الواقع والمأمول في تعاملنا مع المسألة الدينية والعنف
27 فبراير 2015 | 0 تعليق

العنف أصاب جميع الأديان -(أرشيفية)
فاطمة حاتم

"هلموا نبني بيت الجماعة البشرية الواحدة بالمحبة والسلام. كلنا نسعى إلى جنة السماء، إلا أنه من الجهل بمقدار، أن ندمر الأرض - وهي من صنع الله- لأجل الجنة الموعودة، فنخسر الاثنين معا". هكذا افتتح رجل الدين اللبناني، الأب الدكتور فرانسوا عقل، دراسة مهمة نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، تحت عنوان "المسألة الدينية والعنف: واقع ومرتجى".

وانطلق الأب فرانسوا عقل في دراسته من التفاعلات التي طالت نظرية مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفرد صموئيل هانتغتونعن "صراع الحضارات"، وهي تؤكد أن للديانات دوراً أساسياً في السياسة العالمية؛ وهذه الديانات بحسب هانتغتون لا تتجه البتة نحو الاتحاد، بل تتمتع بطاقة خلافية قوية.

والباحث بالطبع، لا يؤيد هانتغتون في نظريته الصراعية؛ وإن صح اعتقاده بصراع الحضارات؛ فالحل هو العمل الدائم على التقاء الديانات. وقد قال الكاتب الفرنسي أندريه مالروفي الثمانينيات: "إن القرن الواحد والعشرين سيكون دينياً بامتياز"، مما يدفع اليوم القيمين والمهتمين بالشؤون الدينية في العالم إلى إعادة القراءة، والتفكير، والتعمق بالمسائل الدينية بغية إيجاد مقاربات جديدة نقدمها لأنفسنا وللعالم بلغة عصرية مقنعة.

بالنسبة إلى المسألة الدينية، فإن الباحث يُعرف في البداية الانتماء الديني الحق، أنه انتماء إلى ثقافة تفتش عن الله والإنسان معا في جميع الثقافات، وهذا ما يبلغ بنا إلى حوار الأديان والثقافات، بما تحمله من غنى يخدم السلام المنشود، بدلاً من الخلافات والنزاعات والعنف والحروب. ويضيف أيضاً أنه في التوراة والكتاب المقدس لا تحديد لكلمة دين، إلا أنها تُذكر في بعض الآيات بمعنى الحكم أو الدينونة. أما التعليم المسيحي الكاثوليكي، فيصفه بالتوق إلى الله.

لن نطيل مع موضوع ومفهوم الدين، فهذا أمر لن نتوقف عنده كثيراً في هذا الملخص، لأن موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، يتضمن العديد من الدراسات والأبحاث التي اشتغلت على المفهوم، ولكن من المهم أن نتوقف في هذا العرض عند موضوع الساعة: العنف والتطرف السائد في العديد من دول العالم، ومن ذلك منطقة الشرق الأوسط.

في التعريف اللغوي، العنف هو ضد الرفق، ويُشير إلى نوع من المعاملة القاسية أو التهديد باستعمال القوة ضد أي كان أو ممارسة العُدوانية على الآخرين في أجسادهم أو نفوسهم أو أذهانهم أو مشاعرهم أو ممتلكاتهم. كما تعدد أنواع العنف وأشكاله؛ فمنه الإرهاب، والاستبداد، والتسلط، والقهر، والطغيان، وضغط الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، وهناك العنف الفكري، والديني، والاجتماعي، والأسري، والإعلامي، وغيره كثير.

ويستشهد الأب فرانسوا عقل بأعمال مجموعة من الفلاسفة، ومنهم عالم النفس توماس هوبز، الذي يرى أن في طبيعة الإنسان ثلاثة أسباب رئيسة للنزاع: المنافسة، وعدم الثقة، والمجد.

ومن منظور علم النفس، العنف هو تفجير للشدة، والقوة، والغضب، والعدوانية، يظهر وكأنه إسكات لصوت العقل والوعي، ويصل إلى حدود القتل. وفي علم الأخلاق هو اعتداء على أملاك الآخرين وعلى حريتهم. وفي بعده الديني هو استعمال القوة لفرض العقيدة، وإلغاء الإيمان المختلف. وفي بعده السياسي هو استخدام القوة لتحقيق المآرب السياسية. أما الحرب، فهي شكل من أشكال العنف المنهجي والمنظم.

بعد ذلك، يشتغل الأب فرانسوا عقل عند تعامل النصوص الدينية، في اليهودية أولاً وفي المسيحية ثانياً، مع مفهوم العنف، حيث يُلخص المواقف العنفية في الديانة اليهودية في ثلاثة محاور:عنف بين الأخوين الأولَين: قاييل وهابيل؛ عنف تشريعي: كيل بكيل "النفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن، واليد باليد، والرجل بالرجل؛ وأخيراً عنف في العلاقة بين إسرائيل والأمم.

أما في المسيحية، فيؤكد الباحث أن العنف بالغرب بدأ تحت ستار المسيحية، لكنه ليس عنف الكنيسة والعهد الجديد، حيث نشأت محاكم التفتيش الشهيرة في العصور الوسطى، وأجبر "غير المؤمنين" على البقاء في بيوتهم خلال الأعياد الكبرى. إلا أن ذلك لم يكن موقف الكنيسة الأولى برأيه، ويقول أوريجينوس،هو من علماء الكنيسة الأولى: "لا نأخذ السيف ضد أمة ولا نتعلم الحرب أبدا". وقال ترتليانوس، وهو أيضاً من آباء الكنيسة: "ثمة جنود مسيحيون كثر، لكنهم يرفضون القتال". هذه هي المبادئ المسيحية الأصلية القديمة. وعليه، إن الكنيسة في الشرق لم تكن قط صليبية، ولم تدعُ إلى حروب صليبية، بل هي بالأحرى ما انفكت تحمل على منكبيها صليب الخلاص. لا قتال في سبيل الله في المسيحية. أما حروب الفرنجة التي أطلق عليها بعض المستشرقين اسم "الصليبية"، فلم تُشن جميعها بمباركة الكنيسة إلا الحملات الأولى منها، دفاعا عن الحجاج المسيحيين والمقدسات. وليس قبل أن تعرف البابوية أن كنيسة القيامة في القدس قد دُمرت بالكامل على يد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. ثم عادت الكنيسة فيما بعد إلى حبها الأول؛ وقامت بنقد ذاتي صادق وجذري. فشجبت الحرب، إذ وعت الذنب التاريخي الذي ارتكبه المسيحيون، وهي تناضل اليوم ضد كل عنف جسدي ونفسي، ولا سيما التعذيب. انطلاقا من قاعدة السيد المسيح الذهبية: "من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ".

 الدين الحنيف والفكر العنيف

"الدين الحنيف والفكر العنيف"، هو عنوان المحور الذي خصصه الأب فرانسوا عقل للحديث عن موقف الإسلام من العنف، منطلقاً في البداية من الإشارة إلى أنه ليس عالماً من العلماء المسلمين؛ وأنه لا يفقه القرآن نظيرهم، لكنه على علم أنه لا توجد في النص القرآني أية لفظة لكلمة "عنف". وفكرة الإسلام المبدئية والأساسية في العلاقات بين البشر هي فكرة السلم، والتعاون على البر، والتقوى في النطاق الاجتماعي. كما أن قصة ابني آدم كما ترد في القرآن مهمة جداً في هذا السياق، إذ لما هم أحدهما بقتل أخيه وقال له الثاني: "لئن بسطتَ إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" (المائدة: 28). يذكرني ذلك بقول السيد المسيح: "من ضربك على خدك الأيمن در له الأيسر".

وعن واقع المسلمين اليوم مع بعض الجماعات الجهادية، يرى الباحث أنه عندما تنجح الجماعة الدينية في أن تكون مذهبا دينيا، تسارع إلى العمل على تقوية آلية جهازها الأيديولوجي القمعي غير التسامحي لضمان استمرارية من انتمى إليها، وتستخدم في هذا آليات عديدة منها: الردة، التكفير، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، القتال والإكراه على الاستمرار في العضوية، التحقير والتهذيب، معتبراً أنه واقع إسلامي مرير في الكثير من الدول العربية والإسلامية. فيا ليتهم يقرؤون ما قاله ابن رشد: إن "أكبر عدو للإسلام جاهل يكفر الناس"، ومؤكداً أن المعضلة الكبرى التي نواجهها اليوم، هي إشكالية الحصرية في الدين أو على الأقل عدم شرح بعض المعتقدات شرحا وافيا مُطَمْئِنا نظير مقولة: "إن الدين عند الله الإسلام" أو "لا خلاص خارج الكنيسة الكاثوليكية" مما قد يكون سببا لفرض الدين بالعنف الإقصائي أو الإلغائي. و"إذا أردت أن تتحكم بجاهل عليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني" على حد قول ابن رشد.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق