تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي في لبنان
04 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

تشكل مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي رافعة أساسية لتربية النشء على قيم الفكر النقدي والاستقلالية والتفلسف كاستخدام فعّال لملكات العقل، والمساءلة الفلسفية لقضايا المعيش اليومي في أفق الوعي بالذات والهويّة الوطنية.

وتسلط هذه الدراسة، التي أعدها الباحث المغربي عبدالعزيز مطيع تحت عنوان "هويّة الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي بلبنان" والمنشورة على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث في قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، الضوء على منهاج تدريس مادة الفلسفة، بالتعليم الثانوي بلبنان، هذا البلد العربي المعروف تاريخياً بالريادة الثقافية في مجالات الأدب والفن والسينما، ومجال صناعة الكتاب العربي، ونشره وتوزيعه، والأرض التي شكلت مهداً للحضارات الإنسانية، والأديان المتعاقبة على مرّ السنين والتاريخ.

وتعرف الدراسة بمنهاج تدريس الفلسفة بلبنان، من خلال محطتين أساسيتين: المحطة الأولى تروم الوقوف على تاريخ تدريس الفلسفة بلبنان بالتعليم الثانوي ابتداء من منهاج 1946 إلى الآن، أما المحطة الثانية فتهدف إلى تفصيل القول في المنهاج الحالي لتدريس الفلسفة والمسمى بـ: "فلسفة وحضارات".

وتشير الدراسة إلى أن تدريس الفلسفة بلبنان مر بثلاث مراحل كبرى، وهي: منهاج 1946 ومنهاج 1968ومنهاج 1999، حيث يقف البحث على أبرز ملامح تدريس الفلسفة في كل محطة.

منهاج 1946

ويبين الباحث أن المرحلة الثانوية في هذه المرحلة كانت تمتدّ إلى سبع سنوات، أربع منها مشتركة، ثمّ يقسم فيها الطلاّب في السنتين الخامسة والسادسة إلى قسمين: الفرع العلمي والفرع الأدبي. ويتابع طلاب الفرع العلميّ سنتهم الأخيرة في فرع الرياضيات بينما يتابع طلاب الفرع الأدبيّ سنتهم الأخيرة في فرع الفلسفة. وهذا دليل على مكانة الفلسفة المتقدّمة في ذلك الوقت على باقي الموادّ الأدبية والإنسانيّة، إذ كان يُطلق على الفرع اسم "فرع الفلسفة".

وكانت الفلسفة، وفق مطيع، تُدرس في السنة السابعة والأخيرة من التعليم الثانويّ في فرعي الرياضيات والفلسفة. إلا أنّ الفارق هو في أنّ عدد الحصص الأسبوعية بلغ عددها في فرع الفلسفة 15 حصّة، بينما اقتصر هذا العدد في فرع الرياضيّات على 6 حصص أسبوعية فقط. وكانت دروس الفلسفة الغربية وفلسفة الأخلاق والمنطق مشتركة في الفرعين، في حين أنّ فرع الفلسفة يدرّس علم النفس والميتافيزيقا بشكلٍ إضافي.

وكانت الاختبارات تتألف من ثلاثة أسئلة يقوم الطالب باختيار واحدٍ منها ومعالجته؛ وذلك بالنسّبة إلى النوعين من الفلسفة: العربية والأجنبية. توضع النقطة ما بين الصفر والعشرين، على ألا ينال الطالب صفراً، بمعامل 3 بالنسبة لفرع الفلسفة، وبمعامل 2 لفرع الرياضيات. أمّا بالنسبة إلى الامتحان الشفهي، فيتم إجراؤه بمطالبة المترشح بشرح نص فلسفي باللّغة العربية وآخر باللّغة الأجنبيّة، مجموع علامة كلّ واحد منها 40 نقطة لفرع الفلسفة، و20 نقطة لفرع الرياضيات.

منهاج 1968

ويشير الباحث إلى أن منهاج 1968، أحدث نوعاً من التطور في تعليم الفلسفة في لبنان، بالمقارنة مع منهاج 1946، حيث يحتوي هذا المنهاج على أهداف ومنهجيات تساعد الأستاذ في عملية تعليم المادة. وهناك فارق آخر يتجلى في الزيادة في عدد الحصص المخصصة لتعليم الفلسفة؛ إذ ارتفعت من 15 حصة في فرع الفلسفة إلى 17 حصة، مع تخفيض حصتين بالنسبة إلى فرع الرياضيات، وفرع العلوم التجريبية (الذي تمّت إضافته في هذا المنهاج).

أمّا عن محتويات منهاج 1968 ، فضمت: أصول الفلسفة اليونانية، أعلام الفلسفة العربيّة في المشرق والمغرب (الفارابي، ابن سينا، المعرّي، الغزالي، ابن رشد، ابن خلدون)، وناقشت الفلسفة العامة: محور علم النفس (الميول، الوعي واللاّوعي، منهج التحليل النفسي، إمكانية وجود علم النفس (أهدافه، منهجيّته، نتائجه)، العامل النفسي وعلاقته بالبيولوجي والفيزيولوجي والاجتماعي، ردّات الفعل بشكلٍ عامّ، وردّات الفعل الموجّهة للعادة، اللّذة والألم، الانفعال والعاطفة، الحب، الملامح والشخصيّة، مفهوم الإنسان، الإرادة، تواصل العقول، الإبداع الفنّي والاكتشاف العلّمي).

وتوضح الدراسة أن الطالب في محور الأخلاق يدرس المواضيع التالية: الضمير، الأخلاق الفردية والعائلية، القيمة، الخير، الفضيلة، المسؤولية والعقوبة، الاختبار الأخلاقي، الواجب الأخلاقي، الحق والحياة السياسية، وشرعة حقوق الإنسان، العدالة والمحبّة، المشكلة الاجتماعية، المشكلة الاقتصاديّة والعمل، الحضارة، أساس الأخلاق، الحريّة الإنسانيّة، الإنسان ومصيره.

وفي محور المعرفة، يتناول الطالب المواضيع التالية: الشروط النفسية للمعرفة: الوعي المركّز، الإدراك (وجود العالم الخارجي)، الذاكرة، الخيال والأحلام، اللّغة، الذكاء المفاهيمي، والفكر الاستطرادي (المفهوم، الحكم، التفكير)؛ وقواعد المعرفة: المنطق، العلم والروح العلمية، الرياضيات والبديهيات، العلوم الاختبارية (المراقبة، الفرضية، الاختبار)، العلوم البيولوحية (المذهب الحيوي، المذهب الآلي، المذهب التطوّري)، العلوم الاجتماعية (علم النفس ومدارسه، التاريخ وفلسفة التاريخ، علم الاجتماع)؛ وقيمة المعرفة: نظرية المعرفة وفئات الفهم، مشكلة الحقيقة، معنى ومصير العلم (المادّة، الحياة، الروح، الله).

أمّا عن التقويم، فيكون الاختبار على شكل ثلاثة أسئلة يختار المرشح منها واحداً ويعالجه، ويكون مجموع نقطه عشرين نقطة معامل 3. في حين أنّ امتحانات فرعي العلوم الاختبارية (التجريبية)، والرياضيات، كانت تقتصر على ثلاثة أسئلة حول تاريخ العلوم عند العرب، وكان العُرف المتفّق عليه أن يكون أحدها عن ابن خلدون. وكان على الطالب أن يعالج واحداً من الأسئلة الثلاثة، وتكون مجموع نقطه عشرين نقطة معامل 2.

منهاج 1999

وينوه الباحث إلى أن الهيكلة الجديدة للتعليم في لبنان، بدل أن تضع إصلاحاً جدّياً لمادة الفلسفة من خلال التركيز على الأهداف والمحتوى والطرائق، اقترحت إلغاء الفلسفة من بين الموادّ التعليميّة الرئيسيّة في التعليم الثانوي والاحتفاظ بقسم ضئيل منها في إطار مادّة جديدة اسمُها "فلسفة وحضارات". وفي هذا كلّه ضرب لمفهوم الفلسفة وأهميّتها، وتمّ التركيز ضمن الهيكلة الجديدة للتعليم على متطلّبات سوق العمل أكثر من تركيزها على شخصيّة المتعلّم وتنشئته.

الهيكلة الجديدة للتعليم في لبنان، بدل أن تضع إصلاحاً جدّياً لمادة الفلسفة من خلال التركيز على الأهداف والمحتوى والطرائق، اقترحت إلغاء الفلسفة والاحتفاظ بقسم ضئيل منها في إطار مادّة جديدة اسمُها "فلسفة وحضارات".

وينطلق منهاج "فلسفة وحضارات" من واقع الهيكلية الجديدة للتعليم في لبنان، التي أقرّها مجلس الوزراء بتاريخ 25/10/1994، وقد خصّت هذه المادة بثلاث حصص أسبوعية في الصف الثانوي الثاني- فرع الإنسانيات، وبتسع حصص أسبوعية في الصف الثانوي الثالث فرع الآداب والإنسانيات، بينما أعطت حصتين أسبوعيتين لفرع العلوم في السنة الثانوية الثانية، وثلاث حصص أسبوعية لفرع "اجتماع واقتصاد" في السنة الثانوية الثالثة، وحصّتين أسبوعيتين لكلّ من: فرع العلوم العامّة، وفرع علوم الحياة في السنة الثانوية الثالثة أيضاً.

وتعتبر مادة "فلسفة وحضارات" مادة تعليمية واحدة متكاملة في السنتين الثانويتين وفي الأقسام المختلفة التي تتناولها، بالرغم ممّا قد يبدو من توزّع في العناوين: فالقصد من الكلام على الحضارات، قديمها وحديثها، أن تظهر الخصائص المشتركة التي تطبع النشاط الإنساني في الأزمنة والأمكنة على اختلافها، وأن تتبيّن التفاعلات بين الحضارات الإنسانيّة على المستويات الفكرية والعمليّة.

ويقول الباحث إن تدريس الفلسفة لا يخضع لقواعد مقرّرة جامدة، بل لأستاذ مادة الفلسفة المبادرة في طرائق المقاربة الملائمة ومسؤولية كبرى في الاختيار، وذلك في إطار الأهداف العامة والخاصة للمادة. ثم إنّ هذا المنهج المعروض هنا ليس نهاية المطاف، بل من ضمن مقاصده فتح الآفاق على التطورات الجديدة في تدريس الفلسفة والحضارات، سواء من حيث المنهج أو المضامين.

إنّ منهاج الفلسفة والحضارات للسنتين الثانويتين (الثانية والثالثة بكالوريا) يحتوي، بحسب الدراسة، على بعض الجوانب الإيجابية، فقد ورد في تقييم المناهج التعليمية الجديدة في لبنان (تقييم مناهج المواد)، الجزء الخاص بمادة "فلسفة وحضارات" الصادر عن الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية ما يلي: "يتميز منهاج مادة "فلسفة وحضارات" بإدراج ممارسة السؤال الفلسفي، وما ينتج عنه من تفكير حر وخلاق. ومن بين الأهداف العامة للمادة محاولة الموازاة بين الفلسفة العربية والفلسفة العامة، ومحاولة إدخال المسائل الفلسفية التي تثيرها العلوم الطبيعية والتكنولوجيا على الصعيدين المعرفي والأخلاقي".

لكن في الوقت نفسه يعاني هذا المنهاج من العديد من المشاكل والنواقص والعيوب، من أهمها:  تغييب التربية على النقد الفلسفي، القفز على التفكير الفلسفي في مضامين التراث والحضارات والمعتقدات الدينية، المساهمة في تشكيل ذهنية قابلة لاستيعاب إيديولوجية الدولة.

ويلفت الباحث إلى أن الأهداف المسطرة في المنهاج الرسمي اللبناني، عموماً، تبقى بعيدة المنال، ما لم يتمّ الانتباه لأهمية المناهج التعليمية في تربية ذهنية الأفراد، وعلى رأسها منهاج مادة الفلسفة؛ إذ إن المنظومة اللبنانية للتربية والتعليم برمّتها تعيش مخاض المراجعة والتقييم بحثاً عن السبيل الأنجع للإصلاح والارتقاء بجودة المنظومة التربوية في أفق بناء نموذج تعليمي منسجم مع حاضر لبنان وتاريخها العريق. وفي السياق نفسه، تمّ الانتباه بناء على تقارير وصفية وعلمية صادرة عن الجهات الرسمية المكلفة بالشأن التربوي والتعليمي بتنسيق مع جهات خارجية لعيوب المنهاج الحالي لمادة "فلسفة وحضارات".

وتخلص الدراسة إلى أن الاستثمار الأنجع لتقارير تقييم منهاج مادة "فلسفة وحضارات"، كفيل بتوجيه تدريس الفلسفة في لبنان بالتعليم الثانوي الوجهة الصائبة، بالشكل الذي يجعل هذا الدرس محتفظاً بهويته، وقادراً على المساهمة في تكوين المواطن اللبناني القادر على التفكير الحر والمستقل، والذي يستطيع التأقلم مع إرثه الحضاري في إطار الإيمان بالاختلاف، ومواكبة روح العصر بمستجداته وقضاياه.

لقراءة الدراسة كاملة انقر هنا

https://goo.gl/XMp8j7

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق