لا عبثية السلبي
21 اكتوبر 2014 | 0 تعليق

محمد غاني *

كل مخلوق في الكون سواء كان ماديا أو إيجابياً، كبيراً أو ضخما، أو حتى صغيرا بحجم النواة، فلا بد و أن فيه حكمة من خلقه تبدو لكل نبيه، بدءا بسعة الكون اللا متناه، حيث يبلغ نصف قطر الكون بحساب أينشتاين 35 بليون سنة ضوئية . أما بذرة المادة الأصلية التي نشأ منها الكون المرئي في الفضاء السحيق، فتغطي مسافة 64 مليار تريليون كيلومتر (أي الرقم 64 وأمامه21 صفراً) وعمرها الوسطي 15 مليار سنة. وظهرت في الوجود بعد 300 ألف سنة من الدويّ أو الانفجار العظيم الذي رافق خلق الكون 1.

فهذا الفضاء اللا متناه لا بد وأن فيه حكمة بليغة، فمن الحكم التي تظهر للوهلة الأولى وبدون غوص في التأمل هو ذلك الشره نحو المعرفة والعلم بعد الدهشة التي تبعث لدى كل إنسان لما يطلع على المسافات الهائلة بين الكواكب والنجوم وأحجامها.

لنأخذ مثالاً آخر، يقول فرانز ويلشتاينر- وهو أحد عباقرة البيئة العاملين بالمركز الأمريكي لأبحاث الطوارئ الذرية "إن الصراصير مخلوقات مثيرة للحيرة. فقد ظلت هذه الحشرات تنتشر في كل البيوت منذ اكثر من 280 مليون عام؛ أي منذ العصر الكربوني ومن الفوائد الطريفة التي يمكن أن نستقيها من وجود هذا الكائن الذي يتقزز منه الكثيرون أن وجوده في البيت ينبهنا إلى أنه هناك زوايا في الحائط تحتاج إلى إغلاق بالإسمنت2.

الإدمان لا يخرج أيضاً عن هاته القاعدة، حيث إن الكثير من الناس قد يربطه بكل ما هو سلبي من أفعال إجرامية وكحوليات ومخدرات، لكن إذا كان الإدمان هو تكرار فعل ما بشكل مصحوب بشعور اضطراري للعود إليه، فإن ذلك يمكن أن يتقاطع مع الشعور بالعطش، فكل إنسان يشعر بالعطش إلى شيء ما، وما ينبغى فعله فقط هو توجيه العطش إلى ما هو إيجابي، فحين يشعر الإنسان بالعطش إلى الماء، فإنه يمكن أن يسد عطشه بزجاجة من الليمونادا إذا لم يتوفر أمامه ماء كما يمكن أن يسده بزجاجة من الكحول، فكذلك الأمر مع الإدمان أو المحبة المتوهجة في القلب، فمن حصل له العطش إلى رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلك تجد لسانه لا يفتر عن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم، ومن حصل له العطش إلى المال تجده مدمناً على لعب القمار من أجل فوز موهوم، ومن حصل له عطش إلى ألحان جميلة تجده إما مدمناً على مواويل رائعة بأصوات جميلة في معان دينية راقية أو العكس مدمناً على أغان بكلام ساقط لا فائدة منه.

يقول تعالى: "ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" بمعنى أنه لا عبثية في الوجود سواء كان ما في هذا الوجود حسنة أم سيئة، نعمة أم نقمة، جلالا أم جمالا، و إنما هاته التجليات هي بمقياس البشر في حين أن الكل إيجابي بمقياس الحق، فلا يعرف النور إلا بوجود الظلمة، ولا الجمال إلا بوجود الجلال، ولا الغنى الا بالفقر ولا الصحة إلا بعد السقم، ولا الهدى إلا بعد الضلال، وبهذا يعرف الله، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : ونبلوكم بالشر والخير قال : أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة، والرخاء، والصحة، والسقم، والغنى، والفقر، والحلال، والحرام، والطاعة، والمعصية، والهدى، والضلال.

* باحث مغربي

1ـ انظر، مقال الوحدة الفلكية، موقع وزارة التعليم العالي للسلطة الفلسطينية "قلقيلية".

2ـ انظر مقال: إذا حدث انفجار نووي ستموت كل الكائنات الحية إلا كائن واحد فقط، مجلة صدى الحقيقة الإلكترونية.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق