هكذا اختلطت العقيدة بالسياسة عند الجماعات الإسلامية
05 مارس 2015 | 0 تعليق

حراك -(أرشيفية)
ذوات

جدلية العقيدة والسياسة من أهم الجدليات التي أصبحت مرتبة بالجماعات الإسلامية، وهي الجدلية التي يشتغل عليها الباحث التونسي أنس الطريقي، من خلال دراسة نشرت في موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تحت عنوان "العقيدة والسياسةفي فكر دعاة الإسلام السياسي".

ويفتتح الباحث دراسته المهمة بالإشارة إلى أن إشكالية الدولة، كانت في مقدمة إشكالية الإسلام السياسي في الفترة المعاصرة، ولئن مثلت هذه الإشكالية امتدادا لوعي النخب الفكرية الإسلامية المعاصرة خلال قرن ونصف من الزمن بالعلاقة بين الديني والسياسي بداية من الجيل الإصلاحي الأول رفاعة رفعت الطهطاوي (ت 1873م)، وخير الدين باشا التونسي (ت 1890م)، وجمال الدين الأفغاني (ت 1897م)، ومحمد عبده (ت 1905م)) وصولاً إلى الجيل الصحوي (فتحي يكن (ت 2009 م)، وعبد السلام ياسين (ت 2012م)، وحسن الترابي (و 1932م)، وراشد الغنوشي (و1941م)، ويوسف القرضاوي (و1926م)، وفهمي هويدي (و1937م)...) أنتجت الخطابات الرئيسة للفكر الإسلامي المعاصر(الخطاب الإصلاحي، والخطاب السلفي الشرعي (عبد الحميد بن باديس (ت1940م)، علي عبد الرازق (ت 1966م)، علال الفاسي (ت 1974م) والإخواني (حسن البنا (ت 1949م))، والثيوقراطي (أبو الأعلى المودودي (ت 1979م)، وسيد قطب (ت 1966م)، وروح الله الموسوي الخميني (ت 1989م)، وأبو الحسن الندوي (ت 1999م)، والصحوي (الصحويون) حول الدولة (الدولة الوطنية، دولة الخلافة، الدولة الإسلامية، الدولة الدينية، الدولة الإسلامية)، فإنها كانت تكثيفا لإشكالية النهوض الحضاري وموقع الإسلام فيه.

الإسلاميون عموماً ــ ويصعب نقد أو الاختلاف مع الباحث في هذه النقطة ــ يعتبرون أن حل إشكالية الدولة هو حلّ لإشكالية كيفية استعادة الإسلام منطلقا للنهضة الحضارية العامة. وكان من نتائج هذا الارتكاس أن مثلت طريقة تأويل الإسلام منطلق تصور الدولة يدعم هذه العملية استقرار الإسلام في ذهن النخب القائمة بها، مؤطراً لفكرة المشروع المجتمعي أو مصدرا لرؤية العالم التي تمثل في نظرية الدولة جانبها "الأدلوجي" حسب عبارة العروي. وعلى هذا النحو، كان التأويل السياسي للإسلام بالدولة معبراً عن معنى انبعاث الإسلام أو إحيائه أو تجديده ومضامين هذا الانبعاث، برؤاها المختلفة، في الظاهر، للإنسان والمجتمع ومنظومة القيم المسيرة له، وتبعات هذه الرؤى السياسية.

دراسة الباحث أنس الطريقي، لا تروم البرهنة على التشابه المزعوم بين مقولة الدولة الدينية التيوقراطية ومفهوم الدولة الإسلامية المستحث من قبل الصحويين المتأخرين، وإنما تروم أن تبين مكونات هذا الطرح السياسي الكيفية التي يعطل بها هذا التصور الموحد للإسلام عملية البناء النظري للمدنية سياسياً، وللإنسية حضارياً، فلا ينجح في تجديد الإسلام، وهو ينجز ذلك عبر بيان أثر هذا التصور للإسلام على النظرية السياسية الدولوية، من منطلق الاستفادة مما تقرره نظرية الدولة من تلازم فيها بين مستويين اثنين يمثلان قالبها الصوري. فالدولة بالتعريف: أدلوجة وجهاز، تمثل هذه العبارة للعروي نوعاً أمثل لهذا الشكل التاريخي للسلطة، يجد تصور الإسلام في مفهوم الدولة الإسلامية موقعه فيه بوصفه ممثلاً للأدلوجة. ويجد مفهوماً الحاكمية والتوحيد الإسلامي موقعهما في هذه الأدلوجة بوصفهما أساس هذا التصور الإسلامي، لا سيما وقد عملت آلية المعارضة والقياس للتصور الغربي في الدولة خلفية معلنة أو خفية في ذهن بناة التصور الإسلامي فيها. فمثلت الحاكمية والتوحيد عناصر للأدلوجة الدولوية الإسلامية معادلا لمفهوم السيادة في الأدلوجة الدولوية الغربية. كلا المفهومين صياغة نظرية تعبر عن رؤية للعالم حددت فكرة المشروع المجتمعي، وعينت صورة الجهاز السياسي المناسب لتحقيقها.

دراسة الباحث لا تروم البرهنة على التشابه المزعوم بين مقولة الدولة الدينية التيوقراطية ومفهوم الدولة الإسلامية المستحث من قبل الصحويين، وإنما تروم أن تبين مكونات هذا الطرح السياسي الكيفية التي يعطل بها هذا التصور الموحد للإسلام عملية البناء النظري للمدنية سياسياً، وللإنسية حضارياً

إن اهتمام الباحث بتوضيح إخفاق مفهوم الدولة الإسلامية في التأسيس النظري للسياسة المدنية، ومن وراء ذلك لتأسيس الإنسية الإسلامية حضاريا، ومن ثم إخفاقه في تجديد الإسلام. يجري عبر بيان كيفية تمثيل مقولة التوحيد ومفهومه عند منظري الدولة الإسلامية لمانع رئيس من تأسيس الإنسان سياسياً ومن ثم حضارياً. والهدف من ذلك هو تأكيد حاجة الإسلام إلى التجديد في هذا المستوى؛ أي في مستوى العقيدة، وفي مستوى عقيدة التوحيد بالذات، وهي لا تكتفي بذلك، بل تسعى إلى تعيين المداخل الممكنة لهذا التجديد.

ومن أهم المفاهيم التي اشتغل عليها الباحث مفهوم الحاكمية - التوحيد وعلاقته بالنظرية السياسية في فكر دعاة الإسلام السياسي، ومعلوم أن هذا المفهوم يُمثل أبرز المفاهيم النظرية السياسية المستحدثة عند دعاة الإسلام السياسي منذ نشأة حركة الإخوان المسلمين، ويستمد أهميته عندهم من قدرته على الاستجابة لضرورات تأصيل نظريتهم في الدولة ومعارضة النظرية الغربية فيه؛ فهو بقدر ما يوفر لنظريتهم السياسية عنصرها الأدلوجي قياسا إلى نظرية الدولة عامة، إذ يمثل موافقاً إسلامياً لمفهوم السيادة الغربي، صاغه أبو الأعلى المودودي مواجها لمفهوم السيادة البوداني، يمد هذه النظرية بمستنداتها التأصيلية في الكسمولوجيا الإسلامية الشارحة للكون، عبر ربطها بمفهوم معين للوحدانية الإلهية والتوحيد. يعمل مفهوم الحاكمية هنا عمل القاعدة الفلسفية أو رؤية العالم، ويمكنهم من تحويل الارتباط الوضعي لنظرية الدولة الغربية إلى ارتباط علوي، يبرر عندهم اتصال الدنيوي بالسماوي، والسياسي بالديني، كما يعبرون عنه بمقولة "الإسلام الشامل".

ويخلص الباحث أن الإسلاميين يربطون مفهوم الحاكمية بواسطة مفهوم التوحيد بين النظرية الأنطولوجية والنظرية السياسية، فيوفر قاعدة فكرية للدولة الإسلامية تعمل على ثلاثة مستويات: فهي من ناحية تؤصل تصور الدولة في الكسمولوجيا الإسلامية، وهي من ناحية ثانية تجعل هذه الكسمولوجيا المستوى الأدلوجي الضروري للدولة، وهي من ناحية ثالثة تواجه مفهوم السيادة الغربي القائم على مفهوم حالة الطبيعة بمفهوم الحاكمية الإسلامي القائم على مفهوم الوحدانية. ومن ههنا، يتحول الارتباط الوضعي للدولة بمفهوم السيادة إلى ارتباط ديني بمفهوم الحاكمية، وهو المدخل الذي يمكن الواقعة الدينية من أن تعاش سياسيا، وبالتالي من أن تصبح الفاعل الرئيس إنسانياً أي حضارياً.

كما يخلص الباحث في خاتمة دراسته إلى أن التناقضات في المنهج عند هذه الجماعات الإسلامية، تندرج في تناقضات منهجية أوسع يمثلها اعتمادها على العقل الصوري، باعتبارها الله بداهة غير قابلة للتعليل المنطقي، واستعمالها للعقل أداة للاستدلال من ناحية ثانية. مضيفاً أن تثوير وضعنا السياسي والحضاري العام يمر حتما عبر تثوير تصوراتنا عن الكون وتثوير فكرتنا التوحيدية بالاستتباع، وهو تثوير بقدر ما يتصل بالوجود السياسي والحضاري للعالم العربي الإسلامي في عصر العولمة، يتعلق أيضا بإشكالية الوجود الإنساني في زمن ما بعد الحداثة، وحاجته إلى استعادة المعنى والسحر لوجوده. فإذا كان الديني في القرن الواحد والعشرين يثبت قدرته على مقاومة فعل الحداثة الساعي إلى دفعه إلى المركز الثاني بعد العلم والدولة، بتأكيد أصالته في تركيبة الإنسان، فإنه بات من الضروري أن نستحضر باستمرار التمايز بين محدودية خطابنا الديني المرتبط حتما بأبعاده الزمانية والمكانية، وبين دينامية الدين بوصفه نصا محررا، يمثل خزانا للمعنى علينا أن نسائله من منظور الحرية على الدوام.

لقراءة الدراسة كاملة على الموقع الإلكتروني لـ "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، انقر هنا:

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق