من النهضة إلى الثورة: المشروع الديمقراطي الغائب
15 يوليو 2015 | 0 تعليق

ذوات

يعاين الباحث المغربي إدريس جنداري المشروع الديمقراطي العربي الغائب، ملاحظاً، في بحثه المنشور في موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" فشل الفكر العربي، وهو ينتقل من مرحلة النهضة إلى مرحلة الثورة، في استنبات مفهوم الديمقراطية في الثقافة العربية، سواء من منظور التأصيل أو من منظور التحديث.

 وفي غضون ذلك، كان يتم التأسيس لمرحلة طويلة من المخاض السياسي، كانت حافلة بالصراعات الدموية بين الأحزاب والطوائف والمذاهب، لأن جميع إمكانات التغيير السياسي ظلت معطلة، ومعها تعطلت عجلة التغيير الاقتصادي والاجتماعي، الشيء الذي كان يهدد كيان الدولة العربية.

 لكن رغم تأجيل التغيير، باعتماد العنف المادي (الجيش) والعنف الرمزي (السلاح الأيديولوجي)، ظل رهان الانتقال نحو الزمن الديمقراطي مطروحاً بقوة، وكان ينتظر فقط، اللحظة المناسبة لقلب الموازين السياسية السائدة.

ويقرأ الباحث، في ضوء ذلك، تجربة المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي وظف آلته المنهجية في بناء مقاربات سياسية، كانت دائماً تتجاوز زمنها بكثير. وعلى الرغم من دفاعه المستميت عن مشروع الوحدة العربية، باعتباره الرهان المستقبلي المنشود، فإنه ظل يحافظ على مسافة بينه وبين التجسيد الواقعي لهذا المشروع، لما يعتريه من ضعف وتضعضع، كان نتيجة مباشرة لغلبة الأيديولوجي على الفكري.

ويقول الباحث: "عندما نقرأ اليوم، على إيقاع الربيع العربي، ما كتبه الأستاذ الجابري منذ زمن، فإننا نفهم جيداً القيمة الفكرية لمشروع الأستاذ، هذا المشروع الذي تمتع بقدر كبير من الحدس intuition الإبستمولوجي، الذي مكّنه من امتلاك أدوات فكرية قادرة على سبر أغوار المستقبل العربي، ومن ثم القدرة على استشراف الآفاق السياسية الممكنة".

ومن خلال قراءته العميقة للمشروع الفكري/ السياسي العربي الحديث، سواء من منظور سؤال النهضة أو من منظور سؤال الثورة، كان الجابري منشغلاً أكثر بالآفاق المستقبلية لهذا المشروع، وهي آفاق كانت تبدو له سوداوية للغاية؛ وذلك لأن الفكر العربي الحديث، لم يستطع هضم الحداثة السياسية بعد، فهو ما يزال مرتبطاً بالإبستيمي القديم للسلطة، في علاقة بالنموذج الخليفي القديم؛ وذلك رغم التشكيلات السلفية والليبرالية والاشتراكية، لأن جميع هذه التشكيلات تسعى إلى ربط السلطة بالواحد المنفرد، سواء أكان فردا أم حزبا أو طائفة، بينما الإبستيمي الجديد الذي يتحكم في المفهوم الجديد للسلطة، يربط ممارستها بالإرادة الشعبية التي يمثلها الشعب، بمختلف تشكلاته الأيديولوجية والدينية والعرقية؛ فهو الذي يحكم نفسه عبر ممثليه الذين ينتخبهم بإرادته الحرة. وفي إطار التداول السلمي على السلطة يمكن للشعب أن يختار من يمثله من بين مجموع الخيارات المتاحة له بشكل حر.

ووفق الباحث جنداري، فإن الجابري عندما يعود إلى قراءة الخطاب العربي المعاصر، من منظور أن الخطاب تعبير عن الواقع العملي، يقف على حقيقة جوهرية مفادها أن الفكر السياسي العربي لم يلج بعد زمن الديمقراطية، وذلك رغم انفتاحه المبكر على تجاربها العملية والتنظيرية، خلال عصر النهضة العربية؛ وكذلك رغم ادعائه، في مرحلة لاحقة، أن الديمقراطية السياسية لا تصلح للعالم العربي، باعتبار أن الشعب لم يصل بعد مرحلة النضج السياسي الذي يمكنه من المشاركة السياسية.

وبخصوص تفكيره في إشكالية الديمقراطية في العالم العربي؛ فقد اتبع الجابري نهجاً أركيولوجياً، من خلال الحفر في الطبقات الفكرية المشكلة للعقل السياسي العربي، وهي طبقات قديمة التشكل وغنية في مواد تشكلها، لكن نتائج الحفر بينت أن الطبقات المشكلة للعقل السياسي العربي لا تنتمي إلى مجال الثقافة العربية/الإسلامية؛ وذلك قد يكون نتيجة زحزحة القارات المعرفية وتداخل بعضها.

وفي سياق آخر، تُظهر الدراسة أن الجابري عندما حاول التفكير، من منظور تراثي، في كيفية اختراق النسق الاستبدادي للثقافة السياسية العربية الإسلامية، لم يكن مهتماً بالماضي، بل على العكس من ذلك، كان منشغلاً بالحاضر والمستقبل؛ وهذا الحضور للهاجس التراثي، حسب الباحث عبد الرحيم العلام، يتجاوز مجرد البحث في ما مضى، ليصبح عنصراً ملازماً في فهم الحاضر، بل وحتى استشراف المستقبل.

إن درس الجابري، اليوم، كما يقرّر الباحث إدريس جنداري يفرض نفسه علينا بقوة، وذلك لأنه انشغل بالسؤال السياسي في علاقته بالديمقراطية، ليس من منظور أيديولوجي، يقوم على أساس الرفض المطلق أو الاندفاع المطلق؛ ولكن من منظور إبستمولوجي، يقوم على أساس تفكيك آليات إنتاج الخطاب والممارسة في علاقة بالثقافة العربية، سواء تعلق الأمر بالمتن التراثي القديم أو بالمتن الفكري والسياسي الحديث، وذلك من منظور أن منظومة القيم ليست جامدة ولا مستقرة، ولكنها تسافر عبر الزمن وتمارس تأثيرها عبر العصور.

لقراءة النص الكامل للدراسة، يرجى النقر هنا

http://goo.gl/TqGfuB

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق