ما بعد القبيلة وما قبل الدولة
22 يناير 2015 | 3 تعليق

د. حيدر البستنجي*

تطغى على منطقتنا العربية منذ عقود، حالة من السيولة الاجتماعية والثقافية، حيث ذابت المقولات التقليدية التي تتعاطى مع المنطقة ليحل محلها حالة من عدم اليقين والتخبط، حيث فقدت الشعوب العربية الكثير من خصائصها السابقة، فقدت مناعتها وخطوط دفاعها وتلاشت في كثير من الأحيان مرجعياتها مع ما يصاحب ذلك من أزمة هوية حادة وسهولة تسلل خليط غريب من الردايكالية العدمية، سواء في الدين أو السياسة أو حتى الأخلاق التي تحورت ماديا وتقزمت روحيا.

أزمة الهوية العميقة السائدة حاليا، ليست مفاجئة؛ فقد نشأت في المجتمعات العربية   بعد الحقبة الاستعمارية سلطات سياسية قصيرة النظر عاجزة بحكم تركيبتها البنيوية عن إنجاز مسار اقتصادي تنموي يحقق العدالة، وكذلك عجزت بالمطلق عن إنتاج نظام سياسي ديمقراطي يضمن حقوق المواطنة والمشاركة السياسية ووحدة الدولة وتماسكها الاجتماعي وطيلة هذة الفترة تكرست قيم مثل الولاء قبل الكفاءة والأمن أهم من التغير والريع بدل الإنتاج، مما أفرز استلابا واغترابا وتفسخا وسيادة لثقافة الخوف من جهه والانتهازية من جهه أخرى، هي إذن بلدان طاردة للعقول كما تشير دون مواربة الإحصائيات التي نشرتها الجامعة العربية مؤخرا، فإن31% من مجموع الأشخاص الذين يغادرون بلدانهم للهجرة إلى بلد أجنبي هم من العالم العربي، إضافة إلى ذلك فإن 54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم بسبب يأسهم من قدرتهم على التغيير أو حتى الاندماج، ففقدت المجتمعات قدرتها على التغيير ودخلت في حالة من السكون وفقدان المناعة كمقدمة مباشرة لظهور موزاييك من ردات الفعل المتناقضة والمتزامنة ومنها التطرف ونقيضه اللامبالاة، الانغلاق على الماضي ونقيضه الاغتراب، تفسخ القيم ونقيضه التشدد؛ أي حالة من السيولة الكاملة التي تنتظر من يملأها ويحركها، وللأسف، فنحن نعيش في عالم تحكمه المصالح والقوى الكبرى الجاهزة للاستفادة من هذه الفوضى وتأجيجها.

لقد أدى فشل قوى التغيير العربية واغتراب الدولة إلى إنتاج علاقات اجتماعية وانتماءات ما قبل وطنية، كما عزز الانتماءات الدينية والمذهبية، وفي كثير من الحالات نشأت حالة يمكن توصيفها بحالة ما بعد القبيلة وما قبل الدولة، وهنا نتحدث عن  المجال الاجتماعي غيرالتقليدي وغير الحديث في نفس الوقت، هذا المجال العابر للقبيلة ولكنه في نفس الوقت غير مديني؛ أي بالضبط بيئة مذهبية إقصائية شكلت السلفية الجهادية المنغلقة أقصى تجلياتها بما تقدمه من سرديات بسيطة وأحلام وتهويمات دنيوية وأخرى في عالم الغيب، وهي خصائص تجذب قطاعات عريضة تعاني أصلاً من أزمة الهوية حاضراً وتبحث عن وهم الخلاص مستقبلاً .

أدى فشل قوى التغيير العربية واغتراب الدولة إلى إنتاج علاقات اجتماعية وانتماءات ما قبل وطنية، كما عزز الانتماءات الدينية والمذهبية، وفي كثير من الحالات نشأت حالة يمكن توصيفها بحالة ما بعد القبيلة وما قبل الدولة

نحن إذن، في منطقة لم تخرج من عباءة القبيلة لتذوب في هوية وطنية جامعة، بل تخرج من عباءة القبيلة لتدخل في عباءة ما بعد قبلية طائفية إقصائية رافضة للقيم المدينة بقدر رفضها للدولة هذا الفهم ضروري ومهم للتعامل مع ظاهرة كداعش مثلا أو حتى كأشكال أقل تحجرا أو أقل عنفا كالتيارات السلفية والدينية المماثلة، قبائل تنشأ في الفراغ الموجود، وإن لم تعد روابط الدم هي التي تشكلها بل يجمعها رفض القائم والتبشير بالماضي دون قدرة على فهم روح العصر ولا مشكلاته وتناقضاته، طبعا مع القدرة على الاستفادة من كل التقدم التقني المتوفر في مجال الاتصال والحشد، حيث تغدو القبيلة مثل جلد الفهد المرقط موجودة في كل مكان دون حاجة للتواصل الجغرافي المباشر. هذه الأشكال الما بعد قبلية تقوم بتشويه صورة وثقافة المدينة، بل وتدمرها رمزياً قبل استكمال خرابها المادي؛ فهي لا تهتم بالإنسان ولا بالعمران بقدر أهمية نجاح العقل الأصولي بفرض تجلياته الدينية ورؤاه الموحدة التي لا تعترف بالتنوع والتعايش، بل تعمل على إعادة صياغة المكان كي يصبح ذا بعد واحد، بهوية فقيرة وموحشة تعكس حالة النكوص الثقافي العميق التي غرقنا جميعا فيها.

الفهم السابق ضروري لمعرفة حجم المشكلة الملقاة أمام التيارات الإصلاحية في عالمنا العربي؛ فبدون العمل على تفكيك القبيلة الجديدة ونشر قيم التسامح والحرية والمساواة وحب الحياة لخلق التيار الموازي لن نتمكن من قلب الطاولة على التطرف والانغلاق وإعادة الحياة للمنطقة من جديد.

* شاعر وكاتب أردني

التعليقات السابقة

مقدمات لابد منه

رلى الدسوقي
22 يناير 2015‎

هذه المقدمات لا بد منها لفهم الوحشية وتدهور المفهوم المديني وقيمة الإنسان عند مثل هكذا تيارات

المصطلح

طارق السعود
22 يناير 2015‎

نحت هكذا مصطلح يحمل في طياته توصيفا للحالة وإن كنت أرى أن التيارات المتطرفة والكثير من الجماعات الإسلامية يشكلون قبيلة منفصلة عن الواقع وعن روابط الدم

القبيلة والعشائريه..العدو اﻻكبر للوحده

rula al Dasouqi
22 يناير 2015‎

انا معك باننا فقدنا المرجعيه التي توحد الهويه العربية

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق