زياد الزعبي: العقل العربي بين التبعية وإنتاج المعرفة
11 اكتوبر 2014 | 0 تعليق

الناقد والأكاديمي الأردني زياد الزعبي (ذوات)
ذوات

وصف الناقد والأكاديمي الأردني الدكتور زياد الزعبي العلاقة بين الشرق/ العرب والغرب بأنها "علاقة معقدة" يتداخل فيها التاريخ المرهون بالواقع الماثل، وتتشابك في أطرها مجموعة كبيرة من العناصر المثيرة تتعلق بعمليات الصراع والتثاقف التي تنهض برمتها على معرفة الآخر، أو على قراءته ورؤيته من منظور القارئ الذي يحدد مسارات الحوار، ومناهج القراءة وأهدافها المحكومة بتكوينه الثقافي والإيديولوجي.

وبيّن الدكتور الزعبي، في حوار نشره الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" أجراه الباحث الأردني معاذ بني عامر، أن علاقات التثاقف بين الحضارة العربية الإسلامية وأوروبا التي بدأت في العصور الوسطى، شكلت وما تزال مركباً ثقافياً معقداً تتداخل حلقاته وعناصره زمانياً ومكانياً، استناداً إلى سلسلة لم تنقطع من عمليات الامتداد والارتداد المتبادلة التي حكمت العلاقة بين الطرفين، ما جعل الحدود بين عالمي الشرق والغرب، متحركة جغرافياً وثقافياً. وقد ترتب على هذا الوضع تكوّن شبكة معقدة من التأثيرات الثقافية المتبادلة.

ونوّه صاحب كتاب "المثاقفة وتحولات المصطلح"، إلى أن المؤسسة الاستشراقية قامت وتقوم بدور ضخم في قراءة التراث العربي قراءة تفصيلية تقف على مجمل الإنتاج الفكري والعلمي والأدبي، وعلى صور الحياة المختلفة في الثقافة العربية الإسلامية وفق مناهج علمية، وأدوات بحث، وإمكانات كبيرة لا تتوافر لدينا، لافتاً إلى أن هذا "أمر طبيعي في إطار ثقافة متفوقة مهيمنة".

لكن الأمر الغريب، وفق الزعبي، "أننا في العالم العربي لم نقم بقراءة تراثنا على نحو يمكن أن يقابل أو أن يقترب مما فعله المستشرقون"، والأغرب، أيضاً، كما يقول، "أننا لم نسع إلى متابعة ما تنجزه المؤسسة الاستشراقية"، فضلاً عن أن معرفتنا بدراسات المستشرقين المتعلقة بثقافتنا في مختلف مجالاتها ظلت "محدودة جدا لم تستطع متابعة منجز المؤسسة الاستشراقية الذي استقرأ الثقافة العربية في أغلب حقولها".

وأكد الزعبي أن قراءة الواقع العربي الراهن "أمر يبعث على الرعب"؛ مشيراً إلى أنه واقع "يشهد تراجعاً مخيفاً في معظم مجالات الحياة، باستثناء تراكم الثروة في بعض المواطن، وعدم الإفادة منها لإحداث نقلة نوعية في الفكر والثقافة والإسهام الحضاري".

الزعبي: لم نقم في العالم العربي بقراءة تراثنا على نحو يمكن أن يقابل أو أن يقترب مما فعله المستشرقون

وفي حديثه عن صور عملية التثاقف، لفت الزعبي إلى أنها تمت في مراحل تاريخية متباينة والمشترك فيها الثقافة العربية الإسلامية؛ ففي المرحلة الأولى كانت هذه الثقافة تتشكل مستندة إلى تفوق إيديولوجي عسكري من خلال حركة علمية استطاعت استيعاب الثقافات الأخرى اليونانية والفارسية والهندية، ونسجها في إطار ثقافة عربية إسلامية ذات طابع كوني دامت قروناً وتركت آثارها على الحضارات والثقافات الأخرى؛ أما في المرحلة الثانية فكانت الثقافة العربية مصدراً اعتمدت عليه الثقافات الأوروبية الصاعدة عسكرياً وعلمياً، فكان أن أفادت من إرث ثقافي دخل أصحابه مرحلة التراجع، بل والهزيمة.

أما المرحلة الأخيرة، بحسب الزعبي، فهي التي نشهد صورتها الراهنة، وهي لا تشبه المرحلتين السابقتين؛ ففيها أصبحت الثقافة العربية "عالة" على نفسها وعلى غيرها، بل "لم تعد تعي بنيتها وحضورها عند الآخر المهيمن، وغدت ثقافة تابعة على نحو قشري للحضارة الغربية في كل مجالاتها".

ورأى الزعبي أن ابن سينا كان "واحداً من أهم الفلاسفة الذي امتلكوا رؤيا فكرية وفلسفية، أسهمت في تفعيل العقل الناقد وترك آثار على الفكر الأوروبي وبخاصة على ألبرت الكبير في القرن الثالث عشر وعلى توماس الأكويني".

الزعبي: ثقافة التلقين الرصينة غائبة ما يعني أن الحديث عن التعليم القائم على الفكر النقدي التحليلي ترف لا مكان له في هذا السياق

ويرتبط مصطلح التعجيب عند ابن سينا، بحسب الزعبي، بـ "المتعة الجمالية الناجمة عن التغريب"، وهو مصطلح يعود إلى أصول أرسطية تظهر في "الخطابة" وكذلك في كتاب "النفس"، ولا يتعلق بالخطاب الصوفي أو الفلسفة الإشراقية، وربما كان أكثر ارتباطاً بالنظريات الجمالية المعاصرة.

إن مجتمعاً يحكمه التخلف والعبث لا يمكن أن يكون قادراً على الإنتاج، ومن الصعب أن يكون مقابلاً للآخر أو للعقل الفاعل

ووصف الزعبي المنظومة التعليمية في العالم العربي بأنها "منظومة متداعية، لم تنهض على أسس علمية منهجية، ولم تكن لها رؤية استراتيجية"، لافتاً إلى أن هدف هذه المنظومة "التخلص من عار الأمية؛ أي أن يستطيع أفراد المجتمع القراءة والكتابة"، مستدركاً لعل تدبر واقع الجامعات العربية يظهر إلى حد غدا النظام التعليمي "هياكل حاوية"، بل إنها في بعض الأحيان تسهم بفعالية في "تنمية التخلف".

وبين الزعبي أن "ثقافة التلقين الرصينة قد غابت"، ما يعني أن الحديث عن التعليم القائم على الفكر النقدي التحليلي "ترف لا مكان له في هذا السياق"، متسائلاً "أي عقل سيتشكل في إطار هذه المنظومة التعليمية بدءا من المدرسة الأساسية وحتى التعليم المسمى عاليا"؟!

وشدد الزعبي أن العقل العربي يرزح تحت وطأة فوضى مدمرة مؤذنة بالخراب على حد تعبير ابن خلدون، وتحت ركام هائل من الانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، منوهاً إلى أن ربيع الثورات على الاستبداد والظلم الذي نشهده اليوم "ليس للأسف ربيعاً للعقل العربي، بل ربما يكون خريفه".

وخلص الزعبي إلى أن نظاماً تعليمياً لا يعي ذاته، ولا يسيطر على لغته، ولا يعرف تاريخه ومنجزاته، ولا يدرك واقعه الذي يشكله غيره، نظام لا يملك سوى عجزه الذي لا يعيه، ما يعني أنه بحاجة إلى "زلزال" تنهض من بين أنقاضه بنى جديدة.

للاطلاع على الحوار كاملا يرجى النقر هنا

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق