كلود ليفي ستراوس: رائد الأنثروبولوجيا الحديثة
20 مارس 2015 | 0 تعليق

الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي ستراوس -(أرشيفية)
ذوات - نزهة صادق

يُعد الفيلسوف الفرنسي كلود ليفي ستراوس، من أهم رواد البنيوية في النصف الثاني من القرن العشرين، قاده حسه للإيمان بالإنسان وبخيرتيه بعيداً عن أي تميز عرقي أو حضاري، وأثاره مجال البحث في جدلية الفطري والمكتسب في سلوك الإنسان، وأسس لأنثروبولوجيا حديثة منبنية على بنى مغايرة لما تطرق إليه الباحثون من قبل، وبذلك اعتبره رواد علم الاجتماع برائد الأنثروبولوجيا البنيويّة.

خاض ستراوس غمار البحث والمعرفة في خبايا الثقافة كمنظومة القيم المؤسسة للمعنى للذات الإنسانية، ورأى أن الكائن البشري يوجد في وضع "بيو- ثقافي، فهو في منطقة وسطى بين الغريزة والعقل وبين التوحش والتحضر وبين الطبيعة والثقافة وبين البداوة والحضارة" كما جاء في كتاب "كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثروبولوجي". للمؤلف أموند ليتش.

وُلد كلود ليفي ستراوس في بلجيكا عام 1908، ثم انتقل إلى فرنسا، وقد مكنه انتماؤه إلى عائلة بورجوازية فرنسية يهودية مثقفة ومندمجة وعلمانية، من تحقيق إنجازات مهمة، نقشت اسمه في تاريخ مفكري أوروبا عموماً، والمفكرين الفرنسيين على وجه الخصوص.

تلقَّى ليفي ستراوس تعليمه الجامعي في السوربون، وتخرَّج من كلية الحقوق عام 1931، ثم سافر إلى البرازيل ودرس علم الاجتماع، وكانت فترة وجوده في البرازيل الفترة التي مكنته من إنجاز أبحاث حقلية إثنوغرافية بين قبائل" البورورو" في وسط البرازيل، حيث أقام على أساسها نظريته في علم الأساطير.

بلور رؤية جديدة تنبذ العنصرية والتمييز.

إذا كان قد أولى الباحثون الغربيون اهتماماً كبيراُ لظاهرة التنوع والاختلاف في الثقافات البشرية، بناء على النسق الأنثروبولوجي، حيث حفروا في تاريخ تطور المجتمعات وميزوا بين ثقافة المتحضرين والبدائيين، فبالمقابل توجه مؤسس الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي ستراوس إلى اتجاه معاكس، بلور فيه رؤية جديدة تنبذ العنصرية، وتنتقد التصور العنصري الرابط بين ظاهرة لا تنوع الثقافي وبين الاختلاف العرقي.

يقول ستراوس في كتابه "الفكر البري"، الذي قام بترجمته الكاتب نظير جاهل:

" فهاهنا بين الثقافة والطبيعة مقايضة تعطي المتشابه لتنال المتغاير، وهي تجري تارة بين الناس أو في ما بينهم وتارة بين الحيوانات والناس… أما الاختلافات فينتزعها الإنسان من الطبيعة ويحملها على الثقافة… فتصبح شعارات تتميز بها الجماعات، وتنفي بواسطتها الصفة الطبيعية عن اتحادها ".

رأى ستراوس أن اللغة تمثل الحالة الفعلية التي أنجز عبرها الإنسان عملية الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة، بل هي ملكة تواصل لساني وأداة تعبير وإعلام وأكثر مظاهر النظام الحضاري اكتمالاً.

قدّم ستراوس تصوراً حول الذات الإنسانية في علاقتها بجدلية الثقافة والطبيعة، فلقد اعتبر أن الإنسان ليس حراً كما يعتقد أو كما قدمته المادية التاريخية، بل هو تحت وطأة بنيات، حولته إلى مجال تمارس فيه الأنساق والحتميات اللاواعية تأثيرها وتفرض سطوتها، لذلك يرى ستراوس أن الكائن البشري محدود بصورة حتمية بقوانين الكون، وبالتالي فهو ليس بذات فاعلة، حرة قادرة على الانطلاق والخلق سواء من داخل أو خارج التاريخ، ويرجع ذلك للبنيات التي تحيط بوجوده، وهي أنساق خارجة عن دائرة الوعي العادي، معتبراً بذلك أن الوعي العلمي هو الوحيد القادر على الكشف عن السمة اللاشعورية المجهولة للبنيات التي يستعملها الإنسان دون أن يصنعها.

ما يميز البنيوية هو كونها لا تزعم امتلاك الوعي، بل تعتبر الوجود الواعي للكائن مشكلة أنطولوجية يصعب حلها، لذلك فهي تتوجه إلى دراسة منتوجات النشاط، بالغوص في حقائقها اللاشعورية، بعيداً عن المقاربة التاريخية، وعن التعبيرات الواعية عن الظواهر الاجتماعية، وإلى تسليط الضوء على النماذج عبر الانتقال من دراسة المضامين اللاشعورية إلى التركيز على الأشكال اللاشعورية، وبالتالي الاعتراف بأن البنيات المعهودة للظاهر هي منفلتة بشكل أو بآخر من الوعي.

تفضي البنيوية إلى إحدى الحقائق التي تقر على أن المعقولية العلمية لا تعطى في التجربة المعيشة في مستوى الإدراك الحسي، بل هي ثمرة عملية ناتجة عن إنشاء نماذج ومنظومات من الأشكال ضمن لغة رمزية ومعالجة جبرية.

الكائن البشري محدود بصورة حتمية بقوانين الكون، وبالتالي فهو ليس بذات فاعلة

نتج عن التصور البنيوي، إنتاج معرفة علائقية وفوارقية تركز على الاختلاف والتحول بوصفها الممثلة الأولى للبنية المعقولة للنسق الاجتماعي.

يعود اهتمام كلود ليفي ستروس بظاهرة التَّنَوُّع والاختلاف في الثقافات البشرية إلى عقود طويلة، حيث ظل هذا العنصر حاضرا في كتاباته، التي بلور من خلالها أفكارا حول التنوع؛ ففي كتابه "العِرْق والتاريخ" الذي نشر عام 1952؛ ناهض العنصرية واعتبر أن ما أفضت إليه الأنثروبولوجيا الغربية من تمييز بين الثقافات والحضارات بناء على العرق، وما يدعو له التصوُّر العنصري الذي يربط بين ظاهرة التنوع الثقافي و بين الاختلاف العِرْقي ربطاً ضرورياً و متلازماً، ما هو إلا تصور مغلوط يفضي إلى التمييز بالدرجة الأولى عوض دراسة الإنسان دراسة موضوعية، فليس هناك أي علاقة ضرورية ومباشرة بين تقدم الثقافات والتميز العرقي.

أما في كتابه "الثقافة والتاريخ"، الذي نشر عام 1971، فقد أكد فيه ستراوس على أن الازدهارَ الثقافي لا يتحقق إلا في ظروف انفتاح الثقافات البشرية على بعضها البعض، كما تميز بتقديم محاولات مقتضبة كانت مدخلاً لتأمل جديد حول الثقافة الغربية، ومعنى الحضارة، والسمة الاحتمالية للزمن التاريخي، وبذلك ذهب كلود ليفي ستروس الى أن فكرة التفاوت واللامساواة ليس لها أي أساس علمي وبهذا الصدد يقول:" لا شيء في الوضع الراهن للعلم ، يسمح بتأكيد التفوق أو الدونية الثقافية لعرق من الاعراق بالنسبة إلى عرق آخر ".

يعد كتاب "الأبنية الأولية لعلاقات القرابة" الذي صدر عام 1949 من أهم الكتب التي بلور فيها كلود نظريته الخاصة بالتبادل التعاقدي، الذي اعتبره عاملاً اجتماعيا أساسياً، كما صدر له كتاب "الأنثروبولوجيا البنيوية" عام 1958، الذي طور فيه ليفي ستراوس نظريته الأنثروبولوجية البنيوية، والتي اعتمد فيها على اللغويات كنموذج. ثم صدرت له مجموعة من الدراسات بعنوان "الأساطير أو مقدمة لعلم الميثولوجيا" ما بين 1964 و 1971، والتي صدرت في أربعة أجزاء: "النيء والمطبوخ"، و "من العسل إلى الرماد"، و"أصل آداب المائدة والإنسان العاري".

بعد أن أضاف إلى الساحة الثقافية والفكرية العلمية العالمية مفهوماً جديداً، الأنثروبولوجيا البنيوية، ونقش حضوره العلمي، بفلسفة آمن فيها أنه" يتوجّب على الإنسان أن يعيش ويُناضل، أن يُفكّر ويعتقد، أن يملك الجرأة من دون أن يفقد يقينه بأنّه لم يكن موجوداً في السابق على الأرض، وأنه لن يبقى عليها بعد رحيله الحتمي عن كوكب هو أيضاً زائل، بأفراحه وأتراحه وهمومه وآماله وأعماله التي ستُصبح كأنها لم تكن موجودة يوماً" كما قال في خاتمة كتابه مدارات حزينة، غادر كلود ليفي ستراوس الحياة بعد أن عاش قرناً فيها وقدم أطروحات مهمة للمعرفة البشرية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق