طاليس: أول فيلسوف في تاريخ الإنسانية
23 فبراير 2015 | 0 تعليق

نحث تقريبي للفيلسوف طاليس(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

 

من منا لا يعرف دائرة طاليس التي رسمناها في الدروس الابتدائية، ومن منا لم يصادف مبرهنته في الدروس الثانوية ولم يتعلم منها، ومن منا لم يسمع اسمه في دروس الفلسفة وتاريخها، إنه الفيلسوف والعالم الذي تربت على علمه أجيال، واعتبره المؤرخون أحد الحكماء السبعة الذين اشتهروا في العصر اليوناني، ومن الأوائل اللذين انتقلوا بالفكر الإنساني من المرحلة الأسطورية (الميثوس) إلى مرحلة التفكير العقلاني المنظم (لوغوس)، وبهذا اتفقوا على تسميته بأول فيلسوف في تاريخ الإنسانية.

ولد طاليس بمدينة ملية"milet"اليونانية، ويقال إنه من أبوين فينيقيين، حسب ما جاء في الروايات التاريخية، لأن تاريخ حياته ليس معروفاً بدقة، فكل ما كتب عنه يعود لبعض الأحداث المؤرخة والمذكورة في مصادر متناثرة.

على الرغم من أن رأيا تاريخيا آخر ربط عائلة طاليس بالأمير الفونيكي قدموس، إلا أن هيرودوت ودوريس وديموقريطيس يرون أنه ينتمي إلى عائلة نبيلة من ميليسيا.

تلقى طاليس معظم تعليمه في مصر والشرق الأدنى، وبذلك فهو يجسد نموذجا متميزاً لتمازج ثقافة الشرق والغرب.

قدم الفيلسوف الإغريقي ديوجينيس بعض القصص عن حياة طاليس العائلية، حيث تروي الأولى أن طاليس تزوج وكان لديه طفل بالتبني، والثانية تحكي أنه لم يتزوج أبداً، قائلاً لأمه وهو شاب إنه من المبكر جداً الزواج. وأما عن الرواية التي تفيد أنه رفض الزواج مبكراً يقول بلوتارش: "زار سولون طاليس وسأله عن سبب بقائه عازباً، فأجاب على أنه لم يحب فكرة وجوب القلق على الأطفال، غير أنه بعد عدة سنوات رغب في تكوين عائلة، فتبنى ابن أخيه سيبيستوس".

تُلازم طاليس في مخيلة الكثيرين صورتان؛ الأولى هو أنه كان مندهشاً وغير منظم، والثانية أصم، اوتنضاف إلى هاته الصورتين قصص تروي على أن طاليس كان يتأمل الكون لبناء براهين فلكية، ويوما ما في حين أنه كان يراقب السماء أثناء سيره سقط في نافورة مياه.

يعود له الفضل في تأسيس المنهج العلمي القائم على البرهنة وفق الأسباب الماورائية والجغرافية

ينسب المؤرخون لطاليس فضل تأسيس المنهج العلمي القائم على تفسير الظواهر الطبيعية وفق الأسباب الماورائية والجغرافية، ويطلقون عليه الفيلسوف الطبيعي الأول. أما في مجال الرياضيات، فقد أخذت منحى جديدا بعد أن شهدت ولادة البرهان الرياضي على يديه ومن ثم أخذت الرياضيات في الابتعاد عن كونها وسيلة قياس لتخطو أولى خطواتها في عالم البحث الرياضي، والتي تقوم على مبدأ البرهنة، كما نقرأ في إحدى المتابعات البحثية لسيرة الرجل، ونشرت في مجلة "المعرفة" السعودية.

كان طاليس بارعاً في مجالات عديدة، غير أن الهندسة التي تعلمها خلال زيارته لمصر وبابل كانت المجال العلمي الذي برع فيه، فمبرهنة طاليس في الهندسة تُعتبر من الأسس العلمية التي ساهمت في تطوير المعرفة البشرية، كما أن ما توصل إليه في المجال الفلكي لازال يُستثمر، لأنه تمكن من تنظيم سجل بالنجوم يستخدم في الملاحة.

كان طاليس رياضياً وفلكياً بارزاً، وهكذا استطاع قياس ارتفاع الهرم من ظله، وأعطى للعلم وللتجربة قيمة كبرى من خلال ملاحظاته المتعددة واستنتاجاته النظرية. يقول المؤرخ الإغريقي هيرودوت إن طاليس تنبأ مرةً بكسوف شمسي تم تحديده بواسطة مناهج حديثة، ليكون في 28 أيار من العام 585 ق.م.

اعتبر طاليس في مسألة أصل العالم، أن الماء هو المبدأ الأول والعنصر الذي بزغ منه العالم، فالتراب ماء تجمد والهواء ماء تبخر، وحتى الكواكب تتكون من الاشتعال الحاصل من الأثير، وبهذا يكون قد طرح المسألة الأنطولوجية علمياً وليس ميثولوجياً أو لاهوتياً، كما جاء في قاموس الفلاسفة لجمال هاشم، ولتأطيره لهذه الرؤية اعتمد طاليس على الملاحظة، حيث رأى أن الإنسان والحيوان والنباتات كائنات تستمد غداءها من الرطوبة، وأصلها الماء، كما أن الإنسان يتكون من جراثيم رطبة أصلها الماء، وبالتالي استنتج أن الماء هو العلة المادية للكون معتمداً على ملاحظات واقعية.

تتجلى أهمية فكر طاليس في طرحه سؤالا: ما هي الحقيقة الموجودة وراء الأشياء المتعددة؟ وهل من الممكن أن تكون الحقيقة واحدة في جوهرها متعددة في مظاهرها؟ كما أن طبيعة فكره العلمية ساعدته كثيرا في خلق رؤى فلسفية مبنية على تفسيرات عقلية خلافاً لما كانت عليه.

توفي طاليس، حسب بعض الروايات التاريخية، عن عمر يناهز 78 عاماً.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق