في ذكرى ميلاد سبينوزا
24 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - نزهة صادق

تربى سبينوزا في صغره على التراث اليهودي والتقاليد اليهودية في أسرة عقدت آمالاً كبيرة عليه، وانتظرت منه أن يصبح حاخاماً يوماً ما، غير أن حبه للفلسفة وجهه توجيهاً جديداً، وجعل منه أبرز المؤثرين في تاريخ الفلسفة الغربية. وبعدما تعلم النقد واغترف الحكمة من الفلسفة، تفحص الكتاب المقدس بأعين نقدية، الشيء الذي جعل منه مرجعاً بارزاً لـ"منهج النقد التاريخي".

ويصادف اليوم (24 نوفمبر(تشرين الثاني)1632)، ولادة الفيلسوف باروخ سبينوزا، الرجل الذي أحب الحكمة وتعاطى لدراسة الفلسفة. تأثر في البداية بالفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون الذي زرع فيه بذرة التمرد على التراث اليهودي الذي نشأ وتربى على أفكاره وتعاليمه، وساعده على تذوق الحرية، وإعمال العقل وترويده عبر طرح الأسئلة، كما أن النقاش الفلسفي الذي كان سائداً في هولندا في تلك الحقبة، والتي كانت قبلة لجميع المذاهب والتيارات، ساعد سبينوزاعلى المضي قدماً في اختياراته التي كانت صعبة قبل وبعد كل شيء.

تعلم سبينوزا اللاتينية واطلع على المؤلفات الفلسفية الكبرى التي انتشرت في عصره، مثل مؤلفات ديكارت وفرنسيس بيكون ودفيد هيوم وآخرين، غير أن انحيازه للفلسفة وابتعاده عن الطقوس الدينية، فتح عليه أبواب جهنم، وأثار حفيظة الكنيسة اليهودية فقام الحاخامات بإصدار فتوى ضده سنة 1656، كانت سبباً في حرمانه من الإرث العائلي، فعاش معزولاً بدون مورد معيشي، مما اضطره إلى امتهان حرفة "نظاراتي".

وعلى الرغم من أن الفكر الحر كان يشق طريقه في هولندا بخطى ثابتة، في مقابل المد الكاثوليكي الذي كان العمود الفقري للكنيسة في أوروبا، حتى أن الكثير من الأفراد تعرضوا للاضطهاد في بلدانهم نظراً لهيمنته، غير أن ذاك الحراك، والذي كان سبينوزا جزءا منه، لم يجلب لباروخ سوى التهميش، إذ اضطر في كثير من الأحيان إلى مغادرة أمستردام ليعيش بالضواحي خوفاً من تعصب الطائفة اليهودية، وفعلاً فقد تعرض لمحاولة اغتيال من طرف أحدهم، نجا منها بأعجوبة وبدون خسائر.

 

كان سبينوزا من أوائل الفلاسفة الذين واجهوا الأجوبة التاريخية الجاهزة ووضعوها تحت ماكينة النقد والقلقلة، في النصف الثاني من القرن السابع عشر، وذلك قبل مئة عام من ظهور فولتير، وديدرو، وروسو، وكانط وسواهم، رواد فلسفة التنوير.

فتح انحياز الباروخ للفلسفة وابتعاده عن الطقوس الدينية، أبواب جهنم عليه، وأثار حفيظة الكنيسة اليهودية، فقرر الحاخامات حرمانه من الإرث، وعلى الرغم من ذلك فقد أسس سبينوزا خلال حياته فلسفة ونسقاً أنطولوجياً، اعتبر المحاولة الأقوى في تاريخ الفكر لبناء نظرية خالصة عن الوجود، ولعلّ نصّه الأمّ: "الإتيقا" هو الآلية الأشدّ إحكاماً، حيث سعى إلى بناء مذهب مادّيّ صرف لا يسلّم بشيء للنزعات الروحية أو الدينية، ليصنف بذلك كفيلسوف ماديّ ينظر إلى الموجودات من جهة قوّتها وتركيبها المادّيّ، وليس من جهة ماهياتها الأخلاقية أو الدينية المجرّدة، على الرغم من تصنيفه بالفيلسوف المادي، إلا أنه كانت للأخلاق التي تعترف بالإنسان مكانة كبيرة في فلسفته، ولعل الكلمة الأخيرة لسبينوزا في كتابه "الأخلاق": "كل الأشياء النبيلة صعبة بقدر ما هي نادرة"، لأبلغ دليل على ذلك.

وعلى الرغم من أن سبينوزا ألف عدداً صغيراً من المؤلفات، إلا أنها أحدثت تأثيراً واسعاً في الفكر الفلسفي اللاحق، وخاصة كتاب "الأخلاق"، بعد أن أسس لفلسفة نقدية تنبني بالأساس على العقل، حتى أنه سمي الفيلسوف العقلاني.

توفي سبينوزا في 21 فبراير(شباط) عام 1677 في لاهاي.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق