هاشم صالح: أبرز المفكرين التنويريين العرب
23 يونيو 2015 | 0 تعليق

هاشم صالح
ذوات - نزهة صادق

عشق الفكر الأركوني ونقله من لغة موليير إلى لغة الضاد، وفتح أمام العالم العربي أبواب التنوير الأوروبي، بعد أن فصّل مساراته وبحث في جذوره الأولى وكشف عن المراحل المؤسسة له،  لا يمكن لكل من جالسه إلا أن ينبهر بتواضعه وعشقه للمعرفة،  فهو ممن صدق فيهم القول: "الشجرة كثيرة الأثمار، تنحني أغصانها من كثرة أثمارها، ولا تتحرك مع كل ريح. والشجرة عادمة الثمر تتشامخ أغصانها، ومع كل ريح تتحرك"، إنه المفكر السوري هاشم صالح أبرز المفكرين التنويريين العرب.

يعتبر نفسه الباحث الدائم عن الحقيقة، لذا لم تجره يوماً ألقاباً أو أسام، كلما سئل هل نناديك بالدكتور أو الأستاذ، يجيب أنا باحث عن الحقيقة، وعندما يسأل عن نفسه، يجيب على أنه في بحث دائم عنه وسط ركام الحياة ووسط نفًس الحقيقة المحايدة التي لا تنفعل إلا مع ذاتها.

  تشبع هاشم صالح بروح السؤال منذ أن كان في الثانوي، وعندما صادف سؤال سقراط الشهير: "اعرف من أنت"، لم يكن في البداية متحمساً لسؤال ظن أنه بديهي، أفلا يمكن للمرء أن يعرف نفسه، ليكتشف بعد ذلك عبر السنين أنه سؤال مشروع، لسبر أغوار الذات والبحث في دهاليزها، فمن أنا ومن أكون كما يرى كاتبنا السوري سؤال أنطولوجي يفرض نفسه للغوص في الزمان ذلك الوعاء الثقافي الذي يبحث فيه الإنسان عن التجلي لذاته، حتى عبر شقوقه المؤسسة لبدايات زمنية.

كيف كانت حياة هاشم صالح؟ وما الذي أثر فيه، ليكون رجل اليوم؟ أسئلة قد تقود المهتم بهذا الكاتب العميق إلى الغوص في عوالمه للتعرف عن قرب عن عاشق الأنوار، وبالتالي الانخراط في مغامرة كبرى، وهي الحفر في عمق الأشياء لاكتشاف معادنها.

ولد هاشم صالح في بيئة سورية، تلقى فيها تربية كون فيها فكرة عن العالم، وتشبع فيها بجمال دمشق التي بصمته إلى الأبد.  وقد كان يتميز بطرح السؤال منذ طفولته الأولى حول العالم، مما قاده بعد رحلة عميقة من الحفر في مناجم المعرفة، من رسم معالم لكون لا يؤمن بيقينيات مطلقة، بل يؤسس لنسق فكري يطرح القضايا في عمقها،  فبالنسبة إليه لاوجود لحقائق معصومة لا تقبل النقاش.

لم يعد يهمني أشهر مثقف في العالم العربي، إذا كان ضعيف الضمير والأخلاق.

تخصص الكاتب السوري هاشم صالح في قضايا التجديد الديني ونقد الأصولية ونقاش قضايا الحداثة وما بعدها،  لم يأت من عبث، فبعد أن حصل على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث من جامعة السوربون 1982. وعلى دبلوم الدراسات العليا من جامعة دمشق 1975، وبعد أن كتب بأهم الصحف والمجلات الدولية، ونقل العديد من مؤلفات محمد أركون إلى اللغة العربية. وأنجز كتابا عن "مدخل إلى التنوير الأوروبي" وكتابا كان عنوانه "معضلة الأصولية الإسلامية" وكتابا   حول "الانسداد التاريخي" ،  بنى لنسق عقلاني يطرح السؤال الذي أرق العرب منذ زمن طويل، وهو لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟.

تأثر هاشم صالح  بمفكرين كثر لا يمكن عدهم، وكما قال في حوار له أجراه معه الباحث المغربي مولاي أحمد صابر في مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث: "لا ريب في أن جان جاك روسو أثر علي كثيرا بسبب نزعته الإنسانية والأخلاقية العالية. لقد أفهمني أنه لا علم بدون أخلاق أو بدون ضمير. قبل ذلك كنت مشدوها بالأضواء والبهرجات والشهرات الفارغة. الآن، لم يعد يهمني أشهر مثقف في العالم العربي، إذا كان ضعيف الضمير والأخلاق. امرأة فقيرة في الشارع أفضل منه،  إنسان أمي بسيط ولكن طيب القلب وأخلاقي أفضل منه. هذا الشيء علمني إياه جان جاك روسو، ثم كانط من بعده. من المعلوم أن كانط لم يكن يحلف إلا بشخصين: إسحاق نيوتن وجان جاك روسو، بل وكان يعتبر روسو "نيوتن العالم الأخلاقي". فكما أن نيوتن اكتشف القوانين الفيزيائية – الفلكية التي تمسك الكون، فإن روسو اكتشف القوانين الأخلاقية والضميرية التي لا معنى للوجود البشري من دونها. روسو قال لنا ما معناه: لا يهمني هل هذا الشخص من طائفتي أم لا؟ هل هو متدين أم لا؟ ما يهمني هو الشيء التالي: هل هو أخلاقي وعنده ضمير يحاسبه أم لا؟ هل هو حسن التعامل، مستقيم السلوك أم لا؟ هل يحب الخير للآخرين ويؤلمه جوع الجائعين وحاجة المحتاجين أم لا؟ إذ حتى لو كان متدينا ويصلي ألف ركعة في اليوم، ولكنه غشاش أو غدار، فإن إيمانه أو تدينه لا يساوي قشرة بصلة. يضاف إلى ذلك أني أحب المفكرين الذين تعذبوا، اضطهدوا، ضحوا بطمأنينتهم الشخصية من أجل الحقيقة. وفي طليعة هؤلاء، يقف سقراط وجان جاك روسو. أما فولتير، فقد أحببته لسبب آخر هو أنه يضحكني كثيراً ويعجبني، لأنه وقف في وجه الأصولية المسيحية وقفة حازمة كانت خطيرة عليه. ولكن وقوفه ضد الأصولية لم يدفعه إلى رمي نفسه في أحضان الإلحاد كما حصل لكثير من المثقفين. فولتير لم يكن ملحدا، وإنما مؤمن بالله المهندس الأعظم للكون. "لا مصنوع بدون صانع، ولا ساعة بدون ساعاتي" كما كان يقول".

لهاشم نظرة خاصة حول ما يقع في عالمنا العربي اليوم، وهو يلوم بشكل مباشر المفكرين الذين أصبحوا، يركضون وراء المال والجاه والشهرة والأضواء ولا تهمهم الحقيقة كثيرا أو قليلا.

معرفة الذات، كانت من أهم الهموم التي شغلت الكاتب هاشم صالح، والتي تقاسمها مع محمد أركون، عندما اعتبر أن الخلاص للدوامة التي يعيشها العالم العربي، تتجلى في الكشف عن مكامن الخلل من داخل ذواتنا، ولن يتم ذلك إلا بتفكيك بنيتها تاريخيًا، وتشريحها أبستمولوجيا.

أركون لم يكن إنسانا تراجيديا على عكسي أنا. وربما لهذا السبب تعلقت به. فالأضداد تتلاقى".  

 

وبما أنه من أهم المترجمين للأعمال المفكر الراحل محمد أركون، يتبادر إلى ذهن القارئ لأعماله أن نوعية العلاقة التي كانت تجمعه مع محمد أركون كانت متميزة ومقربة جداُ على جميع المستويات، غير أنها كانت علاقة غريبة رغم تميزها،  ففي حين أن الكثيرين يعتقدون لهاشم صالح علاقة إنسانية عميقة مع محمد أركون، فإن هاشم صالح كان يعرف محمد أركون المفكر أكثر من الإنسان، وبهذا الصدد يقول: "سوف أدهش القارئ كثيرا إذا ما قلت له بأني لا أعرف محمد أركون الإنسان كثيرا، وإنما فقط محمد أركون المفكر. بمعنى آخر لم نكن نلتقي في الحياة اليومية إلا نادرا، وإنما كنا نحل مشكلة المصطلحات بالتلفون أو بالإيميل... .محمد أركون كان شخصية عالمية. وكان ينتقل شهريا وربما أسبوعيا من طائرة إلى طائرة، ومن بلد إلى بلد، بل ومن قارة إلى قارة عدة مرات. لم يكن يهدأ رحمه الله. وهناك دعوات كثيرة كان يرفضها نظرا لضيق الوقت. لم تبق جامعة عالمية تقريبا إلا وحاضر فيها عن الإسلام والفكر الإسلامي، بدءا من اليابان إلى الولايات المتحدة وكندا والهند والصين وأوروبا والعالم العربي الإسلامي بطبيعة الحال. وكان خطيبا مصقعا يجذب الجمهور إليه جذبا. كان ذا شخصية قوية جدا ومهابة من قبلنا نحن طلابه. حضور درسه الأسبوعي كان متعة ما بعدها متعة. محمد أركون كان شخصية متوازنة جدا من الناحية النفسية وذا عقل راجح. لم يكن من نوعية المفكرين القلقين المعذبين نفسيا، مثل كيركيغارد أو نيتشه مثلا. أركون لم يكن إنسانا تراجيديا على عكسي أنا. وربما لهذا السبب تعلقت به. فالأضداد تتلاقى.

يعيش المفكر هاشم صالح اليوم بمدينة القنيطرة المغربية، بعد أن عاش في باريس وأمضى فيها زمناً عشق فيه رواد الأنوار، حتى أصبحوا جزءا لا يتجزأ من فلسفته التي تدعو في عمقها إلى إعادة النظر في ما تعيشه البلدان العربية، وتدعو إلى فتح الباب للتنوير، عن طريق ترجماته وكتبه، وبذلك يكون هاشم صالح قد أسس بمجهوداته لنسق  عرف به المجتمعات العربية عن قرب عن الأنوار، ليكون بذلك من أبرز المفكرين التنويريين العرب الذين اهتموا بقضايا التجديد الديني ونقدوا الأصولية، وناقشوا قضايا الحداثة في عقر دارها.  

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق