علاقة الدين بالدولة في الدولة العربية الحديثة: تونس أنموذجاً
13 مارس 2015 | 0 تعليق

سؤال الدين والدولة في تونس -(أرشيفية)
ذوات

هل يمكن الحديث عن "تجربة علمانية" نوعية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، على ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة؟ سؤال يحاول المفكر التونسي احميده النيفر الإجابة عليه، من خلال دراسة نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان "التجربة العلمانية وعلاقة الدين بالدولة في تونس الدولة الحديثة في تونس".

ويفتتح النفير دراسته بالاستفسار التالي: لماذا يمثل هذا الموضوع جزءا من مسألة محورية في بناء المرحلة الجديدة التي تمر بها البلاد العربية الإسلامية عامة، وتونس خاصة؟ وفي معرض تسليطه الضوء على معالم الإجابة، استحضر العناصر التالية:

ــ مثّل الوصول إلى السلطة عبر الدين تحدّيا واجه الدول في العالم الإسلامي، إذ كانت الاستفادة من الدين الممر الآمن للاستقرار أو للثورة، مما جعله مصدرا للقوة السياسة أو لإضعافها، مما أدى إلى اعتماد مستمر للحاكم على السلطة الدينية واستفادته من هذه المرجعية طوال العهود.

ــ لا نجد دولة في تونس تجاوزت هذه المعضلة قبل الفترة الحديثة، وذلك انطلاقا من النموذج الذي اتخذ من الدين أيديولوجيا له كالدولة الفاطميّة وصولا إلى الدولة الحسينية. هذه النماذج لم تستطع حل هذه الإشكاليّة بصورة مختلفة، مما جعل التلاحم بين الديني والسياسي محورا لعموم التفكير الإسلامي والإنجاز السياسي على مدى العصور في خصوص السياق التونسي.

ــ هذا التلاحم جعل العلاقة بين الديني والسياسي قضية مصيرية تحكم حركة المجتمعات العربية الإسلامية إلى اليوم، مما فرض نمطا من المعالجات التوظيفية، سواء من قبل الساسة أو من قبل غالب القيادات والمؤسسات الدينية. لقد غلبت المعالجات الشكلية الترميقية على الموضوع، وذلك للاعتقاد بأن الممارسة السياسية والتحولات الاجتماعية كفيلتان بتجاوزها دون أية حاجة إلى مراجعات وقراءات تأسيسية جديدة تشمل الفكر الديني عموما والفكر السياسي في الإسلام بصورة خاصة.

ــ ضمور أو انعدام هذه المعالجة هي التي جعلت حضور الدين في المجتمعات العربية الإسلامية قائما، لكن بصورة معيقة للإنسان ولاحتياجاته الحقيقة ومستلبة لإرادته. لهذا نلاحظ، أن جهود الإصلاح الديني والسياسي في تونس في الفترة الحديثة لم تحقق أهدافها. ذلك أن الطرف الإسلامي لم يقدر على تفعيل الرسالة الدينية الصميمية التي ترى في الدين إيمانا بمصير الإنسان، مما يجعل هذا الأخير من خلال وعي ديني متجدد عاملا أساسيا في بناء النظام الاجتماعي والتقدم المدني.

انفتح أفق حضاري جديد يتناول الشأن العام في أبعاده النظرية والقيمية والعملية بما ينمي اختيار المواطنة الفاعلة. ذلك هو الاختيار الصعب القائم على التواصل بين مكونات المجتمع المتعددة وبما يحقق الفاعلية الحضارية الفردية والجماعية التي قام عليها التاريخ الحضاري الخاص

وتناول النيفر موضوع العلمانية وتجربتها في تونس في ضوء اعتبارين: الاعتبار الفكري الحضاري الذي يهتم بالنظر لما وقع إنتاجه من أفكار في تونس خاصة والمتصل بعلاقة الدين بالدولة، وذلك قصد معالجة واقع النظام الاقتصادي والسياسي الاجتماعي والثقافي الذي كان ينتظم المجتمع في تونس، وهناك كذلك الاعتبار التاريخي الوطني وما عرفه هذا الواقع المؤسسي من تحولات طوال فترة زمنية ممتدة من القرن الثامن عشر مع تأسيس الدولة الحسينية (1705) إلى استقرار النظام الجمهوري وما عرفه من حركة سياسية ــ اجتماعية وفكرية انتهت بتراجع واضح لخطابه التحديثي العلماني في سبعينيات القرن العشرين.

وتوضيحا لهذين الاعتبارين، يؤرخ النيفر لبداية الدولة الحديثة في تونس، مع عرض خصائص علاقة الديني بالسياسي فيها، وهذا تأريخ يتطلب التوقف عند جدلية الدين والدولة في المرحلة البورقيبية، ففي خمسينيات القرن العشرين وقبل أن تحقق البلاد التونسية استقلالها السياسي، كانت العلاقة بين الديني والسياسي مطروحة من خلال ما كان تقدمه النخب الصاعدة من رؤية جديدة وثقافة عصرية ضمن مشروع تحديثي للمؤسسات وللمجتمع. خصوصية هذا المشروع كان متحددا فيما يمثله من طريقة جديدة في إدارة الشأن العام، وما تعنيه تلك الرؤية الجديدة بالنسبة للقائمين على الشأن الإسلامي في تونس وفي كيفية تصورهم لمعالجة تلك العلاقة.

أما مع ثلاثينيات القرن الماضي، فقد كان الزعيم بورقيبة وعموم النخب الشابة الصاعدة التي انخرطت في العمل الوطني قد اتخذت لنفسها ثقافة سياسية حداثيّة ذات مرجعيّة غربيّة. لكن هذا لم يكن يعني أنها كانت مناهضة للتراث والقيم العربية الإسلامية. هذا الاستئناس بالثقافة الخاصة كان حاضرا بقدر نسبي يتفق في بعض الحالات مع مقتضيات حماية الهوية الوطنية. في هذا السياق، تتنزّل مواقف الزعيم بورقيبة من بعض التعبيرات الاجتماعية كالحجاب والشاشيّة ودفن المتجنّسين من التونسيين في المقابر الإسلامية، وهذا وضع سيتغير نوعياً بعد استلام مقاليد السلطة تكريسا لحداثة أكثر تجذرا، وهذا ما سيتأكد بوضوح منذ استلام النخب الوطنية السلطة في 1956.

وختاماً، خلص احميدة النيفر إلى أن عنف الدولة كان هو العامل المعول عليه للسيطرة على التناقض الذي يعاني منه المجتمع، لكنه كان في نهاية المطاف عنصراً حاسماً في انطلاق مسيرة الثورة المتجاوزة للخطابات التعبوية المنغلقة التي تدعي التفرّد بامتلاك البدائل الجاهزة. من ثم انفتح أفق حضاري جديد يتناول الشأن العام في أبعاده النظرية والقيمية والعملية بما ينمي اختيار المواطنة الفاعلة. ذلك هو الاختيار الصعب القائم على التواصل بين مكونات المجتمع المتعددة وبما يحقق الفاعلية الحضارية الفردية والجماعية التي قام عليها التاريخ الحضاري الخاص، باعتبارها الشرط اللازم لأي اجتماع مدني منشود. رهان المواطنة الفاعلة قائم على الانعتاق من إطار الدولة المحتوية للمجتمع بالتسلط عليه، وذلك بالشروع في تأسيس إطار مغاير تقوم الدولة فيه على التعايش المتوازن مع المجتمع، وعلى حماية الحريات وإنفاذ القانون.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق