفنية؟

 

- في 15 سبتمبر (أيلول) 2001 أقمتُ معرضاً، وقام الفنان والناقد حسين دعسة بكتابة تقرير عن المعرض اشتمل على عبارة "وتلوح شبحية الموت في لوحاته". وفي 24 من الشهر نفسه انطفأ قوس قزح، وسافرتْ معه ملهمتي؛ بعدها سألت حسين ما الذي كتبته، فأجابني: لم أكتب، فقط شاهدتُ أمك في جميع لوحاتك مغادرةً.

ومنذ ذلك الزمن وأنا أطارد قوس قزح، لكي أرى ألوان أمي وألواني. فلم أجدها إﻻ في عيون الأطفال المكفوفين، لأنّ السكري حاول أكل عيون أمي ولكنها هزمته، وحلقت.

أما أنا، فسافرت خارج السرب، وخارج الخيال، محاوﻻً اكتشاف جزء من حلم اليقظة أﻻ وهو الأمل.

  • ..لكنّك تمردت فيما بعد على الأب، لا على الأم؛ بمعنى أنك شققت لنفسك طريقاً خاصاً، وتحملت كلفة المجازفة، وغرّدت خارج السرب؛ هل يروق لك هذا الصعود إلى الحرية؟

 

يروق لي هذا الصعود إلى الحرية، رغم أنه يتطلب التحليق إلى ما هو أبعد من اﻵفاق اللونية والعالم المغاير للعالم التقليدي الممل، من معارض واجتماعات ومحاضرات وورشات، وغيرها، وجمعيها تقع ضمن إطار تقليدي هرمي، إذ لاحظتُ أنّ أكبر طموحات بعض الفنانين الوصولُ إلى رأس الهرم، وعدم التفكير بالعودة.

وأعتبر نفسي بأنني عصامي حتى في الفن. ومن هنا كان التحدي في هذا العالم الذي لا يعرف من الحرية إلا كلمتها، في ظل القحط التشكيلي وشحّ ألوان قوس قزح، وفي عالم البيرقراطية العفنة التي يعيشها الأشخاص الذين يتطلعون إلى مركز أو وظيفة أو سلطة.

 

  • أطلقت عام 2009 فكرة المتحف المتنقل في اليوم العالمي للمتاحف، ثم زرت مختلف المناطق الأردنية عبر 500 رحلة واستفاد من المشروع 50 ألف طالب. هل كنت بذلك تغطي تقصير رابطة الفنانين التشكيليين أم وزارة الثقافة أم الجهات الرسمية؟

 

انطلقت في رحلة المتحف المتنقل في ربوع الوطن، حاملاً ألوان قوس قزح معي لكي يراها كل أطفالنا، ولكي يتعرّفوا على عدة أشكال ومدارس قام برسمها الفنانون الأردنيون من مجموعة المتحف وتوصيل فكرة الثقافة المتحفية. فكانوا يرتوون من هذه الألوان التي يقومون بالرسم بها، وهي ألوان الباستيل أو الألوان المائية أو الزيتية، حيث أعطتهم هذه الألوان لوناً وطعماً ورائحة جديدة مغايرة كسرت حدة التقليد الممل في حياتهم المدرسية أو الاجتماعية، فانطلقوا في عالمهم ورسموا ما يجول في عقولهم وقلوبهم وأرواحهم.

كانت تجربتي مع المكفوفين تقوم على تحفيز المخيلة، واستخدام حاسة الشم في اختيار اللون، فالأخضر برائحة النعناع لرسم الأعشاب، والأصفر للشمس، وهكذا

التقصير يتقاسمه الجميع، من وزارات وروابط، وأيضاً ما يسمون أنفسهم فنانين. ولكن أين رسالتهم؟ أين بصماتهم؟ أين ما يسمى بالسياسة الاستمرارية لعملية التشكيل وتقديمها لأطفالنا بأجمل الطرق؟

زرعتُ ألواناً جميلة فأعطاني هذا الوضع حالة من الإندفاع والتطوع والإنقاذ والسفر إلى أبعد نقطة في العالم لكي نحضر لهم ألواناً جديدة، ولكن في قرارة نفسي كنت أعرف بأن ألواننا في شرقنا الجميل هي الأجمل، فهي التي جذبت جميع فراشات العالم إلى هذا الوطن الذي بحجم بعض الورد.

  • وهل بمقدور الفنان أن يندفع أكثر باتجاه واجبه الرسالي والتنويري؟

 

انطلقت بلا حدود، ولا قيود، ولا مكان، ولا زمان لأعطيهم قوة اللون، ولأعرّفهم على أهمية هذه المادة الأساسية الرئيسية في مفهوم تاريخ الحضارات التي مرت علينا منذ رسم الإنسان في الكهوف إلى هذا العصر.

  • لك تجربة فريدة مثيرة للاهتمام والدهشة، من خلال "قارئ اللون" التي تقوم على تعليم الرسم للمكفوفين بالتعاون مع الأكاديمية الملَكية للمكفوفين. كيف أمكن لك ذلك. كيف يرى الكفيف الألوان، ويميّز ما بينها. كيف ينبثق الضوء من قلبه؟

 

في تعاملي مع أروع مبدعي طلبة الأكاديمية الملكية للمكفوفين قمنا بعدة معارض: ما وراء البصر، ظلال، الرؤية هي الإمان ( seeing is believing)، وقارئ اللون، والآن عبق اللون.

كانت التجربة تقوم على تحفيز المخيلة، واستخدام حاسة الشم في اختيار اللون؛ فالأخضر برائحة النعناع لرسم الأعشاب، مثلاً، والأصفر برائحة الليمون لشعاع الشمس، والأحمر برائحة البندورة ( الطماطم) لرسم الورود والأزهار، والبني برائحة القرفة لرسم سيقان الأشجار ووجوه الناس. لقد أبدع هؤلاء المكفوفون لوحات جميلة ومميزة يعجز عن رسمها المبصرون.

  • بعد تجربة "قارئ اللون" تعتزم الانتقال إلى "عبق اللون". ما وجه الاختلاف بين التجربتين؟

في عبق اللون يتم تحويل الإعاقة إلى طاقة والظلام إلى نور ممزوج بألوان قوس قزح.. أحاول تلوين قلوب أولئك المكفوفين وعقولهم وبصيرتهم بألوان قوس قزح. لذا قمنا بإنشاء حديقة معطرة بألوان اللفنادر، والحبق، والليمون، والنعناع، وقامت الطالبة ﻻنا بكتابة قصة عبق اللون ورسم جميع اللوحات وترجمتها إلى برايل للمكفوفين باللغة العربية والإنجليزية.

إن مراحل انتقال طلبة الأكاديمية من خلال ورشات الرسم لفنانين عالميين أمثال ماوديليني، فان كوخ، وخزفيات بيكاسو، وفخر النساء، أعطتهم قوة ومعرفة بأهمية احترام اللوحة، وأيضاً التحدث عن تلامس الحضارات وأهمية أوروبا لنا، وأهميتنا لهم، وتسليط الضوء على مختلف اﻷنشطة التي تحقق هذا التقارب.

  • ماهو حلمك القادم؟

حلمي القادم هو المتحف الطائر، للسفر إلى سائر أنحاء العالم، وإقامة ورشات رسم للأطفال داخل الطائرة، والحديث عن مبادرتي في قارئ اللون وعبق اللون، وتأكيد أهمية هذه المدرسة المكففوفية في عالم الفن التشكيلي.

  • هل تستشير أخصائيين نفسيين أو أطباء أو خبراء عند إطلاقك هذه التجارب الصعبة؟

في "قارئ اللون" قمت باستشارة طبيب أنف وأذن وحنجرة، وأكد لي أهمية تفعيل حاسة الشم لدى المكفوفين.

أما بالنسبة إلى الأطباء النفسيين، فتمنيت لو أكون سلفادور دالي ليكون صديقي فرويد.

أطمح إلى إنجاز فيلم قصير مميز عن تجربتي مع المكفوفين، ويكون من بطولتهم، ويشارك في ملتقيات ومهرجانات عالمية.

كثر الحديث عن العلاج بالرسم ( art therapy). وهناك من يساعدهم هذا العلاج في الأكاديميا ابتداءً من الصفر والصف اأول، فضلاً عن عمليات الدمج في بعض المدارس، وقد حقق ذلك مساعدة كبيرة للطلبة.

  • ألا تفكّر بتطوير تجربة قارئ اللون، ونقلها إلى السينما أو الشاشة الصغيرة، مثلاً؟

أطمح إلى إنجاز فيلم قصير مميز عن تجربتي مع المكفوفين، ويكون من بطولتهم، ويشارك في ملتقيات ومهرجانات عالمية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق