هاني حوراني.. السياسيّ والجماليّ في الفنّ
22 اكتوبر 2016 | 0 تعليق

عمر شبانة *

في البدء قد يكون اللون، ثم كانت الكلمة والفعل، وبعد ذلك العين وراء العدسة، وصولاً إلى اشتباك اللون مع نتاج العين والرؤية.. هذا ما كان في التجربة المتعددة للفنان هاني حوراني. تجربة بدأت بمرحلة مع اللون والتشكيل، منذ مطلع شبابه في بدايات الستينيات من القرن العشرين، هذه المرحلة التي قطعتها هزيمة حزيران وشيوع وسيادة العمل النضالي الفلسطيني، حيث وجد الفنان نفسه ينخرط في "متاهات" العمل السياسيّ، عبر صور مختلفة من البحث والكتابة والتأليف، والعودة بشوق وحبّ كبيرين إلى "الحبيب الأوّل"، إلى رحابة الفنّ، ولكن برؤية جديدة، وأدوات تجاوزت الفرشاة واللون، إلى الجمع بينها وبين التعاطي مع العدسات، وما نجم عن هذا التفاعل من عوالم وأعمال.. هذا كلّه يجعلنا حيال "صورة/ بورتريه" نسعى لمتابعته.

شهدت الرحلة التي أمضاها في رفقة "المقاومة الفلسطينية"، نشاطا وعملا سياسيين، ضمن الأطر التنظيمية والحركية، أساسها البحوث والدراسات، أنجز خلالها عناوين لافتة في البحث السياسي الاقتصادي

بدءا، رافقتُ تجربة هاني حوراني (مواليد مدينة الزرقاء/ الأردن 1945، وهو خرّيج الجامعة الأردنية، من كلية العلوم السياسية والإدارية 1970)، عن كثب، وعلى غير صعيد، منذ مطلع التسعينيات، حين كان عائدا إلى بلده الأردن، بعد رحلة طويلة من التجوال في "حقول" العمل السياسيّ، متنقّلا بين بيروت ودمشق وعواصم عربية وعالمية، بين الصحف ومراكز البحث، ليواصل- في عمّان- رحلة بحثه في عوالم السياسة، حتى نهاية الثمانينيات.

شهدت هذه الرحلة التي أمضاها في رفقة "المقاومة الفلسطينية"، نشاطا وعملا سياسيين، ضمن الأطر التنظيمية والحركية، أساسها البحوث والدراسات، أنجز خلالها عناوين لافتة في البحث السياسي الاقتصادي، ربما يكون أبرزها كتاب بعنوان "التركيب الاقتصادي والاجتماعي لشرق الأردن 1920- 1950"، كتاب تداولناه نحن، في الحراك السياسي المعارض في الأردن، في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وأحيانا على نحو سريّ حين كان العمل السياسي ما يزال "تحت الأرض".

اختتم حوراني رحلته خارج البلاد، في قبرص، مع نهاية الثمانينيات، بإصدار مجلة شهيرة حملت اسم "الأردن الجديد"، الفكرية السياسية، هذه المجلة التي حازت اهتماماً كبيراً من قبل المشتغلين في الساحتين السياسية والثقافية، لجهة رصانتها وتعمّقها في قراءة "الحالة الأردنية" آنذاك. وبعودة الحوراني إلى عمّان، قام بتأسيس وإدارة "مركز الأردن الجديد للدراسات" (1993/2013.)، الذي نشط في مجال البحث والندوات والمؤتمرات، على صعيد موضوعات وقضايا الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، فأصدر عشرات الكتب في مجاله، فضلا عن إصدارات لسياسيّين بارزين ذوي تجارب فاعلة في الحياة السياسية الأردنية.

وفي الأثناء، وجنبا إلى جنب مركز الدراسات واشتغالاته، أخذ الحوراني يعود إلى عالمه القديم، عالم الفنّ، فأسّس، مع زوجته الفنانة والمصممة سعاد عيساوي، غاليري "بلدنا" للفنون، في وقت كانت الغاليريهات الخاصة في الأردن ما تزال نادرة، فكان أن قام بدور كبير في استقبال المعارض لكبار الفنانين من الأردن والعالم العربي، مترافقة مع ندوات "نوعية"، لعلّني ما زلت أتذكّر منها معرض الفنان السوريّ الراحل فاتح المدرّس، مع ندوة حول أعماله قمتُ أنا شخصيّا بإدارتها. واستمر الغاليري يحمل ذلك الاسم، إلى أن جرى استبداله باسم آخر هو "رؤى 32" وبالأجنبية (Foresight32 Art Gallery‏).

في هذه الفترة، انتقل نقلته النوعية، والأخيرة ربما، إلى عالم جديد من عوالم الفنون، ويمنح نفسه لهذا الفضاء، مخلصا لنمط جديد من الإبداع يرى أنه مشروعه الذي ظلّ مؤجّلا لسنوات، بل لعقود من الأعوام، وهاهو يأنس إليه وفيه، كمن يأنس دفء مكان أليف وحميم، فيكتسب لونه ورائحته ومذاقه، من جهة، ويمنح هذا المكان كل ما يستطيع، فيصبغه بصبغته، ويطبعه بطابعه، ويمهره بختمه، فيعيد تشكيل هويته على شاكلته هو.

للوقوف على عوالم هاني حوراني، نعرض أبرز معالم تجربته، وأهم عناصرها وخطوطها العريضة، والتفصيلية إلى حد ما، لنكشف عن مكوّنات هويّته الفكرية والفنية، والسمات الجماليّة التي تميّزها، لا في الساحة الفنية الأردنية وحسب، بل على مستوى التجارب العربيّة، ومدى اتّصالها وتواصلها وتفاعلها مع التجربة الفنية العالمية والإنسانية، ما يعني ويتطلب الوقوف على مراحل هذه التجربة ومحطاتها، و"المنجز" الذي يكتسب فرادته وخصوصيته.

كيف تعلّمت الرسم

وقبل الحديث عن تجربته المتجددة منذ مطلع التسعينيات، نعود معه إلى البدايات الأولى، لنلقي أضواء على جوانب أساسية منها. وهنا نتوقّف ليتحدّث الفنّان حديثا خاصا لـ"ذوات"، وفي ما يشبه "التأريخ" لمسيرته، متوقّفا عند المكوّنات الأولى لتجربته الثقافية، الفنية والسياسية/ الفكرية، بدءا من حديثه عن الموهبة، حيث يرى "أن المسألة تتعدى كونها مجرد وجود موهبة، أو استعدادا خاصا للرسم، أو لممارسة أية مهارات فنية أو أدبية. إن الموهبة معطى مسبق، لكنها وحدها لا تقرر مصائر الموهوبين"، مرورا بالحديث عن بيئة عمّان "لم يكن لدى عمّان حتى مطلع الستينيات، ما تقدمه لهاوٍ مثلي لكي يتعلم منه على صعيد الفن"، وحتى البيئة الأسرية البسيطة، المتوسطة في الدخل والثقافة، ومع ذلك ففي بيت الأسرة ثمة "لوحة كانت تمثل هبوط الملائكة على النبي الخليل حاملة من السماء حملاً يغنيه عن قتل ابنه إسماعيل، وهي بذلك كانت أول لوحة زيتية مستمدة من رواية قرآنية أشاهدها في حياتي". ثم بيئة المدرسة، حيث "ثمة حصص متخصصة بالرسم والخط في الصفوف الابتدائية، لكن نادراً ما كان المدرسون الذين يشرفون على تعليم الرسم أو الخط قد تلقوا تعليماً مسبقاً على تقديم هذه الدروس"، وانتقالا إلى مشاهداته في الشارع من مراقبته للخط في يافطات المحالّ التجارية "مصدر إلهامي الغني الثاني كانت واجهة محل فخم لبيع قطع الإضاءة الباذخة والتماثيل المذهبة واللوحات الفنية، وبعض الأعمال الفنية ذات الطابع التجاريّ... كانت تلك اللوحات مصدر دهشتي وتعلمي عن الرسم بالألوان الزيتية، فهي رغم غربتها عن طبيعة بلادنا، عرّفتني على جماليات استخدام الفرشاة العريضة والألوان الكثيفة والضربات الحرة الجريئة، وكيفية إدخال الدهشة في نفوس المشاهدين من خلال المفارقات اللونية والخطوط المختزلة".

لم يكن لدى عمّان حتى مطلع الستينيات، ما تقدمه لهاوٍ مثلي لكي يتعلم منه على صعيد الفن

ونصل مع الحوراني إلى تجربة مهمة في مسيرته التكوينية، فيتوقّف ليتحدث عن تجربة تمثّلت في تأسيس "ندوة الرسم والنحت الأردنية" عام 1962"، وعنها يقول: "يجب القول هنا بأنّ الفضل في تأسيسي الجدّي يعود إلى ندوة الرسم والنحت، التي انضممتُ إليها في سنّ مبكر، إذ لم أتجاوز حينها السابعة عشرة من عمري. ولم ألبث أن بتّ من أنشط أعضائها الشبّان، وشغلت عضوية إحدى لجانها الفاعلة، لعلها لجنة المعارض.. لقد زودتني ندوة الرسم والنحت ليس فقط بالخبرات الأولية لممارسة الرسم، وإنما أيضاً عزّزت ثقتي بنفسي، حتى إنّني تجرأت على إلقاء محاضرة عن الفن الانطباعي في سن ربما لم يتجاوز الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة. ولا زلت أذكر كيف كانت ساقاي ترتجفان حينما بدأت بمحاضرتي تلك، وكان الحضور من الفنانين والمعماريين المعروفين". وكانت مشاركته الأولى في معرض مشترك مع محمد بارودي، بأعمال زيتية ومائية وأحبار، 1964.

وعن تجربته مع الصحافة، كتابة ورسما، يتحدّث الحوراني عن تجارب أولى له مع فنّ الكاريكاتير، فيقول: "واصلت هواية الرسم، بما في ذلك رسم الكاريكاتير، الذي نجحتُ في نشره في الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية التي كانت تصدر في حينها، وكان من بينها جريدة "الجهاد" التي كانت تصدر في القدس، حيث نشرت لي مرة رسماً في صدر صفحتها الأولى يعبر عن سياق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وكانت المناسبة المباحثات الجارية بين البلدين العملاقين للحد من هذا السباق. لقد ظهر في الرسم الكاريكاتوري كل من الرئيس الأمريكي جون كيندي والزعيم السوفياتي خروتشوف، وهما في حاله عناق، تعلو وجهيهما ابتسامات حارة، لكن جيوبهما وأيديهما ممتلئة بالصواريخ العابرة للقارات.

وفي مجال الكتابة، يقول: "كانت الصحف الأسبوعية الصادرة في عمان، مثل "أخبار الأسبوع" و"عمان المساء"، مسرحاً لمحاولاتي الكتابية المبكرة. ولا بد ان إغراء البحث عن الشهرة، دفعني إلى إجراء مقابلات مع كبار الفنانين العرب، وحتى مع الممثلين المغمورين الأجانب ممن كانوا يأتون للأردن للترويج لأفلامهم. وهكذا أجريت مقابلات مع فؤاد المهندس وشويكار والمطربة سميرة توفيق، ومع ممثل أمريكي مفتول العضلات من الدرجة الثالثة، ممن صعدوا مع موجة الأفلام الحربية التاريخية التي راجت في الستينيات".

أما خلفيّات نشاطه السياسيّ، فيتحدّث عنها بأنها "الانجراف أكثر فأكثر بالنشاط السياسي المباشر، تحت تأثير التطورات العاصفة التي كانت تمر بها المنطقة في أواسط الستينيات، وصولاً إلى حرب يونيو / حزيران 1967، بنتائجها الكارثية المعروفة". ولكن فترة الستينيات كانت فترة التكوين الأكثر جديّة في حياة الحوراني الثقافية عموما، يقول: "ثابرت خلالها على بناء مكتبة صغيرة، لكنها كانت فريدة من نوعها، إذ جمعت ما بين الأدب والفنون والفكر والسياسة". وهنا غرق الفنان في عوالم السياسة، ولم يعد منها إلا متأخرا، بعد ما يقارب عشرين عاما.

وفي سياقات عمله بين السياسة والبحث، كان الحوراني أنجز دراسة في رسوم الأطفال النازحين الفلسطينيين في عنوان "الفلسطيني الصغير" عام 1967، و"السيمنا والقضية الفلسطينية، حوار مع سينمائيين ونقاد عرب"، صدر عن شؤون فلسطينية، 1972، وقام إعداد سيناريو فيلم وثائقي عن المقاومة والمخيمات الفلسطينية في لبنان 1971.

من "المائيّات" إلى الفوتوغراف الملوّن

"المشهد الطبيعي في الأردن لم يحظ بالاهتمام الكافي من خلال المراحل السابقة"، يقول هاني حوراني بخصوص أحد دوافعه لخوض تجربة الاعتناء بالمكان، على هذا النحو من التركيز على "الجماليّات المهملة".

التجربة الجديدة، بل المتجددة للفنان، هي أكثر من مجرد عودة من عوالم السياسة إلى عالمه الفنيّ، فهي رحيل جديد في هذا العالم بمناخاته وفضاءاته المتعددة، ونحو آفاق تُغوي بقراءتها ومقاربة مستجدّاتها، فما الذي تعرضه علينا ولنا من تفاصيل. نعود إلى مطالع التسعينيات، حين انطلق من تجربة تشكيلية تميزت بحضور كثيف للمكان عبر مجموعة من الأعمال "المائية"، وآنذاك أنجز الفنان عددا من المعارض بهذه المادة، وكانت الطبيعة هي موضوعه الأساس، خصوصا الطبيعة الأردنية، في أهم معالمها التاريخية والحضارية والبيئيّة، وما تزال "محميّة الوالة" ومدينة البتراء، وغيرها، في ذاكرة من شهدوا تلك المعارض/ التجربة.

فكرة الفنان من وراء انهماكه في هذه التجربة، أراد لها أن تكون أكثر من "تخليد" للمدينة ومعالمها، وأكثر من تعبير عن الحنين والبكاء على الأطلال، أو حتى المديح والتغزُّل بعيون مدينته، بل يبدو في أعماقه وكأنه يسعى إلى إعادة تشكيلها، من خلال القراءة الجديدة لها. لتكون المدينة التي يحبها وإليها ينتمي، إليها بحسب رؤيته لها لا كما هي، وإلا لكان اكتفى بتوثيقها من خلال أرشيف من الصور. هو إذن أراد لها الخروج من صورتها المألوفة النمطية التي لا تجلب الغبطة، لأسباب تتعلق بتاريخ نظامها السياسي. أي أن اللوحة في العمق هي هجاء لما هو قائم.

وهذا ما يقوله حول طبيعة ما قام به وأنجزه: "لم أسع في أعمالي إلى تجميل عمّان، وإنما حاولت الـتأمل في وجوهها المختلفة، بجمالها وقبحها، فعمّان ليست مجرد مكان مستقل عنا، إنها ما صنعناه نحن بها على مدار عقود عديدة. إنها الابنة الشرعيّة لمجتمعنا الأردني ولثقافة العيش لدينا. ليست عمّان ما نوده لها، ولا الحلم الذي نتخيله عنها. إنها ما صنعناه، نحن، بها. وقد يكون معرضي حافزاً لتخيل ما يمكن أن تصبحه يوماً ما".

لم أسع في أعمالي إلى تجميل عمّان، وإنما حاولت الـتأمل في وجوهها المختلفة، بجمالها وقبحها

في تجربته الجديدة هذه، أخذ حوراني يتجه نحو أفق التصوير في معناه الأشمل، فلا الرسم اللونيّ وحده، ولا الفوتوغرافيّ وحسب، بل الأوسع والأبعد من كلّ منهما، لأنه أفق يجمع كليهما في صيغة تفاعليّة توليديّة غير مألوفة. هذه التجربة الاستثنائية، تمثّلت في عدد كبير من الأعمال، وظلّت تتطوّر تدريجا، من الاهتمام بالمشهد العام، في اتجاه المزيد من الاهتمام بأصغر التفاصيل، والتنقل بين درجات اللون وخفّته أو كثافته، أو التنويع على الموضوع من خلال تغيير المكان والزمان في "العمل" الفنّي الذي أنجزه خلال مسيرته الطويلة والغنية، خصوصا لجهة اهتمامه وتركيزه في المكان الشرقيّ، وما يتميز به من سمات، وما يمنحه من إمكانيات فنية شديدة الثراء. وهي التي ستكون محلّ اهتمامنا في ما تبقّى من هذه "الصورة".

لقد شهدتُ عددا من مراحل ومحطّات هذه التجربة، وشاهدتُ الكثير من نتاجاتها، وربّما كان أبرزها ما تجسّد في معارض شهدتها الساحة الفنية المحليّة، ومن أهمها "نسيج المشهد" و"ملاحة صحراوية"، و"تفاصيل"، ومعرضان بعنوان "وجوه مديني 1 و2" (2013- 2014)، ثم أخيرا معرض "صدأ" (2016). ففي هذه المعارض وغيرها مما يقارب عشرين معرضا، نجد الملامح الأساسية لتجربة الفنان الأخيرة، سواء كان من خلال الأعمال الفنية، أو من خلال التنظير لهذه التجربة خصوصا، أو التنظير لفن التصوير بصورة عامة، وهو ما يتطلّب وقفة مدقّقة ومتعمّقة.

في العلاقة مع الأمكنة، نجده يخوض رحلة متعددة المكونات، بل هي رحلة في المكان على مستوى العالم، فهي تمتد من البتراء والسلط في الأردن، إلى الدار البيضاء ومراكشفالرباط، فتونسوالقاهرة ثم الدوحة، ومن دبي إلى دمشق، ومن وادي النسناس في حيفا إلىمناطق أوروبية، مثل مرسيليا ومالطا وأمستردام... إلخ. لكنّ ما يعنينا هو المكان الأردنيّ عموما، كما بدا في معرضّيْ "وجوه 1 و2"، أو الأشياء القديمة والمستهلكة كما ظهرت في معرضه الأخير "صدأ".

بخصوص هذه التجربة الفوتوغرافية/ اللونيّة، ومن دون الولوج في تفاصيلها تشكيليّا، تجدر الإشارة إلى أن أول ما يميّزها، هو عدم اعتمادها على حسّ "التوثيق"، رغم أهميّته، لتعمل في اتجاه "تصوّر" جديد للمكان القديم وللأشياء المستهلكة، تصوّر يقوم على "إعادة بناء" لهذا المكان، استنادا إلى الذاكرة، لاستعادة مكان بات الآن مكانا آخر، وهذه هي مهمّة تلوين الصورة الفوتوغرافية بألوان باهتة، هي التي تمنح الإحساس بمرور الزمن، أي بالتقادم، سواء كان المكان حديثا أم تراثيّا وتاريخيّا.

إننا حيال نسخة جديدة من المكان، نعرفه ولا نعرفه، والأهم هو بروز التشابك بين رؤية هاني السياسية/ الفكرية والاجتماعية إلى الأردن عموما، وعمّان خصوصا، وبين اشتغالاته الفنية، فهو يقرأ المدينة وأحوالها وتشوّهاتها في ظل سياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية تفتقد إلى التوازن، لكنه ظل يحتفظ بالمخزون البصري القديم للمدينة، وكانت رحلته الجديدة فيها استعادة لذلك الموروث الذي تعب "المؤسّسون" في إقامته، وعبثت به تلك السياسات العبثية التي لا تقيم وزناً إلا للمال، فأبرز عمقها وجماليات مكانها.

وفي ما يتعلق بالجانب التقني في أعماله، يقول حوراني: "كان الفنانون يقومون عند رسمهم للمشهد الطبيعي بإعداد تخطيطات مسبقة للوحة، عن طريق رسم اسكتشات بالقلم أو الأحبار أو بالألوان المائية. والفارق الذي أحدثته هو أنه بدلاً من هذا النوع من التحضيرات التقليدية للوحة، فإني أصنع من صوري الفوتوغرافية للمكان ما يشبه التخطيطات التي كنا نقوم بها عادة بأقلام الرصاص على الورق للمكان الذي نرسمه. وبعبارة أخرى، فإني أضع تخطيطاتي للوحة عن طريق التصوير الفوتوغرافي. أحاول أن أجمع ما بين جماليات وإمكانات التصوير الفوتوغرافي مع تقنيات الرسم لأحصل على نتيجة لا يمكن تحقيقها بأي منهما على حدة". ولذلك، فهو يحلم بأن يسهم "في إنجاز المهمة غير المكتملة للحركة التشكيلية الأردنية. وهي التركيز على جماليات المكان في الأردن".

لا أرى في الصورة إلا كونها خامة أولية لعمل فني مقبل، وهذا هو حالي في معارضي الأخيرة

كانت هذه نظرات سريعة، ومكثفة، على عوالم لا تتسع لها مثل هذه "الصورة"، بل أردنا منها أن تكون إضاءات على هذه العوالم. وفي مداخلة للفنان التشكيلي والناقد الفنّي عبد الرؤوف شمعون، ضمن حلقة حوارية حول المعرض الأخير لهاني حوراني، الذي حمل عنوان "صدأ"، يقول شمعون: "نحن نقف هنا أمام أقفاص فارقها الطير، وسطوح جدران عبرت زمنها، وصفائح (تنك) أنهت مهمة الحفظ، إلى مخلفات أمكنة تحمل معانيَ وجدانية ومرتبطة هذه المعاني، باستخداماتها السابقة، تلك هي مدلولات أية نزعة ذاتية عند الفنان، والتي لن تقف عند حدود رغبة العرض، بل هي تخاطب الاستجابة الجمالية لدى المشاهد، وكأن الفنان يقول لنا: إن جمالية العمل الفني تبدأ حين يتخلص الفنان من التشوّهات المرئية للمشهد، وهاني حوراني كأي فنان لا تعوزه الحساسية المطلوبة لذلك، ثم حين يتقن التدرج، وبنسق أسلوبي محدد وملائم لتحولات المشهد.

أما رؤية الفنان حوراني إلى عمله عموما، وعمله "صدأ" خصوصا، فيلخّصها في قول غريب، يقول: أعيش حالة من الازدواجية في علاقتي بالصورة الفوتوغرافية. إنها علاقة عشق من ناحية، وهي الحالة التي أنظر فيها إلى الصورة الفوتوغرافية كغاية بذاتها، أو كمنتج نهائي أو كعمل فني ناجز. إنها تلك الحالة التي أقف فيها وراء الكاميرا، وأحدد فيها الكادر وأقرر خلالها موضوع صورتي وشكلها النهائي، وهي حالة تستمر مع عملية معالجة الصورة وطباعتها ووضعها في إطار، إلى أن تصل إلى المشاهد. أما الحالة الثانية، فهي التي أتعامل بها مع الصورة الفوتوغرافية كتخطيط لإنتاج لوحة مرسومة، حيث لا أرى في الصورة إلا كونها خامة أولية لعمل فني مقبل، وهذا هو حالي في معارضي الأخيرة، حيث أعمالي هي نتاج تزاوج الرسم مع الصورة الفوتوغرافية، فهي تتشكل كما لو أنها "جنس فني ثالث".

 *كاتب وشاعر من الأردن

* مقال منشور ضمن العدد الثامن والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " واقع الأمية في الوطن العربي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Aghj0R

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق