الوحي والتاريخ عند أهل المنظور المعرفي التوحيدي
24 مارس 2015 | 0 تعليق

الوحي والتاريخ - (أرشيفية)
ذوات

تشتغل هذه الدراسة التي حررها الباحث الجزائري محمد الشريف الطاهر على استعراض بعض الأطروحات التوحيدية المعاصرة، وخصَّ بالذكر أطروحات عبد الوهاب المسيري وطه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي، والتي تجمع بينها صلة الوصل بين الوحي والمعرفة والتاريخ، من منطلق أن الإنسان لا يمكن أن يستغني عن الوحي لتحقيق الارتقاء والتكامل عبر حركة التاريخ.

ويضيف الباحث أن المشكلة التي تفرض نفسها، تتمثل في استيلاب الوحي للتاريخ، باعتبار أن الأول تعبير عن الحضور الإلهي وأما التاريخ هو إنتاج بشري، ولهذا فإن القدرة الإلهية المنزلة عبر الوحي قد تستلب التاريخ، كما أنه من ناحية ثانية قد يستلب التاريخ الوحي، خاصة إذا ما اختزلنا الوحي في حدود زمنية ظرفية، وألغينا بذلك إطلاقية الوحي وحولناه إلى منجز بشري جزئي. لهذا، وأمام هذه المشكلة يطرح السؤال نفسه: ما المخرج الذي يمكن أن يقدمه المنظور المعرفي التوحيدي أن لمشكلة العلاقة بين الوحي والتاريخ؟

هذا صلب موضوع الدراسة التي نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان "الوحي والتاريخ في المنظور المعرفي التوحيدي"، حيث تضعنا هذه الإشكالية أمام جدل التمركزات، وهنا يُميز الباحث بين ثلاثة أنماط حول فكرة التمركز، الأولى وهي التمركز المغلق، والثانية التمركز المفتوح، والثالثة اللامركزية أو الحالة الزئبقية؛ ففي الأولى تظهر لنا التمركزات المغلقة كالتمركز حول الإنسان أو الإله أو الطبيعة والصفة المميزة هنا هي رفض الآخر، بل استيلابه في المركز كاستلاب الإنسان للإله أو الإله للإنسان وغيرها. أما التمركز المفتوح، فتجسده مقولة الإمام الشافعي "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيكم خطأ يحتمل الصواب"، وهذا الطرح يفتح إلى حالة سائلة يختفي فيها المعنى ويهدر، ولهذا فالوحي في علاقته بالتاريخ هو كعلاقة الإله بالإنسان، حيث تتحدد العلاقة بالمركزيات، فإن كانت هنالك حالة استلاب فمردها المركزية المغلقة، وهنا يطرح سؤال آخر يدعم السؤال الأول هل التوحيدية تعني مركزية مغلقة للإله؟

ويخلص الباحث إلى أن التوحيدية تتأسس على أساسين مهمين هما:الأول، وهو التنزيه ونفي التجسد والحلول، وقد استشهد كل من المسيري وحاج حمد بآية التنزيه المذكورة في سورة فاطر، مؤكدين انفصال الذات الإلهية المطلقة عن العالم مع فعلها فيه، وقد عبر عن هذا عبد الوهاب المسيري من خلال فكرة المسافة. أما حاج حمد، فمن خلال التمييز بين المطلق والأزلي، وكذلك من خلال التوسطات الجدلية. أما الثاني، فيتجلى في رفع استلاب الله للمخلوقات، وعند المسيري تظهر المسافة كحد فاصل يمنع الحلول وبالتالي امتناع حلول أحد أطراف الثنائية في الآخر، ومنه لا أحد يستلب الآخر. وأما حاج حمد، فقد عبر عن المسافة بأسلوب آخر، وهو التمييز بين المطلق والأزلي وكذلك التوسطات الجدلية.

ومن أهم خلاصات الدراسة، ذلك التأكيد على ثلاثة عناصر أساسية في المنظور التوحيدي: الأول والمتمثل في المنظور التوحيدي ومميزات العلاقة بين الإلهي والبشري والطبيعي، والثاني والمتمثل في الوحي كعلاقة معرفية توجيهية لصناعة التاريخ البشري نحو الصلاح والسلام العالمي، الثالث التاريخ بوصفه محل الحرية والمسؤولية الإنسانية أمام الله وعلى الطبيعة.

ميزة التوحيدية أنها تنطلق من خلال تنزيه الإلهي عن كل صفات التشبيه والتجسيد، ما يعني عدم حلول الله أو تجسده أو اتحاده مع بقاء فعله في الكون، ولهذا التصور مدلول معرفي عميق لم ينتبه إليه كثير من الإسلاميين وأغلب العلمانيين وجميع الدهريين

ويضيف الباحث أن ميزة التوحيدية أنها تنطلق من خلال تنزيه الإلهي عن كل صفات التشبيه والتجسيد، ما يعني عدم حلول الله أو تجسده أو اتحاده مع بقاء فعله في الكون، ولهذا التصور مدلول معرفي عميق لم ينتبه إليه كثير من الإسلاميين وأغلب العلمانيين وجميع الدهريين، وهو أن انعدام الحلول وأنواعه هو فسحة لحركة الإنسان؛ أي حريته ومسؤوليته في الكون، فالحرية تتأكد بعدم استلاب الله للإنسان وهذا راجع لانعدام الحلول وبالتالي وجود مسافة أي مجال للحركة الإنسانية، ولكن فعل الله في الكون يعني حضوره الدائم، ما يعني أن الحرية ليست عبثية أو عدمية بقدر ماهي ملزمة أمام الفعل الإلهي والغاية الربانية من الخلق.

وأما الوحي، فهو لم يأت ليصنع التاريخ، فهذا من مسؤولية الإنسان وحريته في الآن نفسه، وإنما جاء ليهدي الإنسان إلى نظام الكون، حتى يضمن للإنسان حركة صالحة غير مفسدة في الكون، تؤول إلى تحقيق السلم والصلاح، ولهذا فعمل الوحي هو الإرشاد الذي يتم من خلال تفعيل آليات العقل، حتى ينسجم الإنسان مع رحم الكون في تفكيره وسلوكه.

وفي الختام، يؤكد الباحث أن التاريخ ليس حاكماً على العقل البشري كما يزعم التاريخانيون، كما أنه ليس فعل الله، بل هو مجال الفعل البشري الحر والمسئول في نفس الوقت، والفارق بين التاريخانيين الدهريين والتوحيديين، يكمن في أن الدهريين حوّلوا التاريخ من كونه مجال أو مساحة حرية الفعل البشري إلى إطار يصنع الفكر البشري ويقمع حريته. أما التوحيديين، فالتاريخ هو من إنتاج الإنسان أي أنه هو من يصنع مجال حركته، وهذا المفهوم أكثر واقعية من الآخر الذي هو محط تجريد لا أرضية يقف عندها، فلما نتأمل تحرر الإنسان من الإنسان أو استعباد له، نجد أنفسنا أمام حركة قام بها الإنسان أمام أخيه الإنسان وكلاهما مسئول، فطرف تحرك للاستعباد والآخر لديه القابلية، وأثناء التحرر نجد نفس الأمر بينهما، لهذا توجه الوحي للإنسان قصد تحريكه نحو الوجهة الصحيحة لتاريخه.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق