الكاتب السوري نبيل علي صالح لمجلة "ذوات": الإلحاد ليس فكراً وافداً بالذات
23 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

حاوره: محمد أمعارش

يرى الباحث والكاتب السوري نبيل علي صالح، أن الإسلام في أصوله وجوهر دعوته، يؤمن بالحق في الاختلاف والحرية، بما في ذلك حرية الفكر والاعتقاد، بغض النظر عما شاب التاريخ العربي والإسلامي من فترات عصيبة هيمنت فيها أعراف اجتماعية وسياسات استبدادية لا تمت بصلة إلى مبادئ الإسلام وقيمه الداعمة لحرية الاختيار.

يقبل الإسلام والمسلمون قيم التسامح والحرية واحترام الآخر، وقد عاشوا سابقاً مع مختلفين عنهم، وتعايشوا مع مغايرين لهم في بيئة اجتماعية وسياسية تدين بالإسلام

ويؤكد أنه، حتى على المستوى الديني الذي تمثله الشريعة، من حق أي إنسان أن يختط لنفسه طريقا فكريا معينا، ولو كان هذا الطريق رافضا للمبادئ الدينية السائدة، بما في ذلك مبدأ الخلق والخالقية. غير أنه يعود ليشترط للقبول بهذا الاختلاف والتسامح مع أقصى أطرافه الذي هو الإلحاد، ألاَّ يتحول هذا الحق إلى "خط فكري وسياسي عام، له رموزه ودعاته ومواقعه التي تبشر به علنا بين الناس".

ويبرز في الحوار الذي أجرته معه مجلة "ذوات" أن السياق العربي والإسلامي المعاصر، وكذا التكوين التاريخي للأمة، والتزاماتها الحضارية والدينية، قد لا تسمح حاليا بنشوء تنظيمات سياسية أو هيئات فكرية تعاكس قيم الأمة، وتعرض استقرار الناس وأمنهم الروحي للفوضى والخطر الدائم، مبينا أن هذا الأمر طبيعي ومفهوم، بالنظر أيضا إلى أن عددا من الأنظمة السياسية العالمية كانت ولا تزال تمنع نشوء تنظيمات سياسية وثقافية تشكل خطرا على وحدتها ونظامها العام، وقوانينها التي ترتب عقوبات على المخالفين.

ويرى الباحث أن الدولة المدنية المنشودة، بإمكانها أن تسمح بهوامش كبرى لحرية الاعتقاد، ولو كان هذا الاعتقاد إلحادا، لكن ذلك لن يحدث إلا ضمن سقف القانون والنظام العام.

وبخصوص الحساسية المفرطة للثقافة الدينية الإسلامية كلما أثير موضوع الإلحاد في المجتمعات العربية والإسلامية، وإبدائها درجة قصوى من الخوف الدائم على الإسلام من تهديدات الفكر المختلف والمخالف، وما إذا كان ذلك هشاشة وضعفا في هذه الثقافة، يبرز الباحث أن التجارب التاريخية المريرة التي مر منها المسلمون خاصة في فترات الانحطاط والاستعمار قد خلقت حالة نفسية من الانكماش على الذات ومقاومة التغيير، محذرا في هذا الباب من الخلط بين الإسلام الأصيل وحركات الإسلام السياسي "التي أخذت كامل الصورة المشهدية الفجائعية في واقعنا المعاصر" بالإضافة إلى ما أسماه الباحث بـ"هيمنة العقل الفقهي التقليدي"، تنضاف إليهما "نخب دولة الاستبداد والتسلط السياسي" الموروثة عن مرحلة الاستقلال.

وقد أكد الباحث أن ثقافة الإلحاد تجد تربتها الخصبة للانتشار والتوسع في المجتمعات العربية والإسلامية، كلما اتسع نطاق الاستبداد وقمع الحريات، والعكس صحيح، رافضا الفكرة القائلة أن توسع الإلحاد في هذه المجتمعات هو بسبب من الفكر التغريبي الوافد عليها، مبرزا أن الإلحاد " ليس فكراً وافداً بالذات؛ فمناخاته موجودة في مجتمعاتنا منذ تاريخ الإسلام الباكر"، وأن "حكاية الإلحاد في تاريخنا الحضاري الإسلامي... ليست وليدة اللحظة، أو أنها فكر تغريبي غاز ووافد...بل هي قصة يمكن أن تتحرك في فكر ووعي أي إنسان يثير في عقله أسئلة تبقى بلا إجابات مقبولة ومعقولة ومنطقية".

وختم ضيف الحوار حديثه، بالتأكيد على أن الإسلام يعترف بأن الأصل في التعايش هو القبول بالاختلاف، وأن المشيئة الإلهية اقتضت هذا الاختلاف "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين"، كما قضت بحرية الاختيار "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

والأستاذ نبيل علي صالح باحث وكاتب سوري، مهتم بشؤون الثقافة العربية والإسلامية، وقضايا التجديد الديني، نشر مئات المقالات والدراسات في مختلف المجلات والصحف والدوريات العربية والدولية، وفي العديد من مواقع الإنترنيت والمجلات الإلكترونية.

شارك في مؤتمرات وندوات فكرية، وحاز عدة جوائز تقديرية عن مؤلفاته ودراساته، ومن أبرز هذه المؤلفات: "العرب والتحديات المعاصرة: العولمة، الهويات الثقافية، مجتمع الثورة المعلوماتية" (2002)، و"المجتمع المدني الإسلامي، هموم وقضايا معاصرة" (2003)، و"محنة الاستبداد في العالم العربي" (2004)، و"طيب تيزيني، من التراث إلى النهضة" (2008).

*على غرار سؤال وضعتموه عنوانا لدراسة لكم: "هل يقبل العقل الديني قيم ومكتسبات الحداثة الفكرية والمعرفية؟"، نسألكم كذلك: هل يقبل المسلمون في مجتمعاتهم قيم التسامح وحرية الاعتقاد بما في ذلك احترام الحريات الشخصية والفردية في اختيار الإلحاد؟

في جواب مكثّف نعم، يقبل الإسلام والمسلمون قيم التسامح والحرية واحترام الآخر.. وقد عاشوا سابقاً مع مختلفين عنهم، وتعايشوا مع مغايرين لهم في بيئة اجتماعية وسياسية تدين بالإسلام.. ولكن بالشرح نقول:

قبول العقل الإسلامي لقيم الحداثة ومكتسباتها الفكرية وجوانبها المعرفية العملية، وعلى رأسها حرية الفكر والاعتقاد، له منحنيان أو جانبان: نظري (فكري قيمي)، وعملي (تطبيقي سلوكي)، يتحركان في مديين زمنيين تاريخي ومعاصر..

فعلى المستوى النظري القيمي، يمكننا ملاحظة أن الفكر أو الخطاب الديني الإسلامي يزخر بنصوص وأحاديث وروايات تتحدث عن قيم التسامح واحترام الآخر، والدعوة إلى حرية الاعتقاد على أية صورة جاء، بقطع النظر عن ثغرات ونقائص شابت تطبيقات كثيرة، وقعت هنا وهناك من التاريخ العربي والإسلامي، وما تزال تحدث بقوة وشدة، فهذه النواقص ليست فيصلاً حاكماً، ولا ميزاناً أو معياراً..

إننا نعتبر أن دعوة الإسلام إلى التعارف والتعرّف على الآخر، تقتضي التفاعل الخصب والخلّاق معه، وهذا يستدعي بدوره السعي الحثيث لمد جسور التواصل معه، لمعرفته ومحاورته، وقبوله والاعتراف بوجوده، والعيش "التسامحي" معه، كما جاء في قوله: ".. خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا.."(سورة الحجرات: 13).. بما دلّ ويدل على البذور الإنسانية في هذا الدين (الذي هو خاتم الأديان والرسالات وجامع لها)، وأن الفضاء الاجتماعي الذي خلقه في البيئة التي نزل فيها، كان فضاء الحرية والحوار والتسامح الإنساني، والاعتراف بالآخر المختلف والمغاير، بل واحتضانه والحفاظ عليه، ورعايته واعتباره شرطاً لوجود الفرد المسلم..

كان فضاء الحرية والحوار والتسامح الإنساني، والاعتراف بالآخر المختلف والمغاير، بل واحتضانه والحفاظ عليه، ورعايته واعتباره شرطاً لوجود الفرد المسلم

ويبدو لي أن المبدأ الأساسي الذي تنطلق منه "قيمة التسامح" مع الآخر، وقيمة الحرية، حرية الاعتقاد، وحرية الفكر، (والذي يصل إلى درجة الواجب الأخلاقي والشرعي) هو مبدأ التكريم الإلهي "للإنسان-الخليفة"، خليفة الله في الأرض، الذي يفضي بالضرورة إلى ضرورة العيش الوجودي في الظلال الوارفة لقيم العدل والرحمة والمحبة والعفو والتسامح والحكمة والموعظة الحسنة والحرية، وعدم التفريق بين الرسل (ضمناً بين الديانات، بما يعني حتمية القبول والتسامح).. والوارد في آيات عديدة:

"إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً.." (سورة البقرة: 30)..

"وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم.." (سورة الإسراء: 70).

"وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ" (سورة النور: 22).

"فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ" (سورة الكهف: 29).

فالخليفة (الإنسان) المستخلَف والمستأمَن بناء على عهد وميثاق الأمانة (أمانة الإعمار الحضاري)، يجب أن يكون وعيه وسلوكه صورة ناصعة ووجهاً مشرقاً يعبر عمن استخلفه (الخالق)، في العلم والقدرة والمعرفة والتسامح والحكمة، أي في تمثُّل صفاته وقيمه الذاتية حسب قدرته واستطاعته وكماله الممكن له.. فالله تعالى عادل، ولهذا مطلوب من الإنسان (الخليفة) أن يتمثّل ويعيش قيمة العدل في حياته الخاصة والعامة، والله تعالى عفو غفور متسامح، ولهذا يجب على الإنسان أن يكون متسامحاً وعفوّاً في حياته وأفعاله ومختلف شؤونه..

كما وجاءت في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي، روايات وأحاديث ونصوص كثيرة تتحدث عن الحرية والتسامح، ورفض الانغلاق والعصبية (كقيم سلبية مقابلة للحرية والتسامح)..

يقول الرسول الكريم(ص): "الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله، أحبهم إلى خلقه".

ويقول الخليفة الثاني عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً".

ويقول الإمام علي في وصيته لمالك الأشتر (عامله على مصر):

"أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ"..

وقول الإمام علي بن الحسين زين العابدين عن العصبية في توصيفه لمعنى العصبية:

"العصبية التي يأثم صاحبها، أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم"..

وهذا كله له معنى واحد، وهو أن القيم والمبادئ الإنسانية في الدين تتقدم (من منظور العدالة والحق) على كل المعايير (العرفية) الأخرى، كالعصبية والانتماء الاجتماعي والديني وغيرها.. طبعاً، هذا لا يعني أن الإسلام يقف على طرفي نقيض مع الانتماءات التقليدية الاجتماعية، أو أنه يمنع الإنسان من أن يتعاطف شعورياً مع قومه أو أهله وأبناء جلدته، بل يعني ضرورة أن يعقلن ويؤنسن المسلم انتماءه القومي أو الإثني أو المذهبي، وأن يكون مع قومه ولكن من دون أن يُعينهم على الظّلم في حال كانوا ظالمين.. ولهذا فعندما تقترب العصبيّة من المبادئ، فلا بدَّ من أن تتأخر العصبيّة وتتقدّم المبادئ.

وأما على صعيد السّلوك والممارسة التاريخية لفكرة وقيمة التسامح، ففي هذا تباين واضح، واختلاف معايير وأحوال ومستجدات تتبع للظروف الاجتماعية والسياسية التي حكمت واستحكمت، وهيمنت من خلالها عادات وأعراف اجتماعية ومعايير حكم سياسية لا قِبَل للدين بها، ولا علاقة لها البتة بالفكرة أو النص الديني المؤسّسالقائم على "حرية الاختيار" و"هدفية القصد".. فقد وجدنا في تتبعاتنا التاريخية أن المسلمين عموماً كانوا -على مر التاريخ- متسامحين مع غيرهم، ربما أكثر من تسامحهم مع أنفسهم وفيما بينهم، وحتى عندما هاجر الكثير من المسلمين إلى بلاد الغربة لم يربكوا حياة الآخرين، بل عاشوا معهم، وتكيّفوا مع عاداتهم، أي تعايشوا معهم بشكل طبيعي جداً.. أما المؤسسات الدينية الرسمية التي حكمت بالتكامل والتعاضد مع المؤسسات السياسية (خلافة وسلطنة وإمارة ...إلخ) فقد كانت على العموم مؤسسات جهازية وظيفية أداتية اشتغلت بالتّقليد والعرف (والمزاج الحاكم)، ولم تتحرك أو تحكم بالعقل والتجديد.

أما بخصوص حرية المرء في اختياره لقناعاته السياسية والفكرية فيما يتعلق بنهج طريق وخط الإلحاد، فهذا موضوع يمكن أن يتحرك على مستوى القناعات الذاتية الخاصة، حيث إنه من حق أي إنسان –حتى على المستوى الديني(مثل ما جاء في آيات ونصوص كثيرة)- أن يختط لنفسه طريقاً فكرياً معيناً حتى لو كان طريقاً مخالفاً للسائد، ورافضاً للمبادئ الدينية ذاتها، بما فيها "مبدأ الخلق والخالقية"، ولكن شرط ألا تتحول المسألة إلى خط فكري وسياسي عام له رموزه ودعاته ومواقعه التي تبشر به علناً بين الناس.. هذا سلوك ربما من الصعب تحققه في سياقنا العربي والإسلامي المعاصر، باعتبار أن طبيعة التكوين التاريخي للأمة، والتزاماتها الحضارية والدينية، ربما لا تسمح بنشوء أحزاب وتيارات تتبنى أفكاراً مضادة و"صادمة" للقيم التاريخية العامة، ترفض مبدأ وجود الخالق بالذات، بما يمكن أن يؤدي إلى الدخول في نزاعات اجتماعية وسياسية وعملية مستمرة مع الناس والمجتمع (المتدين تاريخياً)، ويعرض حياة وأمن واستقرار الناس للخطر الدائم.. وهذا أمر موجود لدى كل الدول والحضارات؛ فالدول الرأسمالية كانت تمنع الحركات والأحزاب الشيوعية (الماركسية) من ممارسة دعوتها ونشر أفكارها، بل وكانت تجرمهم وتعاقبهم لمخالفتهم أنظمتها القانونية.. وكذلك الدول الشيوعية كانت تفعل الأفاعيل ضد كل من لا ينتمي للفكر الشيوعي..

لا أتصور أننا سنصل إلى مرحلة وجود أحزاب مرخّصة تدعو إلى القيم الإلحادية علناً

طبعاً، الفكرة هنا هي أن الدولة المدنية والديمقراطية التي ننشدها، ونتمنى أن تصل إليها مجتمعاتنا العربية، تسمح في قوانينها ودستورها وأنظمة قيمها، بحرية التعبير، وحرية الاعتقاد حتى بأفكار الإلحاد، ولكن وحتى لا نكون مثاليين في طرحنا، لا أتصور أننا سنصل إلى مرحلة وجود أحزاب مرخّصة تدعو إلى القيم الإلحادية علناً.. أصلاً موجة الإلحاد مضى زمنها بالمعنى الذاتي، وربما ما بقي منها بعض الآثار السياسية والفكرية البسيطة المنتشرة هنا وهناك من عالمنا المعاصر..

ومع ذلك كله، لم يتحول الإلحاد بعد إلى حالة عامة أو ظاهرة خطيرة ملفتة في عالمنا العربي والإسلامي، فمن رأيناهم وتابعناهم وعايشناهم ممن يتبنون أفكار الإلحاد، ويعلنون معاداتهم للدين عموماً، لا وزن ولا ثقل عملياً لهم، ولا قيمة معرفية وعلمية لأفكارهم وطروحاتهم حول قضايا العلم والدين والإنسان وأصل الوجود والحياة، إذا ما قمنا بمقارنة بسيطة بينهم وبين الملاحدة في الغرب الذين عارضوا الدين، وأعلنوا عن تخليهم عن معتقداتهم على اختلاف هذه المعتقدات.

وأما إن كنت تقصد بالإلحاد هنا هو قيام تيار أو جماعة بتشكيل حزب فكري وسياسي ينكر الخالق والخلق علناً، وينادي بالكفر الصريح بقيم الأمة الدينية المعروفة، ويسخّر في سبيل ذلك المال والأفكار والإعلام وغيره، بما يمكن أن يفضي لاحقاً إلى هدم أسس الدين والتكوين الاجتماعي التاريخي للأمة، فهذا أمر - كما قلنا- مستبعد حدوثه في بيئتنا السياسية والاجتماعية العربية والإسلامية غير القابلة لاستيعاب وتقبل مثل هذه الأفكار التي تبقى نخبوية غير شعبية.. وحتى إن حدث، فهو يتحرك في سياق تدمير المجتمع، وليس فقط الدعاوى الفكرية.. والسلطة الرسمية أو الدولة القائمة ستمنعه وتواجهه بقوة، لأنه يهدد (في نظرها) وحدة المجتمع والأمة.. أما إن بقي في سياق الدعوة الفكرية، فأنا أعتبر بأن من حق كل التيارات الفكرية أن تملك حرية التعبير السلمي والتصريح المدني الحضاري عن معتقداتها وقناعاتها ضمن سقف القانون والنظام العام.. والأمر الأهم في الموضوع كله، هو "سلمية وعقلانية" الطرح الفكري والسياسي، حتى لو كان طرحاً صادماً للثقافة السائدة..

*يتسع مفهوم الإلحاد تارة ويضيق تارة أخرى في الخطاب الإسلامي المعاصر، فقد يضيق ليعني فقط "عدم الإيمان بوجود الله"، وقد يتسع ليشمل كل الإيديولوجيات الوضعية والمذاهب والفلسفات الإنسانية من ليبرالية واشتراكية ووجودية وغيرها، التي تصنف من قبل عدد من الإسلاميين ضمن تيارات الكفر والإلحاد، فماذا يعني الإلحاد والملحد بالضبط في الثقافة الدينية للمسلمين؟

الإلحاد، كاتجاه مادي أو كمدرسة في التفكير والاعتقاد والمنهج، يقوم على الشك واللا يقين، والإيمان بأصالة المادة، بمعنى الاعتقاد بالواقع الموضوعي العيني الخارجي، (في مقابل اتجاه آخر يؤمن بأصالة الروح كاتجاه مثالي في التفكير والسلوك) ليس حالة فكرية جديدة أو تياراً أو مذهباً حديثاً في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فقد نشأت منذ البواكير الأولى للحضارة العربية الإسلامية تيارات واتجاهات مادية صرفة، وظهرت أيضاً كثير من الحركات والنخب الفكرية الرافضة للدين ولعموم الثقافة الدينية، ومنذ العصر الجاهلي (بحسب التقسيمات التاريخية الدارجة المعروفة عن التاريخ العربي الإسلامي) بدأت تثار مثل هذه الأفكار المادية، وقد خاض القرآن مع أتباع هذا الخط (ممن أنكروا الله والمعاد) صراعاً فكرياً، كما في قوله: "وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ" (سورة الجاثية: 24).

ما تزال الثقافة الدينية (الرسمية والعامة) في مجتمعاتنا تنظر سلباً لكل العلوم العقلية، فما بالك بفكرة الإلحاد التي ترفضها وتواجهها بشدة

ولاحقاً اتسع نطاق تلك الحركات والتوجهات الفكرية، مع توسع حركة الفتوحات الإسلامية، حيث إن الحضارة العربية لم تكن مقفلة أو مغلقة على ذاتها وأفكارها، بل كانت حضارة تبشيرية دعوية (إذا جاز التعبير)، انطلق أتباعها في الآفاق لفتح البلدان والأقاليم والأمصار، فحدث الاحتكاك والتفاعل والتمازج والتلاقح الفكري والروحي مع حضارات وأمم أخرى، لها أفكارها وعقائدها وعاداتها وتقاليدها المختلفة (شكلاً ومضموناً) عن حضارة العرب والمسلمين.. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التفاعل، والتوسع الكبير في حركة النقل الحضاري المتبادل، والتأليف والترجمة، ونشر العلوم الكلامية والمنطقية والفلسفية خاصة خلال عهد الخليفة المأمون، كانت نتيجته ظهور أفكار وافدة جديدة مخالفة للسائد من الأفكار الدينية المعروفة، عرف أصحابها في وقتها بالدهريين أو بالزنادقة[1] (أصحاب بدع مخالفة لأهل السنة)، وهم فئة تنزع للتشكيك والمجادلة والسفسطة، ورفض القناعات والاعتقادات التقليدية السائدة على مستوى المعرفة الدينية خصوصاً..

وقد تطورت تلك الحركات في فكرها ومعرفتها، وباتت تستند على ما تعتبره "حقائق علمية" تؤيد وجهة نظرها، في رفض مبدأ الخلق، والاعتماد فقط على العقل والتجربة في الوصول إلى المعرفة والحقيقة.

أما بخصوص معنى الإلحاد والملحدين في ثقافتنا، فنقول بأن الثقافة العربية الإسلامية كانت وما تزال تعتبر أن العلوم الدينية (بأشكالها المتعددة: فقه وحديث وقرآنيات، وعلوم الأمر والنهي)، هي العلوم الوحيدة التي تحوز على الشرعية الدينية (والمجتمعية ربما)، بينما العلوم العقلية والفلسفية القائمة على التأمل والتفكر والجدل والشك والنظر، بقيت مصدرَ إزعاج للفقهاء والسلاطين، ولهذا حاربوها واعتبروها مروقاً على الدين..

وذكرت لنا مصادر التاريخ أن "شيخ الاسلام ابن تيمية" قال عن المنطق، وهو أحد فروع المعرفة العقلية: "أن فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضر كثيراً من الناس، كما سد على كثير منهم طريق العلم وأوقعهم في أودية الضلال والجهل".

وهكذا، فالثقافة الدينية (الرسمية والعامة) في مجتمعاتنا ما تزال تنظر سلباً لكل العلوم العقلية، فما بالك بفكرة الإلحاد التي ترفضها وتواجهها بشدة، بل هناك تشريعات وقوانين قضائية تجرّم "الملحدين" إذا ما أعلنوا الكفر البواح، وقد يصل حكمهم إلى الإعدام للأسف..

*ما سبب الحساسية المفرطة التي تبديها الثقافة الدينية الإسلامية، كلما أثير موضوع الإلحاد في المجتمعات العربية والإسلامية، مقارنةً مع ثقافات الأمم الأخرى التي تبدي انفتاحاً على الاختلاف، ولا تخشى أن يهدد هذا الاختلاف ثوابتها؟ وهل وضع الإسلام اليوم في العالم من الهشاشة، حيث لا يسمح بالتعايش مع الفكر المختلف والعقائد المغايرة؟

هذه الحساسية (النفسية) المفرطة وصلت (في بعض أوساطنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكنتيجة للاستثمارات والاستخدامات السياسوية المحلية والعالمية لها) إلى حدود "الرفض" العملي الكامل، واستخدام القوة في مواجهة أية أفكار (وليس فقط فكرة الإلحاد) "غريبة" عن المناخ الفكري والتاريخي التقليدي العام للأمة، والذي ما برح يتسلط ويهيمن منذ قرون عديدة على ثقافتنا التاريخية والحضارية.. والأسباب هنا عديدة:

- فمن جهة هناك حالة نفسية عامةتشكلت عبر مراحل تاريخ الانحطاط الحضاري العربي المستمر منذ أكثر من ألف عام، من الشعور بــ"التميز" لدى كثير من المسلمين، بأنهم مؤمنون وملتزمون بالدين (قابضون على الحقيقة المقدسة)، بينما غيرهم "غير ملتزم"، وبعيد عن روح الإيمان.. هذه العقلية المتخلفة الشائعة حتى يومنا في مجتمعات المسلمين، باتت تشكل ظاهرة مقلقة للغاية، خاصة بين رموز الدين ومشايخ الوعظ "المسجدي" العتيق الذين يستلمون منابر الإعلام والمعلوماتية والفضائيات، بتأويلاتهم المتخلفة والمنحرفة للنصوص والمفردات الدينية، وعدم التصدي لهم من خلال بناء ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة على الحياة والعصر، تقوم على التسامح والمحبة والإقرار بوجود آخر هو نظيرنا في الخلق، وأن حياته ووجوده شرط لوجودنا وحياتنا كمسلمين..

 الصورة اليوم قاتمة وسيئة وقبيحة في أذهان الناس عموماً عن الإسلام والمسلمين، بل عن الإسلام ذاته

- ومن جهة أخرى، هناك إحساس متراكم لدى المسلمين بمصادرة الغرب لعالمنا العربي والإسلامي سياسياً واقتصادياً، مما خلق (ويخلق على الدوام) حالة إحباط، وحالة رفض لكل ما هو قادم أو ناشئ من الغرب، خاصة على صعيد الأفكار الوضعية غير التقليدية والصادمة لمعتقدات المسلمين.. خاصة "فكرة الإلحاد" التي بقيت فكرة إشكالية في مختلف الرؤى والتوجهات والتشريعات الإسلامية، فهو إما "التشكيك" في النص القرآني، أو إنكار أن يكون القرآن إلهياً، دون الاقتراب من فكرة "إنكار الخالق"، في حين أن مصطلح "الزندقة" غلب على مختلف العصور الإسلامية شاملاً كل من يشكك في النص الديني أو "يشرك" بالله أو ينكره، وقد كان حكمه القتل في حال الإظهار والإشهار والعلانية الصريحة.

أما تلك الثقافات العائدة لأمم أخرى، والتي اندمج فيها الدين في الحياة المجتمعية، كرأي غير مقدس، وانطلق رجالات الدين فيه ليمارسوا حياتهم العامة من موقع مواطنيتهم لا قداستهم، فلم يأت هذا المناخ الإيجابي أو يتكرس كواقع قانوني مدني، إلا بعد أن حسمت عقلية الحداثة الفكرية والعلمية، معركة النهضة ضد التخلف والعقل الكنسي القروسطي، لصالح بناء الدولة المدنية المؤسسية العادلة والقادرة والقانونية، التي تقوم على حرية الفرد، وتضمن لهم حق الوجود والعيش الحقيقي المنتج والفاعل في مجتمعاتهم، انطلاقاً من منظومة الحقوق والمبادئ الإنسانية التي هي حق وليس مكرمة من أحد.

وأما بخصوص قوة أو ضعف حال ووضع الإسلام اليوم، وأنه بات من الهشاشة، حيث إنه يخشى أو يخاف من مجرد نشر أفكار مضادة له، أقول:

علينا أن نميز هنا بين الإسلام والمسلمين، بين الإسلام الأصيل، وحركات الإسلام السياسي التي أخذت كامل الصورة المشهدية الفجائعية في واقعنا المعاصر... فكلنا يعلم أننا نعيش اليوم حالة لا مثيل لها من الهوان والضعف والارتكاس الحضاري المادي والعضوي على كل المستويات والأصعدة، بسبب هيمنة العقل الفقهي التقليدي، وزعامات "التسييس" الديني على مجتمعاتنا وعقول العامة عندنا، وفي مثل هذه الحالات الصعبة والمعقدة التي تمر بها المجتمعات المهزومة نفسياً ومادياً وحضارياً، لا يكون حال الأمة الثقافي والفكري بعيداً عن حالتها ووضعها المدني والحضاري والاجتماعي، فتفقد مناعتها، ويصبح جسدها عرضة لشتى أنواع العلل والأمراض، وتعشش فيها أفكار التخلف التاريخي، وتنتشر في تربتها قيم التعصب العقدي والفكري.

نعم، في مثل هذه الأجواء والمناخات السلبية الإقصائية ليس وضع الإسلام على ما يرام، بما يعني أن الصورة اليوم قاتمة وسيئة وقبيحة في أذهان الناس عموماً عن الإسلام والمسلمين، بل عن الإسلام ذاته؛ فالناس رهينة للصور والمشاهد وللواقع الذي تراه وتعاينه أمام ناظريها، ولهذا هي غير قادرة (وربما لا تملك الوقت) على التمييز بين الإسلام كفكر حضاري إنساني كما هو في واقعه الأصيل، وبين أفعال وسلوكيات كثير من "المتأسلمين" ممن يقتلون ويدمرون ويذبحون...صورة هؤلاء للأسف باتت هي الإسلام في نظر وفكر الكثيرين..

وأنا شخصياً لا أحمل تيارات الإسلام السياسي (ولا العقول الفقهية التقليدية) وحدهم مسؤولية تشويه صورة الإسلام، وإثارة الأزمات، وإشعال نيران الفتن والاضطرابات والانقسامات المجتمعية (وهم يتحمّلون بالتأكيد)، بل هي مسؤولية تلقي بظلالها الثقيلة بالذات على أولئك الممسكين بناصية القرار، من نخب دولة الاستبداد والتسلط السياسي العربية التي حكمت منذ مرحلة ما بعد الاستقلال الشكلي عن المستعمر الخارجي..

لقد قامت تلك الدولة على العنف والقمع ومصادرة الحريات، واغتيال "العقل" الإبداعي في الأمة، ورفضتْ أن يكون للفرد أي دور أو حق له بالمشاركة في الحياة العامة، بل وقامت بإثارة الغرائز والنعرات، والتركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية.

*هل يمكننا أن نعتبر الإلحاد في العالمين العربي والإسلامي ظاهرة متوسعة ومقلقة، أو مجرد ردود فعل عابرة على أوضاع التخلف والقهر، أوهي تعبير عن أزمة قيم وإخفاقات حضارية؟

في اعتقادي لم يصبح "الإلحاد" ظاهرة عامة، أو حالةً ثابتة ومعيارية لدى الشارع الديني الإسلامي عموماً، بل بقي محصوراً كتيار فكري وسياسي في الغرف الحزبية والمنتديات الثقافية والفكرية، ومؤطراً كحالة نخبوية لدى المفكرين والسياسيين وأصحاب الشأن العام، ولم يتحول إلى ما يشبه الحالة العامة لدى الشارع والجمهور العام، وذلك لأسباب كثيرة وعديدة (تاريخية وحضارية وثقافية دينية) ليس من مجال لذكرها هنا.. وربما لا يتحول ليشكل ظاهرة مخيفة.. ولهذا ليس هناك ما يقلق بشأن تلك الحالة، مع أنني – كمثقف حداثي نقدي- لست قلقاً أو معقداً من "فكر الإلحاد وثقافات الملحدين"، بل أنا منفتح عليها كثقافة ومعرفة في الصميم، حيث إن من حق هؤلاء وغيرهم، من كل تيار أو كل حزب أو جماعة سياسية سلمية تملك أدبيات فكرية وقواعد سلوك والتزامات فكرية وسياسية، تخاطب بها الناس والشارع، أقول: من حق هذه الجماعات الفكرية والسياسية (الشرعي الدستوري القانوني) التعبير عن ذاتها، وعن نفسها وتعابيرها وقناعاتها العملية في الهواء الطلق، وفي مختلف الساحات الفكرية والميادين الثقافية والمنابر السياسية والإعلامية كلها، ضمن مبادئ الحريات الشخصية والعامة، وسقف الدولة المدنية، وحقوق المواطنة بلا عنف ولا قسر أو ضغط..

وهناك مسألة أخرى تتصل بالموضوع، ويجدر ذكرها، وهي أن انتشار فكر أو فكرة الإلحاد (أو على الأقل رفض التوجهات الدينية كنوع من ردة الفعل السلبية) قد يكون بسبب تفشي النظرة السلبية الخاطئة عن معنى الدين التي أسهمت حركات التطرف والإرهاب "الإسلاموية" في تثبيتها في وجدان الناس نتيجة ممارساتها الدموية وتاريخها الأسود، وانغلاقها ورفضها لقيم العقل والانفتاح والمعاصرة..

لم يصبح "الإلحاد" ظاهرة عامة، أو حالةً ثابتة ومعيارية لدى الشارع الديني الإسلامي عموماً، بل بقي محصوراً كتيار فكري وسياسي في الغرف الحزبية والمنتديات الثقافية والفكرية

وقد لاحظنا أن كثيراً من ثقافة وفكر الإلحاد (إذا صح التعبير) (من الكتب الإلحادية أو التبشيرية المضادّة والمناهضة للإسلام، أو المنحرفة في نقدها لمفاهيم الإسلام)، لم تنتشر وتتسع وتأخذ حيزاً كبيراً في واقع العرب والمسلمين في ظروف الحريّة الطبيعية، إلا بطريقة عاديّة جدّاً، بينما كانت المسألة في حالة الضّغط والقسر والإقصاء، ترفع درجة انتشار الكتاب (الشيوعي والإلحادي) إلى أعلى مستوى ودرجة، بما يشير إلى أنأفضل طريقة لمحاربة أيّ فكر، ليس في مواجهته ورفضه وإقصائه والافتاء بقتله، بل ربما في تركه يعبر عن نفسه، أي عدم التعرض له، وإهماله وممارسة أجواء اللامبالاة تجاهه، مع محاولة ردّه بطريقة هادئة عندما تكون هناك حاجة إلى الردّ، باعتبار أنّ كثيراً من الناس قد لا يسمعون به، ولا يعرفونه، فلا يثير لديهم أيّ تساؤل أو اهتمام، فضلاً عن الردّ والمواجهة..

*يربط بعض الباحثين الانتشار السريع لمظاهر التشكيك والإلحاد، بعد انتفاضات ما يسمى بالربيع العربي، بتنامي تيارات التكفير والعنف الدموي التي قدمت صوراً سيئة عن الدين الإسلامي، فيما يرى غيرهم أن الإلحاد فكر وافد وتغريبي، وعقائد غازية تستهدف استقرار المجتمعات الإسلامية بضرب عقيدتها وزعزعتها وتجريدها من عناصر مقاومتها للاعتداءات الأجنبية، فإلى أي حد تصلح هذه المقاربات لتفسير أسباب تنامي الإلحاد في مجتمعاتنا الإسلامية؟

ربما السببان والدافعان معاً، ولو أنني أميل إلى أن العنف ليس مقتصراً على التيارات السلفية والحركات الجهادية الإسلامية، فحتى تيارات الإلحاد مارسته بحق نفسها وحق مجتمعاتها.. ولنا في مثال نظم الحكم الشمولي الشيوعي التي تبنت الفكر المادي الإلحادي دليل على ما تقدم.

أما حول فكرة أن الإلحاد فكر تغريبي قادم من خارج الحدود، فالتاريخ والوقائع تنفي هذا الانطباع أو التصور.. الإلحاد ليس فكراً وافداً بالذات، فمناخاته موجودة في مجتمعاتنا منذ تاريخ الإسلام الباكر..

طبعاً، وكما ذكرت في إجابة سابقة، ظهرت هناك عوامل عديدة سياسية وثقافية واجتماعية أسهمت في خلق هذه الحالة أو الظاهرة (الإلحاد) (ونزعة الشك واللا يقين) في مجتمعاتنا العربية الإسلامية، حيث إنه مع توسع الحكم الإسلامي، ودخول أمم جديدة وشعوب كثيرة في الإسلام، دخلت معها عاداتها وأفكارها وجزء كبير من معتقداتها وطقوسها (وفولكلورها الديني والثقافي)، وكانت الفلسفة والمماحكات الفلسفية (وما يعنيه ذلك من دور وحضور للعقل كمنهج تفكير وأداة تحليل) من جملة ما دخل من أفكار، خاصة بعد حدوث تطورات حياتية، لم يعد معها المنهج النصي التقليدي النقلي كافياً ووافياً لسد حاجات المسلمين الفعلية وتطلعاتهم وجدالاتهم وتساؤلاتهم في ظل متغيرات ووقائع مجتمعية سياسية واقتصادية جديدة..

من هنا انطلقتحكاية الإلحاد في تاريخنا الحضاري الإسلامي.. أي أنها ليست وليدة اللحظة، أو أنها فكر تغريبي غاز ووافد... بل هي قصة يمكن أن تتحرك في فكر ووعي أي إنسان يثير في عقله أسئلة تبقى بلا إجابات مقبولة ومعقولة ومنطقية..

*تسمح أصول الدين الإسلامي بمساحة لاختيار العقيدة وبهامش للحريات الدينية، ففي القرآن الكريم عدد من الآيات في الباب: "لا إكراه في الدين"، "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر"، "أفأنت تُكْرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين"، "وما أنت عليهم بوكيل"، هل نفهم من هذه الأصول إمكانية التعايش مع الكفر والإلحاد، وترك الناس أحراراً في اختياراتهم العقدية والدينية، دون أن يواجهوا بتهمة أو بعقوبة على مخالفة دين الدولة والأمة، وهل الإيمان والإسلام يمكن أن ينعقدا تحت القهر والإكراه؟ وإلى أي حد يمكننا أن نقبل بإعمال المقاربات الحقوقية للحريات الدينية والعقدية في التشريعات والقوانين بالعالمين العربي والإسلامي؟

نعم، الأصل هو التعايش بالمشتركات العامة (وليس بالخصوصيات الذاتية) بين الناس المختلفين والمتنوعين، فأصل هذه الآيات أنها آيات محكمات لا متشابهات، والمحكم هو الكلام المتقن والواضح الذي لا لبس ولا التباس فيه على أحد؛ أي أنها أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه والتأويل.. كما في الآية التالية التي تعتبر أن الاختلاف أصل الأشياء: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَايَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: 118)... بما يعني تشريع الاختلاف والتنوع كحالة طبيعية في الاجتماع البشري، واعتباره سنة وناموسا حياتيا عاما، بما يؤسس لقبول الآخر المختلف ضمن الفضاء الثقافي والمجال الحضاري والتاريخي للأمة.

إن مشكلة المشاكل التي يعانيها اجتماعنا الديني المتنوع والغني في "تعددياته" اليوم (إذا جاز لنا التعبير) تكمن في رفضنا لبعضنا بعضاً، خاصة رفض التيارات المتطرفة الفكرية والسياسية لفكرة التنوع وثقافة التسامح وقبول الآخر، حتى لو كان كافراً أو ملحداً أو مؤمناً بأية عقيدة أو دين.

إن المطلوب اليوم ـ على هذا الصعيد ـ أمران:

الأول: إعادة التواصل الإبداعي مع قيم التسامح في حضارتنا، وتمتينها فكرياً وفقهياً، بقراءات جديدة، بهدف تأصيلها كثقافة ومناهج عمل فكرياً ومفاهيمياً.

الثاني: تأسيس ثقافة إسلامية إنسانية جديدة (كهدف كبير واسع) تعي ذاتها من داخل تراثها، وتستثمر وتستفيد من تجارب الآخرين الذين مرّوا بما مررنا ونمر به اليوم من استقطابات وصراعات واستحكامات وعصبيات مقيتة..

نعم، إن الإسلام والإيمان لا ينعقدان بالقسر أو بالقهر أو بالقوة والعنف والضغط، بل بالعقل والإدراك والحرية، حرية الاختيار، "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".. "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"..

 

* حوار منشور ضمن العدد الثامن والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " واقع الأمية في الوطن العربي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Aghj0R

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق